القسم الثاني
صفحات من مذكرات السيد محمد أمين الحسيني
قدمنا في القسم الأول نبذة مختصرة عن حياة وتاريخ سماحة المفتي الأكبر لفلسطين الحاج محمد أمين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس مؤتمر العالم الإسلامي، وفيما يلي وقائع مذكراته التي خطها بيده الكريمة، وهي صفحات مضيئة من تاريخ جهاده وكفاح شعبنا العربي الفلسطيني في أحلك فترة مرت بها البلاد العربية والإسلامية، ننشرها ليحيط بها النشء الفلسطيني والعربي وسائر المسلمين، ممن لم يتوافر له الاطلاع على النواحي الدقيقة من تاريخ القضية الفلسطينية، خاصة ويجري اليوم عملاً سياسياً يبتغي طمس وقائع ونضال الشعب الفلسطيني ومواقفه الحقيقية من قيام الكيان الصهيوني، والنوايا الفعلية للاستعمار البريطاني والأمريكي من إقامة هذا الكيان في القلب من الوطن العربي، فتأتي مذكرات المفتي الأكبر لفلسطين ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج محمد أمين الحسيني لتميط اللثام عن كل حلقات التآمر التي واجهتها القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني منذ ١٩٢٠ حتى ١٩٤٨ سنة النكبة، وتشتمل المذكرات على سرد وتحليل علمي عميق ورصد دقيق للأحداث والأدوار التي مرت بها القضية، وأهم الوقائع التي حفلت بها حياة سماحته، والتي كانت مكرسة لإنقاذ فلسطين وخدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية. وإلى جانب المذكرات نورد في وقت لاحق وقائع المؤتمرات واللقاءات الصحفية وبعض مراسلاته التي استطعنا الحفاظ عليها.
الهجرة من فلسطين:
لم تكن الهجرة من فلسطين من خطتي، ولا خطرت ببالي مغادرة بيت المقدس وغيرها من مدن الوطن وربوعه - وأن كانت الأقطار العربية كلها وطناً للعرب - لاعتقادي أن مكافحة الأعداء في داخل البلاد أولى وأجدى، وأنه لا يجوز لمجاهد أن يهجر وطنه، أو أن يتزحزح عن ميدان كفاحه، إلا مضطراً مرغماً لأمر هو في صالح القضية التي يجاهد في سبيلها. وقد كنت قبيل العدوان الذي حدث بسبب قضية البراق (*) مزمعاً السفر إلى أوروبا، وقد أعددت العدة لتلك السفرة حتى إني حصلت على سمات السفر (التأشيرات) من مثلي الدول التي كنت سأزورها أو أمر بها.