فلما ظهرت بوادر الشر الذي كان يبيته اليهود حينئذ، شعرت بخطورة الموقف وضرورة بقائي في الوطن، فعدلت عن السفر وجابهت الخطر حتى أجلت المعركة عن نصر مبين للعرب، وخذلان مهين لليهود. ولما قامت لجنة بريطانية برئاسة السير ولتر شو (قاضي قضاء سابق) بزيارة فلسطين للتحقيق في أسباب تلك الثورة التي وقع فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، حاول محامو اليهود أمام تلك اللجنة، (وكان يرأسها السير بويد مريمان، وهو محام بريطاني شهير استقدمه اليهود خصيصاً من بريطانيا)، أن يحملوني وزر الدماء المهراقة، مبرهنين على ذلك بما كنت هيأته من وسائل السفر، وزاعمين أني كنت على علم بالمعركة، بل وأني بعدما أحكمت تدبيرها حاولت الخروج من فلسطين لأخلص من أوزارها، ولكن الحوادث داهمتني، وحالت دون إفلاتي. وقد كان جوابي الذي رددت به على مزاعمهم، أني كنت حقاً على وشك السفر، فلما شعرت بالشر الذي بيتوه والكيد الذي كادوه عدلت عن السفر وبقيت، وحتى لو كنت خرجت لسارعت بالعودة إلى البلاد لأواجه عدوانكم البيت على موطني، ولأتحمل المسؤولية كاملة في هذا الموقف.
وحينما قلت هذا القول، لم أكن أظن أني سأضطر لهجرة موطني بعد ثمانية أعوام، أي بعد عام من نشوب ثورة عام (١٩٣٦). تلك الثورة الكبرى التي استمرت ستة أشهر ورافقها الإضراب الفلسطيني العظيم الذي بهر العالم، ثم وقفه نتيجة لتدخل ملوك العرب وقيامهم بالوساطة لدى بريطانيا لإقناعها بإنصاف العرب الفلسطينيين.
وفيما يلي الرسالة البرقية التي أرسلها إلي ملوك العرب وهي بتوقيع المغفور لهم الملك عبد العزيز آل سعود، والملك غازي ملك العراق، والإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن، والأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن (ولم يكن شرق الأردن قد أصبح مملكة حينئذ)، وهي مؤرخة في ٢٢ رجب سنة ١٣٥٥ هـ الموافق ٨/١٠/١٩٣٦:
«حضرة رئيس اللجنة العربية العليا، إلى أبنائنا عرب فلسطين!..
لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين. فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله، ندعوكم للاخلال للسكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا
(*) البراق: وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، ويدعي اليهود زورا بأنه حائط المبكى لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه.