مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 26

Normalized
transcript

فلما ظهرت بوادر الشر الذي كان يبيته اليهود حينئذ، شعرت بخطورة الموقف وضرورة بقائي في الوطن، فعدلت عن السفر وجابهت الخطر حتى أجلت المعركة عن نصر مبين للعرب، وخذلان مهين لليهود. ولما قامت لجنة بريطانية برئاسة السير ولتر شو (قاضي قضاء سابق) بزيارة فلسطين للتحقيق في أسباب تلك الثورة التي وقع فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، حاول محامو اليهود أمام تلك اللجنة، (وكان يرأسها السير بويد مريمان، وهو محام بريطاني شهير استقدمه اليهود خصيصاً من بريطانيا)، أن يحملوني وزر الدماء المهراقة، مبرهنين على ذلك بما كنت هيأته من وسائل السفر، وزاعمين أني كنت على علم بالمعركة، بل وأني بعدما أحكمت تدبيرها حاولت الخروج من فلسطين لأخلص من أوزارها، ولكن الحوادث داهمتني، وحالت دون إفلاتي. وقد كان جوابي الذي رددت به على مزاعمهم، أني كنت حقاً على وشك السفر، فلما شعرت بالشر الذي بيتوه والكيد الذي كادوه عدلت عن السفر وبقيت، وحتى لو كنت خرجت لسارعت بالعودة إلى البلاد لأواجه عدوانكم البيت على موطني، ولأتحمل المسؤولية كاملة في هذا الموقف.

وحينما قلت هذا القول، لم أكن أظن أني سأضطر لهجرة موطني بعد ثمانية أعوام، أي بعد عام من نشوب ثورة عام (١٩٣٦). تلك الثورة الكبرى التي استمرت ستة أشهر ورافقها الإضراب الفلسطيني العظيم الذي بهر العالم، ثم وقفه نتيجة لتدخل ملوك العرب وقيامهم بالوساطة لدى بريطانيا لإقناعها بإنصاف العرب الفلسطينيين.

وفيما يلي الرسالة البرقية التي أرسلها إلي ملوك العرب وهي بتوقيع المغفور لهم الملك عبد العزيز آل سعود، والملك غازي ملك العراق، والإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن، والأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن (ولم يكن شرق الأردن قد أصبح مملكة حينئذ)، وهي مؤرخة في ٢٢ رجب سنة ١٣٥٥ هـ الموافق ٨/١٠/١٩٣٦:

«حضرة رئيس اللجنة العربية العليا، إلى أبنائنا عرب فلسطين!..

لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين. فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله، ندعوكم للاخلال للسكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا

(*) البراق: وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، ويدعي اليهود زورا بأنه حائط المبكى لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه.

English
translation

When signs appeared of the evil that the Jews were plotting at that time, I sensed the gravity of the situation and the necessity of remaining in the homeland. I abandoned the journey and faced the danger until the battle ended in a clear victory for the Arabs and a humiliating defeat for the Jews. When a British commission headed by Sir Walter Shaw (a former judge) visited Palestine to investigate the causes of that revolt, in which a large number were killed and wounded, the Jews’ lawyers before that commission (headed by Sir Boyd Merriman, a famous British lawyer whom the Jews had brought specially from Britain) tried to make me bear the guilt for the blood that had been shed. They offered my travel preparations as proof, alleging that I had known of the battle and, indeed, that after carefully planning it I had tried to leave Palestine to escape its burdens, but events had overtaken me and prevented my escape. My answer to their allegations was that I had indeed been about to travel, but when I sensed the evil they had plotted and the scheme they had devised, I abandoned the journey and stayed. Even if I had left, I would have hastened back to the country to confront your premeditated aggression against my homeland and bear full responsibility in this situation.

When I said this, I did not imagine that I would be forced to leave my homeland eight years later, that is, a year after the outbreak of the revolt of (1936). That great revolt lasted six months and was accompanied by the great Palestinian strike, which astonished the world, then came to a halt as a result of the intervention of the Arab kings and their mediation with Britain to persuade it to do justice to the Palestinian Arabs.

The following is the telegram sent to me by the Arab kings. It bears the signatures of King Abd al-Aziz Al Saud, King Ghazi of Iraq, Imam Yahya Hamid al-Din, King of Yemen, and Emir Abd Allah ibn al-Husayn, Emir of Transjordan (Transjordan had not yet become a kingdom at that time), may God forgive them. It is dated 22 Rajab 1355 AH, corresponding to October 8, 1936:

“To the Chairman of the Arab Higher Committee, to our sons, the Arabs of Palestine!..

We have been deeply pained by the situation prevailing in Palestine. In agreement with our brothers the Arab kings and Emir Abd Allah, we call upon you to return to calm, to spare bloodshed, relying on the good intentions

(*) Al-Buraq: It is the western wall of the blessed al-Aqsa Mosque. The Jews falsely claim that it is the Wailing Wall, in order to erect their alleged Temple upon its ruins.

Analysis

This page is especially significant because it places al-Husayni’s self-defense before the British commission alongside the Arab kings’ 1936 appeal. The memoirist rejects the accusation that travel preparations prove prior knowledge of the revolt, then presents the telegram as an external political intervention urging calm. The printed footnote adds a hostile source-owned claim about the Western Wall and al-Buraq site. The telegram remains open into page 27; the page’s claims are preserved as source evidence and are not independently verified here.

Raw transcript

فلما ظهرت بوادر الشر الذي كان يبيته اليهود حينئذ، شعرت بخطورة الموقف وضرورة بقائي في الوطن، فعدلت عن السفر وجابهت الخطر حتى أجلت المعركة عن نصر مبين للعرب، وخذلان مهين لليهود. ولما قامت لجنة بريطانية برئاسة السير ولتر شو (قاضي قضاء سابق) بزيارة فلسطين للتحقيق في أسباب تلك الثورة التي وقع فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، حاول محامو اليهود أمام تلك اللجنة، (وكان يرأسها السير بويد مريمان، وهو محام بريطاني شهير استقدمه اليهود خصيصاً من بريطانيا)، أن يحملوني وزر الدماء المهراقة، مبرهنين على ذلك بما كنت هيأته من وسائل السفر، وزاعمين أني كنت على علم بالمعركة، بل وأني بعدما أحكمت تدبيرها حاولت الخروج من فلسطين لأخلص من أوزارها، ولكن الحوادث داهمتني، وحالت دون إفلاتي. وقد كان جوابي الذي رددت به على مزاعمهم، أني كنت حقاً على وشك السفر، فلما شعرت بالشر الذي بيتوه والكيد الذي كادوه عدلت عن السفر وبقيت، وحتى لو كنت خرجت لسارعت بالعودة إلى البلاد لأواجه عدوانكم البيت على موطني، ولأتحمل المسؤولية كاملة في هذا الموقف.

وحينما قلت هذا القول، لم أكن أظن أني سأضطر لهجرة موطني بعد ثمانية أعوام، أي بعد عام من نشوب ثورة عام (١٩٣٦). تلك الثورة الكبرى التي استمرت ستة أشهر ورافقها الإضراب الفلسطيني العظيم الذي بهر العالم، ثم وقفه نتيجة لتدخل ملوك العرب وقيامهم بالوساطة لدى بريطانيا لإقناعها بإنصاف العرب الفلسطينيين.

وفيما يلي الرسالة البرقية التي أرسلها إلي ملوك العرب وهي بتوقيع المغفور لهم الملك عبد العزيز آل سعود، والملك غازي ملك العراق، والإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن، والأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن (ولم يكن شرق الأردن قد أصبح مملكة حينئذ)، وهي مؤرخة في ٢٢ رجب سنة ١٣٥٥ هـ الموافق ٨/١٠/١٩٣٦:

«حضرة رئيس اللجنة العربية العليا، إلى أبنائنا عرب فلسطين!..

لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين. فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله، ندعوكم للاخلال للسكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا

(*) البراق: وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، ويدعي اليهود زورا بأنه حائط المبكى لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه.