مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 29

Normalized
transcript

وبعد عودة ذلك الوفد، ألفنا وفداً لزيارة سورية زاملني فيه السادة حسن أبو السعود ومحمد اسحق درويش ومحمد العفيفي. فقابلنا رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي وأركان الدولة السورية الجديدة التي تسلمت الحكم أثر معاهدة (١٩٣٦). ولم نلبث في سورية إذ وصلتنا أخبار مقلقة عن فلسطين تشير إلى أن بريطانيا قد ركبت رأسها وأنها ستشرع في اتخاذ وسائل الشدة والعنف وستقمع بالقوة كل حركة وطنية وتخمد كل نأمة تحررية وأنها شرعت في اعتقال المجاهدين الفلسطينيين. فبادرنا بالعودة إلى فلسطين مسرعين لمجابهة هذا الموقف العدواني الاستعماري. وقد استغربت السلطات البريطانية عودتنا وكانت تظن أننا انتهزنا الفرصة للنجاة بأنفسنا من نقمتها وانقضت فترة من الزمن بذل الإنكليز خلالها أقصى جهودهم في المساومة والإغراء متوسلين بوسائل ووسائط كثيرة.

ولما فشلوا في التأثير علينا بوسائل الإغراء والوعد، عمدوا إلى التهديد والوعيد فأرسل إلي مدير المخابرات العسكرية البريطانية حينئذ المستر «دومفيل» عدة رسائل شفوية مع بضعة أشخاص من أصدقائه ووسطائه كان آخرها رسالة قال فيها: «إن الإنكليز في سبيل مصالحهم ومصلحة الإمبراطورية يفعلون كل شيء، يبطشون ويقتلون ولا يبالون باقتراف أي عمل، فأنصحك ألا تعاند، وأن ترفق بنفسك وبمن معك».

فلما يئسوا من جدوى الوعيد والتهديد أيضاً، عزموا على اتخاذ خطة جديدة من العنف والبطش، وقد أرهصت لذلك الصحف البريطانية واليهودية وبعض الصحف الأخرى الموالية لهم، وبادرت جريدة التايمس اللندنية الوثيقة الصلة بالدوائر الرسمية البريطانية بنشر مقال بتاريخ ١٦ تموز (يوليو) سنة ١٩٣٧م جاء فيها: «إن المفتي هو العقبة الكؤود في سبيل كل حل للمشكلة وأي تفاهم مع اليهود، وأنه لولا الخوف منه لظهر كثير من المعتدلين الذين يمكن التفاهم معهم، فيجب على الحكومة البريطانية أن لا تتركه وشأنه بل تصفيه وتعزله من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وأن تبطش به وبالفريق المتصلب العنيد من المتطرفين...».

وقد كان مقال التايمس هذا نذير دعائي إلى الحذر وإلى توقع شر الإنكليز في وقت قريب. وفعلاً لم يلبث أن تحقق ما توقعته. فقد فاجأتنا السلطة البريطانية باقتحام دار اللجنة العربية العليا لفلسطين في القدس يوم (١٧ تموز يوليو سنة ١٩٣٧) في الساعة الخامسة مساء بينما كانت تعقد اجتماعها بحضور جميع أعضائها وكنت أرأس اجتماعها، فأحاطت بالدار قوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني بعدما سدت منافذ

English
translation

After that delegation returned, we formed a delegation to visit Syria, in which I was accompanied by the gentlemen Hasan Abu al-Suʿud, Muhammad Ishaq Darwish and Muhammad al-Afifi. We met the President of the Republic, Sayyid Hashim al-Atasi, and the leading figures of the new Syrian state that had taken power following the treaty of (1936). We did not remain long in Syria, for disturbing news reached us from Palestine indicating that Britain had stubbornly resolved on its course, that it would begin adopting measures of severity and violence, suppress every national movement by force and silence every murmur of liberation, and that it had begun arresting Palestinian mujahidin. We hastened back to Palestine to confront this aggressive colonialist stance. The British authorities were surprised by our return, having thought that we had seized the opportunity to save ourselves from their vengeance. A period of time passed during which the English exerted their utmost efforts at bargaining and inducement, resorting to many means and intermediaries.

When they failed to influence us through inducements and promises, they resorted to threats and intimidation. The director of British military intelligence at the time, Mr. “Domville,” sent me several oral messages through a few of his friends and intermediaries. The last was a message in which he said: “For the sake of their interests and the interests of the Empire, the English will do anything. They strike ruthlessly and kill, and do not shrink from committing any act. I therefore advise you not to be obstinate, and to spare yourself and those with you.”

When they also despaired of achieving anything through intimidation and threats, they resolved to adopt a new course of violence and repression. The British and Jewish newspapers and some other newspapers loyal to them foreshadowed this. The London Times, closely connected with British official circles, took the initiative by publishing an article dated July 16, 1937 CE, which stated: “The Mufti is the formidable obstacle to every solution of the problem and any understanding with the Jews. Were it not for fear of him, many moderates with whom an understanding could be reached would emerge. The British government must therefore not leave him alone, but liquidate him, remove him from the presidency of the Supreme Islamic Council, and strike ruthlessly at him and the rigid, obstinate group of extremists...”

This Times article was a warning that called me to be cautious and to expect evil from the English soon. Indeed, what I had expected was not long in coming. The British authority surprised us by storming the headquarters of the Arab Higher Committee for Palestine in Jerusalem on (July 17, 1937), at five o’clock in the afternoon, while it was holding a meeting attended by all its members and I was presiding. A large force of British police surrounded the building after blocking the entrances to

Analysis

This page presents the memoirist’s return to Palestine, the British threats he attributes to military intelligence, and a quoted Times passage calling for his removal and violent repression of his supporters. It is especially significant because it records a direct source-owned justification for treating al-Husayni as an obstacle and then links that rhetoric to the reported raid on the Arab Higher Committee in Jerusalem. The final raid sentence continues onto page 30. The quotations and chronology remain memoir evidence and are not independently verified here.

Raw transcript

وبعد عودة ذلك الوفد، ألفنا وفداً لزيارة سورية زاملني فيه السادة حسن أبو السعود ومحمد اسحق درويش ومحمد العفيفي. فقابلنا رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي وأركان الدولة السورية الجديدة التي تسلمت الحكم أثر معاهدة (١٩٣٦). ولم نلبث في سورية إذ وصلتنا أخبار مقلقة عن فلسطين تشير إلى أن بريطانيا قد ركبت رأسها وأنها ستشرع في اتخاذ وسائل الشدة والعنف وستقمع بالقوة كل حركة وطنية وتخمد كل نأمة تحررية وأنها شرعت في اعتقال المجاهدين الفلسطينيين. فبادرنا بالعودة إلى فلسطين مسرعين لمجابهة هذا الموقف العدواني الاستعماري. وقد استغربت السلطات البريطانية عودتنا وكانت تظن أننا انتهزنا الفرصة للنجاة بأنفسنا من نقمتها وانقضت فترة من الزمن بذل الإنكليز خلالها أقصى جهودهم في المساومة والإغراء متوسلين بوسائل ووسائط كثيرة.

ولما فشلوا في التأثير علينا بوسائل الإغراء والوعد، عمدوا إلى التهديد والوعيد فأرسل إلي مدير المخابرات العسكرية البريطانية حينئذ المستر «دومفيل» عدة رسائل شفوية مع بضعة أشخاص من أصدقائه ووسطائه كان آخرها رسالة قال فيها: «إن الإنكليز في سبيل مصالحهم ومصلحة الإمبراطورية يفعلون كل شيء، يبطشون ويقتلون ولا يبالون باقتراف أي عمل، فأنصحك ألا تعاند، وأن ترفق بنفسك وبمن معك».

فلما يئسوا من جدوى الوعيد والتهديد أيضاً، عزموا على اتخاذ خطة جديدة من العنف والبطش، وقد أرهصت لذلك الصحف البريطانية واليهودية وبعض الصحف الأخرى الموالية لهم، وبادرت جريدة التايمس اللندنية الوثيقة الصلة بالدوائر الرسمية البريطانية بنشر مقال بتاريخ ١٦ تموز (يوليو) سنة ١٩٣٧م جاء فيها: «إن المفتي هو العقبة الكؤود في سبيل كل حل للمشكلة وأي تفاهم مع اليهود، وأنه لولا الخوف منه لظهر كثير من المعتدلين الذين يمكن التفاهم معهم، فيجب على الحكومة البريطانية أن لا تتركه وشأنه بل تصفيه وتعزله من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وأن تبطش به وبالفريق المتصلب العنيد من المتطرفين...».

وقد كان مقال التايمس هذا نذير دعائي إلى الحذر وإلى توقع شر الإنكليز في وقت قريب. وفعلاً لم يلبث أن تحقق ما توقعته. فقد فاجأتنا السلطة البريطانية باقتحام دار اللجنة العربية العليا لفلسطين في القدس يوم (١٧ تموز يوليو سنة ١٩٣٧) في الساعة الخامسة مساء بينما كانت تعقد اجتماعها بحضور جميع أعضائها وكنت أرأس اجتماعها، فأحاطت بالدار قوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني بعدما سدت منافذ