وبعد عودة ذلك الوفد، ألفنا وفداً لزيارة سورية زاملني فيه السادة حسن أبو السعود ومحمد اسحق درويش ومحمد العفيفي. فقابلنا رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي وأركان الدولة السورية الجديدة التي تسلمت الحكم أثر معاهدة (١٩٣٦). ولم نلبث في سورية إذ وصلتنا أخبار مقلقة عن فلسطين تشير إلى أن بريطانيا قد ركبت رأسها وأنها ستشرع في اتخاذ وسائل الشدة والعنف وستقمع بالقوة كل حركة وطنية وتخمد كل نأمة تحررية وأنها شرعت في اعتقال المجاهدين الفلسطينيين. فبادرنا بالعودة إلى فلسطين مسرعين لمجابهة هذا الموقف العدواني الاستعماري. وقد استغربت السلطات البريطانية عودتنا وكانت تظن أننا انتهزنا الفرصة للنجاة بأنفسنا من نقمتها وانقضت فترة من الزمن بذل الإنكليز خلالها أقصى جهودهم في المساومة والإغراء متوسلين بوسائل ووسائط كثيرة.
ولما فشلوا في التأثير علينا بوسائل الإغراء والوعد، عمدوا إلى التهديد والوعيد فأرسل إلي مدير المخابرات العسكرية البريطانية حينئذ المستر «دومفيل» عدة رسائل شفوية مع بضعة أشخاص من أصدقائه ووسطائه كان آخرها رسالة قال فيها: «إن الإنكليز في سبيل مصالحهم ومصلحة الإمبراطورية يفعلون كل شيء، يبطشون ويقتلون ولا يبالون باقتراف أي عمل، فأنصحك ألا تعاند، وأن ترفق بنفسك وبمن معك».
فلما يئسوا من جدوى الوعيد والتهديد أيضاً، عزموا على اتخاذ خطة جديدة من العنف والبطش، وقد أرهصت لذلك الصحف البريطانية واليهودية وبعض الصحف الأخرى الموالية لهم، وبادرت جريدة التايمس اللندنية الوثيقة الصلة بالدوائر الرسمية البريطانية بنشر مقال بتاريخ ١٦ تموز (يوليو) سنة ١٩٣٧م جاء فيها: «إن المفتي هو العقبة الكؤود في سبيل كل حل للمشكلة وأي تفاهم مع اليهود، وأنه لولا الخوف منه لظهر كثير من المعتدلين الذين يمكن التفاهم معهم، فيجب على الحكومة البريطانية أن لا تتركه وشأنه بل تصفيه وتعزله من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وأن تبطش به وبالفريق المتصلب العنيد من المتطرفين...».
وقد كان مقال التايمس هذا نذير دعائي إلى الحذر وإلى توقع شر الإنكليز في وقت قريب. وفعلاً لم يلبث أن تحقق ما توقعته. فقد فاجأتنا السلطة البريطانية باقتحام دار اللجنة العربية العليا لفلسطين في القدس يوم (١٧ تموز يوليو سنة ١٩٣٧) في الساعة الخامسة مساء بينما كانت تعقد اجتماعها بحضور جميع أعضائها وكنت أرأس اجتماعها، فأحاطت بالدار قوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني بعدما سدت منافذ