مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 30

Normalized
transcript

الطرق وطوقت الحي كله، وكانت مسلحة بمدافع التومي والبنادق سريعة الطلقات وعلى رأسها الضابطان ركتر وفنغرلاد، من ضباط دائرة التحريات الجنائية، فقطعوا خطوط التلفون ثم اقتحموا غرفة الاجتماع وباقي غرف الدار وأخذوا يبحثون عني بحثاً دقيقاً في كل مكان، وكانت السلطات البريطانية قد أعلنت صحيفة حريتي لنقلي إلى ميناء حيفا حيث كان انتظارى لنقلي إلى جزيرة موريشس في المحيط الهندي. ولكني في اللحظة الأخيرة وقبل إحكام طوق الحصار العسكري كلية تمكنت من الخروج من الدار والإفلات من الشرك والوصول إلى باب المدينة القديمة التي يحيط بها سور عال من بناء السلاطين العثمانيين لحماية القدس من هجمات الأعداء. فتحت الباب ووصلت إلى منزلي المشرف على الجدار الغربي المعروف بمكان البراق والواقع مدخله بين أروقة ساحة المسجد الأقصى المبارك العظيمة الاتساع التي تبلغ مساحتها ثلاثة وسبعين دونماً.

ولما كان المسجد الأقصى يضم في ذلك الوقت عدداً من المجاهدين الفلسطينيين بالبنادق والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية وقد كانوا على أتم استعداد لمقابلة العدوان البريطاني، فقد اضطرت السلطات البريطانية بعدما فشلت في القبض علي، أن تضع حراسة عسكرية قوية على أبواب المسجد الأقصى الجديدة وحول أسوار المدينة القديمة لمنعي من النجاة. وظلت هذه القوة نحو ثلاثة أشهر محاصرة المسجد الأقصى فقد منعت خلالها على البريد والبرقيات والاتصال بالعالم كما قطعت التلفون والكهرباء.

وأخيراً جاءت بقوة عسكرية من مسلمي الهند قاصدة أن تقتحم بها أبواب المسجد الأقصى للقبض علي وعلى من فيه من المجاهدين ولما كان ذلك بسبب نتائج خطيرة وخسائر فادحة في الأنفس ولا سيما في هذا المسجد المبارك العظيم الذي يجب أن تتوفر له من قدسية ومكانة دينية وتاريخية وأثرية، فقد قررت عندئذ فقط الخروج من القدس والمجازفة باختراق نطاق الجند المحاصر لي وللمسجد من جميع أطرافه، والهجرة إلى أحد الأقطار العربية المجاورة حيث تتوفر لي حرية العمل ومتابعة حركة الجهاد والتحرر التي أوشكت أن تستأنف نشاطها بعد صدور قرار اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين.

ولم يكن قرار الخروج والهجرة يسيراً علي، لأني لم أحب الابتعاد عن ميدان المعركة من جهة ولارتباط الإنسان الفطري بوطنه ودياره من جهة ثانية. وقد شجعني على اتخاذ قراري هذا ما جاء في الآية الشريفة:

«قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا».

English
translation

the roads and encircling the entire neighborhood. It was armed with Tommy guns and rapid-fire rifles and led by the officers Rikter and Fingirlad of the Criminal Investigation Department. They cut the telephone lines, then stormed the meeting room and the other rooms in the building, searching meticulously for me everywhere. The British authorities had announced the record of my freedom [wording unclear] in order to transfer me to the port of Haifa, where I was awaited for transfer to the island of Mauritius in the Indian Ocean. But at the last moment, before the military cordon had been completely closed, I managed to leave the building, escape the trap and reach the gate of the Old City, which is surrounded by a high wall built by the Ottoman sultans to protect Jerusalem from enemy attacks. I opened the gate and reached my house overlooking the western wall, known as the al-Buraq site. Its entrance lies among the arcades of the immensely spacious courtyard of the blessed al-Aqsa Mosque, whose area amounts to seventy-three dunams.

At that time, al-Aqsa Mosque housed a number of Palestinian mujahidin with rifles, machine guns and hand grenades, fully prepared to confront British aggression. After failing to arrest me, the British authorities were therefore compelled to post a strong military guard at the new gates of al-Aqsa Mosque and around the walls of the Old City to prevent my escape. This force remained for about three months besieging al-Aqsa Mosque. During that time, it denied me mail, telegrams and contact with the world and cut off the telephone and electricity.

Finally, the authorities brought a military force of Indian Muslims, intending to use it to storm the gates of al-Aqsa Mosque and arrest me and the mujahidin inside. Since this would cause grave consequences and heavy loss of life, especially in this great blessed mosque, whose sanctity and religious, historical and archaeological standing must be safeguarded, only then did I decide to leave Jerusalem and risk breaking through the ring of troops besieging me and the mosque on every side, and to depart for one of the neighboring Arab countries, where I would have the freedom to work and continue the movement of jihad and liberation, which was about to resume its activity following the Royal Commission’s decision to partition Palestine.

The decision to leave and depart was not easy for me, because, on the one hand, I did not wish to distance myself from the battlefield and, on the other, a person is naturally attached to his homeland and home. What encouraged me to make this decision was the following noble verse:

“Say: If your fathers, your sons, your brothers, your spouses, your clan and wealth you have acquired,

Analysis

This page describes the reported raid, al-Husayni’s escape, the British siege around al-Aqsa Mosque, and his eventual decision to leave Jerusalem. It is especially significant for the memoir’s connection between political pursuit, the protection of the mosque, and continued jihad and liberation after the partition decision. The page ends with a Qur’anic quotation that continues onto page 31; the translation preserves that grammatical continuity. The account, including officer names, troop movements, numbers, and motives, remains source-owned and is not independently verified here.

Raw transcript

الطرق وطوقت الحي كله، وكانت مسلحة بمدافع التومي والبنادق سريعة الطلقات وعلى رأسها الضابطان ركتر وفنغرلاد، من ضباط دائرة التحريات الجنائية، فقطعوا خطوط التلفون ثم اقتحموا غرفة الاجتماع وباقي غرف الدار وأخذوا يبحثون عني بحثاً دقيقاً في كل مكان، وكانت السلطات البريطانية قد أعلنت صحيفة حريتي لنقلي إلى ميناء حيفا حيث كان انتظارى لنقلي إلى جزيرة موريشس في المحيط الهندي. ولكني في اللحظة الأخيرة وقبل إحكام طوق الحصار العسكري كلية تمكنت من الخروج من الدار والإفلات من الشرك والوصول إلى باب المدينة القديمة التي يحيط بها سور عال من بناء السلاطين العثمانيين لحماية القدس من هجمات الأعداء. فتحت الباب ووصلت إلى منزلي المشرف على الجدار الغربي المعروف بمكان البراق والواقع مدخله بين أروقة ساحة المسجد الأقصى المبارك العظيمة الاتساع التي تبلغ مساحتها ثلاثة وسبعين دونماً.

ولما كان المسجد الأقصى يضم في ذلك الوقت عدداً من المجاهدين الفلسطينيين بالبنادق والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية وقد كانوا على أتم استعداد لمقابلة العدوان البريطاني، فقد اضطرت السلطات البريطانية بعدما فشلت في القبض علي، أن تضع حراسة عسكرية قوية على أبواب المسجد الأقصى الجديدة وحول أسوار المدينة القديمة لمنعي من النجاة. وظلت هذه القوة نحو ثلاثة أشهر محاصرة المسجد الأقصى فقد منعت خلالها على البريد والبرقيات والاتصال بالعالم كما قطعت التلفون والكهرباء.

وأخيراً جاءت بقوة عسكرية من مسلمي الهند قاصدة أن تقتحم بها أبواب المسجد الأقصى للقبض علي وعلى من فيه من المجاهدين ولما كان ذلك بسبب نتائج خطيرة وخسائر فادحة في الأنفس ولا سيما في هذا المسجد المبارك العظيم الذي يجب أن تتوفر له من قدسية ومكانة دينية وتاريخية وأثرية، فقد قررت عندئذ فقط الخروج من القدس والمجازفة باختراق نطاق الجند المحاصر لي وللمسجد من جميع أطرافه، والهجرة إلى أحد الأقطار العربية المجاورة حيث تتوفر لي حرية العمل ومتابعة حركة الجهاد والتحرر التي أوشكت أن تستأنف نشاطها بعد صدور قرار اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين.

ولم يكن قرار الخروج والهجرة يسيراً علي، لأني لم أحب الابتعاد عن ميدان المعركة من جهة ولارتباط الإنسان الفطري بوطنه ودياره من جهة ثانية. وقد شجعني على اتخاذ قراري هذا ما جاء في الآية الشريفة:

«قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا».