الطرق وطوقت الحي كله، وكانت مسلحة بمدافع التومي والبنادق سريعة الطلقات وعلى رأسها الضابطان ركتر وفنغرلاد، من ضباط دائرة التحريات الجنائية، فقطعوا خطوط التلفون ثم اقتحموا غرفة الاجتماع وباقي غرف الدار وأخذوا يبحثون عني بحثاً دقيقاً في كل مكان، وكانت السلطات البريطانية قد أعلنت صحيفة حريتي لنقلي إلى ميناء حيفا حيث كان انتظارى لنقلي إلى جزيرة موريشس في المحيط الهندي. ولكني في اللحظة الأخيرة وقبل إحكام طوق الحصار العسكري كلية تمكنت من الخروج من الدار والإفلات من الشرك والوصول إلى باب المدينة القديمة التي يحيط بها سور عال من بناء السلاطين العثمانيين لحماية القدس من هجمات الأعداء. فتحت الباب ووصلت إلى منزلي المشرف على الجدار الغربي المعروف بمكان البراق والواقع مدخله بين أروقة ساحة المسجد الأقصى المبارك العظيمة الاتساع التي تبلغ مساحتها ثلاثة وسبعين دونماً.
ولما كان المسجد الأقصى يضم في ذلك الوقت عدداً من المجاهدين الفلسطينيين بالبنادق والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية وقد كانوا على أتم استعداد لمقابلة العدوان البريطاني، فقد اضطرت السلطات البريطانية بعدما فشلت في القبض علي، أن تضع حراسة عسكرية قوية على أبواب المسجد الأقصى الجديدة وحول أسوار المدينة القديمة لمنعي من النجاة. وظلت هذه القوة نحو ثلاثة أشهر محاصرة المسجد الأقصى فقد منعت خلالها على البريد والبرقيات والاتصال بالعالم كما قطعت التلفون والكهرباء.
وأخيراً جاءت بقوة عسكرية من مسلمي الهند قاصدة أن تقتحم بها أبواب المسجد الأقصى للقبض علي وعلى من فيه من المجاهدين ولما كان ذلك بسبب نتائج خطيرة وخسائر فادحة في الأنفس ولا سيما في هذا المسجد المبارك العظيم الذي يجب أن تتوفر له من قدسية ومكانة دينية وتاريخية وأثرية، فقد قررت عندئذ فقط الخروج من القدس والمجازفة باختراق نطاق الجند المحاصر لي وللمسجد من جميع أطرافه، والهجرة إلى أحد الأقطار العربية المجاورة حيث تتوفر لي حرية العمل ومتابعة حركة الجهاد والتحرر التي أوشكت أن تستأنف نشاطها بعد صدور قرار اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين.
ولم يكن قرار الخروج والهجرة يسيراً علي، لأني لم أحب الابتعاد عن ميدان المعركة من جهة ولارتباط الإنسان الفطري بوطنه ودياره من جهة ثانية. وقد شجعني على اتخاذ قراري هذا ما جاء في الآية الشريفة:
«قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا».