مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 31

Normalized
transcript

وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين. فقد كنت أشعر براحة ودعة وطمأنينة في مسكني، فلم يكن من السهل علي مغادرته.

أما كيفية خروجي من منزلي، ونجاتي من نطاق الجند البريطاني الذي كان يحيط بحرم المسجد الأقصى والمدينة المقدسة ليلاً ونهاراً، فقد تحدثت عنها في الصحف كثيراً في ذلك الحين، حتى أن جريدة الديلي إكسبرس خاطبتني بالتلفون من لندن بعد وصولي إلى بيروت عارضة علي عشرين ألف دولار لقاء كشف الطريقة التي استطعت بها اختراق الحصار العسكري البريطاني الشديد، فراع ذلك لأنفتي من عروضهم ولاعتقادي أن ظروف القضية الفلسطينية ووفرة أعدائها من الإنكليز واليهود، قد تضطرني للقيام بمثل هذه المغامرة مرة أخرى، وبالفعل فقد لجأت إليها بعد ذلك.

لقد كان البيت الذي أقيم به في القدس من المباني القديمة المحيطة بالمسجد الأقصى شادتها الدول الإسلامية السابقة لتكون روابط ومدارس ومراكز روحية ودفاعية عن المكان المقدس. وقد اعتدت خلال الثورات المتتالية والمعارك الدموية التي كانت تنشب في بيت المقدس، وسائر فلسطين، في عهد حكومة استعمارية ضالعة مع الأعداء أن الحذر والحيطة ضرورة قصوى، فأغلقت أبواب بيتي ومنافذه إلا الباب المتصل بحرم المسجد الأقصى، كما فتحت منفذاً سرياً يتصل بإحدى الأبنية القديمة الضخمة التي أنشئت في عهد المماليك والمسماة بمدرسة قايتباي وهي توصل إلى بيوت ومنافذ أخرى يمكنني سلوكها والنجاة منها عند الضرورة. وبعد دراسة السبل التي ينبغي اتخاذها لاجتياز نطاق الجند البريطاني، لم تكن هناك سبيل للخروج من أي باب لشدة الحراسة والتفتيش ولم يكن مناص من تسلق أحد الأسوار والهبوط منه إلى الخارج. وهكذا كان فقد ربط حبل متين في أعلى سور المسجد الجنوبي هبطت مع رفيقي بواسطته من ارتفاع عشرين متراً حتى وصلنا الأرض. وقد نبحتنا كلاب اليهود منبهة أسماع الجنود الإنكليز الذين كانوا يروحون ويغدون وراء سياج المزرعة (الحاكورة) التي هبطنا إليها والتي لم يكن بد من اجتيازها. وقد رصد صاحب الزرعة سير الجنود حتى سنحت لنا فرصة فخرجنا من المزرعة، وهبطنا إلى «وادي الربابة».

(١) المرحوم عارف العاعوني من كبار مجاهدي القدس.

(٢) كان صاحب الزرعة (الحاكورة) يعرف المرحوم عارف العاعوني الذي أفهمه أن معه أحد الأصدقاء، دون ذكر الاسم، يريد تسهيل هروبه.

English
translation

and trade whose decline you fear, and dwellings that please you, are dearer to you than God and His Messenger and jihad in His path, then wait until God brings His command. God does not guide the disobedient people.” I had felt comfort, ease and tranquility in my dwelling, so it was not easy for me to leave it.

As for how I left my house and escaped the ring of British troops surrounding the sanctuary of al-Aqsa Mosque and the Holy City day and night, I spoke about it often in the newspapers at the time. The Daily Express even telephoned me from London after my arrival in Beirut, offering me twenty thousand dollars in return for revealing how I had managed to break through the tight British military siege. This dismayed me, because I disdained their offers and believed that the circumstances of the Palestinian question and the abundance of its English and Jewish enemies might force me to undertake such an adventure again. Indeed, I resorted to it afterward.

The house in which I lived in Jerusalem was one of the old buildings surrounding al-Aqsa Mosque, erected by earlier Islamic states to serve as lodges, schools, and spiritual and defensive centers for the holy place. During the successive revolts and bloody battles that broke out in Jerusalem and throughout Palestine under a colonial government complicit with the enemies, I had come to regard caution and vigilance as an absolute necessity. I closed the doors and openings of my house except for the door connected to the sanctuary of al-Aqsa Mosque. I also opened a secret passage leading to one of the massive old buildings erected in the Mamluk period, called the Qaytbay School. It led to other houses and exits through which I could pass and escape when necessary. After studying the routes to take to cross the ring of British troops, there was no way out through any gate because of the strict guard and searches, and no alternative to climbing one of the walls and descending outside it. And so it was: a strong rope was tied to the top of the mosque’s southern wall, and my companion and I descended by it from a height of twenty meters until we reached the ground. The Jews’ dogs barked at us, alerting the English soldiers who were pacing back and forth beyond the fence of the farm (the hakura) into which we had descended and which we had to cross. The owner of the plot watched the soldiers’ movements until an opportunity arose for us. We left the farm and descended into “Wadi al-Rababa.”

(1) The late Arif al-Aauni, one of the leading mujahidin of Jerusalem.

(2) The owner of the plot (the hakura) knew the late Arif al-Aauni, who told him that he had a friend with him, without mentioning his name, whose escape he wanted to facilitate.

Analysis

This page completes the Qur’anic quotation begun on page 30 and then shifts to the memoirist’s account of leaving the al-Aqsa compound and Jerusalem. It is especially significant for the way the narrative joins religious language about attachment and sacrifice to a detailed escape route, secret passage, rope descent, and assistance from named Jerusalem figures. The two printed footnotes identify participants in that escape. The account preserves the memoirist’s hostile characterization of English and Jewish enemies; its names, payment claim, route, and chronology remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين. فقد كنت أشعر براحة ودعة وطمأنينة في مسكني، فلم يكن من السهل علي مغادرته.

أما كيفية خروجي من منزلي، ونجاتي من نطاق الجند البريطاني الذي كان يحيط بحرم المسجد الأقصى والمدينة المقدسة ليلاً ونهاراً، فقد تحدثت عنها في الصحف كثيراً في ذلك الحين، حتى أن جريدة الديلي إكسبرس خاطبتني بالتلفون من لندن بعد وصولي إلى بيروت عارضة علي عشرين ألف دولار لقاء كشف الطريقة التي استطعت بها اختراق الحصار العسكري البريطاني الشديد، فراع ذلك لأنفتي من عروضهم ولاعتقادي أن ظروف القضية الفلسطينية ووفرة أعدائها من الإنكليز واليهود، قد تضطرني للقيام بمثل هذه المغامرة مرة أخرى، وبالفعل فقد لجأت إليها بعد ذلك.

لقد كان البيت الذي أقيم به في القدس من المباني القديمة المحيطة بالمسجد الأقصى شادتها الدول الإسلامية السابقة لتكون روابط ومدارس ومراكز روحية ودفاعية عن المكان المقدس. وقد اعتدت خلال الثورات المتتالية والمعارك الدموية التي كانت تنشب في بيت المقدس، وسائر فلسطين، في عهد حكومة استعمارية ضالعة مع الأعداء أن الحذر والحيطة ضرورة قصوى، فأغلقت أبواب بيتي ومنافذه إلا الباب المتصل بحرم المسجد الأقصى، كما فتحت منفذاً سرياً يتصل بإحدى الأبنية القديمة الضخمة التي أنشئت في عهد المماليك والمسماة بمدرسة قايتباي وهي توصل إلى بيوت ومنافذ أخرى يمكنني سلوكها والنجاة منها عند الضرورة. وبعد دراسة السبل التي ينبغي اتخاذها لاجتياز نطاق الجند البريطاني، لم تكن هناك سبيل للخروج من أي باب لشدة الحراسة والتفتيش ولم يكن مناص من تسلق أحد الأسوار والهبوط منه إلى الخارج. وهكذا كان فقد ربط حبل متين في أعلى سور المسجد الجنوبي هبطت مع رفيقي بواسطته من ارتفاع عشرين متراً حتى وصلنا الأرض. وقد نبحتنا كلاب اليهود منبهة أسماع الجنود الإنكليز الذين كانوا يروحون ويغدون وراء سياج المزرعة (الحاكورة) التي هبطنا إليها والتي لم يكن بد من اجتيازها. وقد رصد صاحب الزرعة سير الجنود حتى سنحت لنا فرصة فخرجنا من المزرعة، وهبطنا إلى «وادي الربابة».

(١) المرحوم عارف العاعوني من كبار مجاهدي القدس.

(٢) كان صاحب الزرعة (الحاكورة) يعرف المرحوم عارف العاعوني الذي أفهمه أن معه أحد الأصدقاء، دون ذكر الاسم، يريد تسهيل هروبه.