وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين. فقد كنت أشعر براحة ودعة وطمأنينة في مسكني، فلم يكن من السهل علي مغادرته.
أما كيفية خروجي من منزلي، ونجاتي من نطاق الجند البريطاني الذي كان يحيط بحرم المسجد الأقصى والمدينة المقدسة ليلاً ونهاراً، فقد تحدثت عنها في الصحف كثيراً في ذلك الحين، حتى أن جريدة الديلي إكسبرس خاطبتني بالتلفون من لندن بعد وصولي إلى بيروت عارضة علي عشرين ألف دولار لقاء كشف الطريقة التي استطعت بها اختراق الحصار العسكري البريطاني الشديد، فراع ذلك لأنفتي من عروضهم ولاعتقادي أن ظروف القضية الفلسطينية ووفرة أعدائها من الإنكليز واليهود، قد تضطرني للقيام بمثل هذه المغامرة مرة أخرى، وبالفعل فقد لجأت إليها بعد ذلك.
لقد كان البيت الذي أقيم به في القدس من المباني القديمة المحيطة بالمسجد الأقصى شادتها الدول الإسلامية السابقة لتكون روابط ومدارس ومراكز روحية ودفاعية عن المكان المقدس. وقد اعتدت خلال الثورات المتتالية والمعارك الدموية التي كانت تنشب في بيت المقدس، وسائر فلسطين، في عهد حكومة استعمارية ضالعة مع الأعداء أن الحذر والحيطة ضرورة قصوى، فأغلقت أبواب بيتي ومنافذه إلا الباب المتصل بحرم المسجد الأقصى، كما فتحت منفذاً سرياً يتصل بإحدى الأبنية القديمة الضخمة التي أنشئت في عهد المماليك والمسماة بمدرسة قايتباي وهي توصل إلى بيوت ومنافذ أخرى يمكنني سلوكها والنجاة منها عند الضرورة. وبعد دراسة السبل التي ينبغي اتخاذها لاجتياز نطاق الجند البريطاني، لم تكن هناك سبيل للخروج من أي باب لشدة الحراسة والتفتيش ولم يكن مناص من تسلق أحد الأسوار والهبوط منه إلى الخارج. وهكذا كان فقد ربط حبل متين في أعلى سور المسجد الجنوبي هبطت مع رفيقي بواسطته من ارتفاع عشرين متراً حتى وصلنا الأرض. وقد نبحتنا كلاب اليهود منبهة أسماع الجنود الإنكليز الذين كانوا يروحون ويغدون وراء سياج المزرعة (الحاكورة) التي هبطنا إليها والتي لم يكن بد من اجتيازها. وقد رصد صاحب الزرعة سير الجنود حتى سنحت لنا فرصة فخرجنا من المزرعة، وهبطنا إلى «وادي الربابة».
(١) المرحوم عارف العاعوني من كبار مجاهدي القدس.
(٢) كان صاحب الزرعة (الحاكورة) يعرف المرحوم عارف العاعوني الذي أفهمه أن معه أحد الأصدقاء، دون ذكر الاسم، يريد تسهيل هروبه.