ثم صعدنا الحي العربي القائم على جبل «الشيخ الثوري» حيث كان في انتظارنا أحد الأصدقاء في سيارة أعدت إعداداً جيداً.
وكان الخروج من القدس في الساعة السابعة من مساء الثامن من شعبان سنة ١٣٥٦ هـ الموافق ١٣ أكتوبر سنة ١٩٣٧، فوصلت بنا السيارة إلى يافا رغم تعرضها للتفتيش مراراً، وكنت أرتدي ملابس بدوية بسيطة مهلهلة. ونزلنا في بيت أحد الأصدقاء من سراة يافا على شاطئ البحر وكنا معه على ميعاد في تلك الليلة، وقد أعد زورقاً بخارياً لنقلنا إلى الشواطئ اللبنانية ولكن الإنكليز ارتابوا في هذا الزورق فراقبوه وحجزوه، ولما لم يكن في وسعنا الانتظار طويلاً لكي لا يتكشف خبر خروجنا من القدس، فقد اضطررنا أن نركب في زورق شراعي صغير حمولته طن واحد ولا يزيد طوله على ثلاثة أمتار، يملكه شاب وطني مغامر من بحارة يافا الشجعان، متوكلين على الله. وسار الزورق بي وبرفيقي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل متسللاً ومحاذراً زوارق دوريات البوليس البريطاني البخارية التي كانت ترسل أضواءها الكاشفة إلى كل مكان وكان زورقنا الضئيل يستتر في ظلال المباني العالية المحاذية للشاطئ كلما تسلطت عليه الأنوار.
واستطعنا أن نسير ببطء شديد ونخرج من ميناء يافا ونصل إلى ميناء تل أبيب بعد ساعات وطلع علينا الصبح ونحن لم نزل أمام قرية سيدنا علي، وهي قلعة أرسوف، حيث شاهدنا سفينة حربية صغيرة تقتفي أثرنا من حرس السواحل غير آبهة، ثم استأنفنا السير وكانت الريح معاكسة لنا وتجري بما لا تشتهي سفينتنا الصغيرة ما اضطرنا إلى طي الشراع واستعمال المجاذيف.
ولما جن الليل أوينا إلى صخرة قريبة من ميناء أبو زابورة وهكذا لم نقطع خلال خمس عشرة ساعة أكثر من أربعين كيلومتراً.
وبعد أن نلنا نصيبنا من الراحة استأنفنا السير الليل كله وأصبحنا على مقربة من شاطئ قرية (الطنطورة) جنوبي حيفا حيث أوينا إلى ظل كهف كان يلجأ إليه المهربون عادة، فتناولنا قسطاً من الراحة والطعام وأغفينا قليلاً إذ بقوة من بوليس مراقبة المهربين في ذلك الشاطئ تدهمنا.
(١) المرحوم يوسف ضيا الدجاني.
(٢) المرحوم يوسف اللواح ومساعد له.