مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 32

Normalized
transcript

ثم صعدنا الحي العربي القائم على جبل «الشيخ الثوري» حيث كان في انتظارنا أحد الأصدقاء في سيارة أعدت إعداداً جيداً.

وكان الخروج من القدس في الساعة السابعة من مساء الثامن من شعبان سنة ١٣٥٦ هـ الموافق ١٣ أكتوبر سنة ١٩٣٧، فوصلت بنا السيارة إلى يافا رغم تعرضها للتفتيش مراراً، وكنت أرتدي ملابس بدوية بسيطة مهلهلة. ونزلنا في بيت أحد الأصدقاء من سراة يافا على شاطئ البحر وكنا معه على ميعاد في تلك الليلة، وقد أعد زورقاً بخارياً لنقلنا إلى الشواطئ اللبنانية ولكن الإنكليز ارتابوا في هذا الزورق فراقبوه وحجزوه، ولما لم يكن في وسعنا الانتظار طويلاً لكي لا يتكشف خبر خروجنا من القدس، فقد اضطررنا أن نركب في زورق شراعي صغير حمولته طن واحد ولا يزيد طوله على ثلاثة أمتار، يملكه شاب وطني مغامر من بحارة يافا الشجعان، متوكلين على الله. وسار الزورق بي وبرفيقي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل متسللاً ومحاذراً زوارق دوريات البوليس البريطاني البخارية التي كانت ترسل أضواءها الكاشفة إلى كل مكان وكان زورقنا الضئيل يستتر في ظلال المباني العالية المحاذية للشاطئ كلما تسلطت عليه الأنوار.

واستطعنا أن نسير ببطء شديد ونخرج من ميناء يافا ونصل إلى ميناء تل أبيب بعد ساعات وطلع علينا الصبح ونحن لم نزل أمام قرية سيدنا علي، وهي قلعة أرسوف، حيث شاهدنا سفينة حربية صغيرة تقتفي أثرنا من حرس السواحل غير آبهة، ثم استأنفنا السير وكانت الريح معاكسة لنا وتجري بما لا تشتهي سفينتنا الصغيرة ما اضطرنا إلى طي الشراع واستعمال المجاذيف.

ولما جن الليل أوينا إلى صخرة قريبة من ميناء أبو زابورة وهكذا لم نقطع خلال خمس عشرة ساعة أكثر من أربعين كيلومتراً.

وبعد أن نلنا نصيبنا من الراحة استأنفنا السير الليل كله وأصبحنا على مقربة من شاطئ قرية (الطنطورة) جنوبي حيفا حيث أوينا إلى ظل كهف كان يلجأ إليه المهربون عادة، فتناولنا قسطاً من الراحة والطعام وأغفينا قليلاً إذ بقوة من بوليس مراقبة المهربين في ذلك الشاطئ تدهمنا.

(١) المرحوم يوسف ضيا الدجاني.

(٢) المرحوم يوسف اللواح ومساعد له.

English
translation

Then we went up to the Arab neighborhood on the hill of “al-Shaykh al-Thawri,” where a friend was waiting for us in a well-prepared car.

We left Jerusalem at seven o’clock on the evening of 8 Shaʿban 1356 AH, corresponding to October 13, 1937. The car took us to Jaffa despite being searched repeatedly, and I was wearing simple, ragged Bedouin clothing. We stayed at the house of a friend, one of Jaffa’s prominent men, on the seashore. We had arranged to meet him that night, and he had prepared a motorboat to take us to the Lebanese shores. But the English grew suspicious of this boat, watched it and detained it. Since we could not wait long lest news of our departure from Jerusalem become known, we were forced to board a small sailboat with a capacity of one ton and no more than three meters long, owned by a daring young patriot, one of Jaffa’s brave sailors, putting our trust in God. The boat set off with me and my companion at one o’clock after midnight, slipping away and taking care to avoid the British police motor patrol boats, which were casting their searchlights everywhere. Our tiny boat hid in the shadows of the tall buildings along the shore whenever the lights fell upon it.

We managed to proceed very slowly, leave the port of Jaffa and reach the port of Tel Aviv after several hours. Dawn broke while we were still off the village of Sayyidna Ali, which is the fortress of Arsuf, where we saw a small coastguard warship following our course without paying us any heed. We then resumed our journey. The wind was against us, blowing contrary to our little boat’s wishes, forcing us to furl the sail and use the oars.

When night fell, we took shelter by a rock near the port of Abu Zabura. Thus, in fifteen hours we had covered no more than forty kilometers.

After getting our share of rest, we resumed traveling throughout the night. By morning we were close to the shore of the village of (al-Tantura), south of Haifa, where we took shelter in the shade of a cave to which smugglers usually resorted. We took some rest and food and dozed a little, when suddenly a force of police watching for smugglers on that shore descended upon us.

(1) The late Yusuf Diya al-Dajani.

(2) The late Yusuf al-Lawwah and an assistant of his.

Analysis

This page records the next stage of the escape from Jerusalem to Jaffa and by sea toward Lebanon. It is especially significant for its precise travel chronology, disguising of the travelers, British patrols and searchlights, coastal geography, and the printed identification of two named assistants. The page ends with a police raid at the shore, while the following page records its consequences. Distances, dates, place identifications, and the memoir’s description of British and smuggler surveillance remain source claims and are not independently verified here.

Raw transcript

ثم صعدنا الحي العربي القائم على جبل «الشيخ الثوري» حيث كان في انتظارنا أحد الأصدقاء في سيارة أعدت إعداداً جيداً.

وكان الخروج من القدس في الساعة السابعة من مساء الثامن من شعبان سنة ١٣٥٦ هـ الموافق ١٣ أكتوبر سنة ١٩٣٧، فوصلت بنا السيارة إلى يافا رغم تعرضها للتفتيش مراراً، وكنت أرتدي ملابس بدوية بسيطة مهلهلة. ونزلنا في بيت أحد الأصدقاء من سراة يافا على شاطئ البحر وكنا معه على ميعاد في تلك الليلة، وقد أعد زورقاً بخارياً لنقلنا إلى الشواطئ اللبنانية ولكن الإنكليز ارتابوا في هذا الزورق فراقبوه وحجزوه، ولما لم يكن في وسعنا الانتظار طويلاً لكي لا يتكشف خبر خروجنا من القدس، فقد اضطررنا أن نركب في زورق شراعي صغير حمولته طن واحد ولا يزيد طوله على ثلاثة أمتار، يملكه شاب وطني مغامر من بحارة يافا الشجعان، متوكلين على الله. وسار الزورق بي وبرفيقي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل متسللاً ومحاذراً زوارق دوريات البوليس البريطاني البخارية التي كانت ترسل أضواءها الكاشفة إلى كل مكان وكان زورقنا الضئيل يستتر في ظلال المباني العالية المحاذية للشاطئ كلما تسلطت عليه الأنوار.

واستطعنا أن نسير ببطء شديد ونخرج من ميناء يافا ونصل إلى ميناء تل أبيب بعد ساعات وطلع علينا الصبح ونحن لم نزل أمام قرية سيدنا علي، وهي قلعة أرسوف، حيث شاهدنا سفينة حربية صغيرة تقتفي أثرنا من حرس السواحل غير آبهة، ثم استأنفنا السير وكانت الريح معاكسة لنا وتجري بما لا تشتهي سفينتنا الصغيرة ما اضطرنا إلى طي الشراع واستعمال المجاذيف.

ولما جن الليل أوينا إلى صخرة قريبة من ميناء أبو زابورة وهكذا لم نقطع خلال خمس عشرة ساعة أكثر من أربعين كيلومتراً.

وبعد أن نلنا نصيبنا من الراحة استأنفنا السير الليل كله وأصبحنا على مقربة من شاطئ قرية (الطنطورة) جنوبي حيفا حيث أوينا إلى ظل كهف كان يلجأ إليه المهربون عادة، فتناولنا قسطاً من الراحة والطعام وأغفينا قليلاً إذ بقوة من بوليس مراقبة المهربين في ذلك الشاطئ تدهمنا.

(١) المرحوم يوسف ضيا الدجاني.

(٢) المرحوم يوسف اللواح ومساعد له.