مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 33

Normalized
transcript

ذلك الشاطئ تدهمنا فهب صاحب الزورق مذعوراً ولبثت أنا مدثراً بعباءتي متظاهراً بالنوم. ولحسن الحظ كان قائد الدورية صديقاً حميماً لصاحب الزورق فقابله بلهفة وترحيب وقال له: «لقد ظنناكم مهربين». ثم دعاه ودعانا إلى وليمة غذاء في بيته ولم نتخلص من دعوته الكريمة إلا بشق الأنفس، ولم تكد قوة البوليس تبتعد عنا حتى رجعنا إلى الزورق فركبناه وأسعفتنا الرياح وتوغلنا في البحر لنبتعد عن جبل الكرمل وميناء حيفا وما فيها من سفن خفر السواحل.

ولما جن الليل كنا قد جاوزنا الشواطئ الفلسطينية وصرنا أمام شاطئ البياضة بالقرب من مدينة «صور» اللبنانية، فاتجهنا إليها وقد رأينا سيارة تقف على الطريق المحاذي للشاطئ وتوجه أنوارها إلى البحر فأدركنا أنها السيارة التي كنا قد اتفقنا مع أحد الأصدقاء على إعدادها لتحملنا بطريق لبنان إلى دمشق حيث قامت جمهورية عربية جديدة برئاسة السيد هاشم الأتاسي، وكان رئيس الوزراء جميعاً من صفوة الوطنيين الأصدقاء كالسيد شكري القوتلي والسيد سعد الله الجابري، وغيرهما.

فلما اقتربنا من الشاطئ فاجأنا زورق بخاري فرنسي مسلح من قوة خفر السواحل اللبنانية وقاد زورقنا إلى صور، ولما شرعوا في التحقيق معنا خابت آمالهم إذ لم يوفقوا في القبض على المهربين الذين كانوا في انتظارهم، ورفضت أن أعرفهم بشخصيتي وسميت نفسي «محمد الجعفري» حتى وصل مساعد مدير الأمن العام الفرنسي في لبنان وأخذني بسيارته إلى بيروت حيث قابلني مدير الأمن العام المسيو كولومباني وعرفني. ومكثت في بيروت تحت حراسة الشرطة الفرنسية ولم يسمح لي بمتابعة السفر إلى دمشق، ولا بمقابلة أحد في بيروت، وبعد مخابرات طويلة بين الفرنسيين والإنكليز حاول المندوب السامي الفرنسي «الكونت دو مارتيل» نقلي إلى باريس؛ فرفضت وقامت مظاهرات عربية حماسية في بيروت التي بذل زعماؤها الوطنيون جهوداً مشكورة أدت إلى بقائي في لبنان وإقامتي بقرية «الذوق» على مسيرة 18 كيلومتراً من بيروت إلى الشمال حيث بقيت تحت إشراف البوليس عامين كاملين إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية.

لقد كان المساعدون الأساسيون في هذه المغامرة، والذين يعود إليهم بعد الله الفضل في اختراق النطاق الإنكليزي الشديد، وإنقاذي من براثن المستعمرين، ثمانية أبطال: اثنان من القدس، واثنان في الطريق بين القدس ويافا، واثنان من يافا، واثنان في البحر، ولقد أدى كل واحد منهم دوره بكل إخلاص وحماسة وكتمان. ولم يفه أحدهم بكلمة عما فعله حتى الآن، ولم يمن ولم يتبجح، ولم ينل أحد منهم أجراً مادياً

English
translation

The boat’s owner sprang up in alarm, while I remained wrapped in my cloak, pretending to sleep. Fortunately, the patrol commander was a close friend of the boat’s owner. He greeted him eagerly and warmly, saying: “We thought you were smugglers.” He then invited him and us to a midday feast at his house. We extricated ourselves from his generous invitation only with the greatest difficulty. Scarcely had the police force moved away from us when we returned to the boat and boarded it. The winds came to our aid, and we headed farther out to sea to get away from Mount Carmel, the port of Haifa and the coastguard vessels there.

When night fell, we had passed beyond the Palestinian shores and were off the coast of al-Bayyada, near the Lebanese city of “Tyre.” We headed toward it, having seen a car standing on the road along the shore and directing its lights out to sea. We realized that this was the car we had arranged with a friend to have ready to take us through Lebanon to Damascus, where a new Arab republic had been established under the presidency of Sayyid Hashim al-Atasi. Its prime ministers were all among the finest of our patriotic friends, such as Sayyid Shukri al-Quwatli, Sayyid Saad Allah al-Jabri and others.

As we approached the shore, an armed French motorboat from the Lebanese coastguard surprised us and escorted our boat to Tyre. When they began questioning us, their hopes were disappointed, for they had failed to catch the smugglers they were waiting for. I refused to disclose my identity and called myself “Muhammad al-Jaafari” until the assistant director of French General Security in Lebanon arrived and took me in his car to Beirut, where the Director of General Security, Monsieur Colombani, met me and recognized me. I remained in Beirut under French police guard and was not allowed to continue to Damascus or to meet anyone in Beirut. After lengthy communications between the French and the English, the French High Commissioner, “Count de Martel,” tried to transfer me to Paris. I refused, and fervent Arab demonstrations took place in Beirut. Its patriotic leaders made commendable efforts that resulted in my remaining in Lebanon and residing in the village of “al-Dhuq,” eighteen kilometers north of Beirut. There I remained under police supervision for two full years, until the Second World War broke out.

The principal helpers in this adventure, to whom, after God, belongs the credit for breaking through the tight English cordon and saving me from the clutches of the colonialists, were eight heroes: two from Jerusalem, two on the road between Jerusalem and Jaffa, two from Jaffa and two at sea. Each of them performed his role with complete devotion, enthusiasm and secrecy. Not one of them has uttered a word about what he did to this day, reminded me of his favor or boasted. None of them received material payment

Analysis

This page completes the escape from the coast to Lebanon and records the memoirist’s detention, refusal to disclose his identity, and two-year police-supervised residence. It is especially significant for the author’s presentation of an eight-person helper network and for the claim that Arab demonstrations and patriotic leaders prevented his transfer to Paris. The page also links the escape narrative to Syrian and Lebanese political networks. The names, offices, chronology, demonstrations, and colonialist framing remain source-owned memoir claims and are not independently verified here.

Raw transcript

ذلك الشاطئ تدهمنا فهب صاحب الزورق مذعوراً ولبثت أنا مدثراً بعباءتي متظاهراً بالنوم. ولحسن الحظ كان قائد الدورية صديقاً حميماً لصاحب الزورق فقابله بلهفة وترحيب وقال له: «لقد ظنناكم مهربين». ثم دعاه ودعانا إلى وليمة غذاء في بيته ولم نتخلص من دعوته الكريمة إلا بشق الأنفس، ولم تكد قوة البوليس تبتعد عنا حتى رجعنا إلى الزورق فركبناه وأسعفتنا الرياح وتوغلنا في البحر لنبتعد عن جبل الكرمل وميناء حيفا وما فيها من سفن خفر السواحل.

ولما جن الليل كنا قد جاوزنا الشواطئ الفلسطينية وصرنا أمام شاطئ البياضة بالقرب من مدينة «صور» اللبنانية، فاتجهنا إليها وقد رأينا سيارة تقف على الطريق المحاذي للشاطئ وتوجه أنوارها إلى البحر فأدركنا أنها السيارة التي كنا قد اتفقنا مع أحد الأصدقاء على إعدادها لتحملنا بطريق لبنان إلى دمشق حيث قامت جمهورية عربية جديدة برئاسة السيد هاشم الأتاسي، وكان رئيس الوزراء جميعاً من صفوة الوطنيين الأصدقاء كالسيد شكري القوتلي والسيد سعد الله الجابري، وغيرهما.

فلما اقتربنا من الشاطئ فاجأنا زورق بخاري فرنسي مسلح من قوة خفر السواحل اللبنانية وقاد زورقنا إلى صور، ولما شرعوا في التحقيق معنا خابت آمالهم إذ لم يوفقوا في القبض على المهربين الذين كانوا في انتظارهم، ورفضت أن أعرفهم بشخصيتي وسميت نفسي «محمد الجعفري» حتى وصل مساعد مدير الأمن العام الفرنسي في لبنان وأخذني بسيارته إلى بيروت حيث قابلني مدير الأمن العام المسيو كولومباني وعرفني. ومكثت في بيروت تحت حراسة الشرطة الفرنسية ولم يسمح لي بمتابعة السفر إلى دمشق، ولا بمقابلة أحد في بيروت، وبعد مخابرات طويلة بين الفرنسيين والإنكليز حاول المندوب السامي الفرنسي «الكونت دو مارتيل» نقلي إلى باريس؛ فرفضت وقامت مظاهرات عربية حماسية في بيروت التي بذل زعماؤها الوطنيون جهوداً مشكورة أدت إلى بقائي في لبنان وإقامتي بقرية «الذوق» على مسيرة 18 كيلومتراً من بيروت إلى الشمال حيث بقيت تحت إشراف البوليس عامين كاملين إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية.

لقد كان المساعدون الأساسيون في هذه المغامرة، والذين يعود إليهم بعد الله الفضل في اختراق النطاق الإنكليزي الشديد، وإنقاذي من براثن المستعمرين، ثمانية أبطال: اثنان من القدس، واثنان في الطريق بين القدس ويافا، واثنان من يافا، واثنان في البحر، ولقد أدى كل واحد منهم دوره بكل إخلاص وحماسة وكتمان. ولم يفه أحدهم بكلمة عما فعله حتى الآن، ولم يمن ولم يتبجح، ولم ينل أحد منهم أجراً مادياً