ذلك الشاطئ تدهمنا فهب صاحب الزورق مذعوراً ولبثت أنا مدثراً بعباءتي متظاهراً بالنوم. ولحسن الحظ كان قائد الدورية صديقاً حميماً لصاحب الزورق فقابله بلهفة وترحيب وقال له: «لقد ظنناكم مهربين». ثم دعاه ودعانا إلى وليمة غذاء في بيته ولم نتخلص من دعوته الكريمة إلا بشق الأنفس، ولم تكد قوة البوليس تبتعد عنا حتى رجعنا إلى الزورق فركبناه وأسعفتنا الرياح وتوغلنا في البحر لنبتعد عن جبل الكرمل وميناء حيفا وما فيها من سفن خفر السواحل.
ولما جن الليل كنا قد جاوزنا الشواطئ الفلسطينية وصرنا أمام شاطئ البياضة بالقرب من مدينة «صور» اللبنانية، فاتجهنا إليها وقد رأينا سيارة تقف على الطريق المحاذي للشاطئ وتوجه أنوارها إلى البحر فأدركنا أنها السيارة التي كنا قد اتفقنا مع أحد الأصدقاء على إعدادها لتحملنا بطريق لبنان إلى دمشق حيث قامت جمهورية عربية جديدة برئاسة السيد هاشم الأتاسي، وكان رئيس الوزراء جميعاً من صفوة الوطنيين الأصدقاء كالسيد شكري القوتلي والسيد سعد الله الجابري، وغيرهما.
فلما اقتربنا من الشاطئ فاجأنا زورق بخاري فرنسي مسلح من قوة خفر السواحل اللبنانية وقاد زورقنا إلى صور، ولما شرعوا في التحقيق معنا خابت آمالهم إذ لم يوفقوا في القبض على المهربين الذين كانوا في انتظارهم، ورفضت أن أعرفهم بشخصيتي وسميت نفسي «محمد الجعفري» حتى وصل مساعد مدير الأمن العام الفرنسي في لبنان وأخذني بسيارته إلى بيروت حيث قابلني مدير الأمن العام المسيو كولومباني وعرفني. ومكثت في بيروت تحت حراسة الشرطة الفرنسية ولم يسمح لي بمتابعة السفر إلى دمشق، ولا بمقابلة أحد في بيروت، وبعد مخابرات طويلة بين الفرنسيين والإنكليز حاول المندوب السامي الفرنسي «الكونت دو مارتيل» نقلي إلى باريس؛ فرفضت وقامت مظاهرات عربية حماسية في بيروت التي بذل زعماؤها الوطنيون جهوداً مشكورة أدت إلى بقائي في لبنان وإقامتي بقرية «الذوق» على مسيرة 18 كيلومتراً من بيروت إلى الشمال حيث بقيت تحت إشراف البوليس عامين كاملين إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية.
لقد كان المساعدون الأساسيون في هذه المغامرة، والذين يعود إليهم بعد الله الفضل في اختراق النطاق الإنكليزي الشديد، وإنقاذي من براثن المستعمرين، ثمانية أبطال: اثنان من القدس، واثنان في الطريق بين القدس ويافا، واثنان من يافا، واثنان في البحر، ولقد أدى كل واحد منهم دوره بكل إخلاص وحماسة وكتمان. ولم يفه أحدهم بكلمة عما فعله حتى الآن، ولم يمن ولم يتبجح، ولم ينل أحد منهم أجراً مادياً