على عمله، حتى صاحب الزورق فقد قدمت له خمسين جنيهاً حين فارقته في صور أجرة لزورقه وجهده العظيم، وما عانينا في ثلاث ليال وثلاثة أيام من مشاق وأخطار، فأبى قبولها وأقسم أن لا يأخذ أي أجر مني إلا بعد عودتي إلى القدس. فما أعظم هؤلاء المخلصين وأمثالهم من المؤمنين العاملين الذين لا يقبلون أجراً إلا من رب العالمين. فلهم جميعاً، من قضى نحبه ومن ينتظر، أخلص دعائي وأطيب تحيتي واحترامي.
ثورة فلسطين الكبرى وإضرابها التاريخي ١٩٣٦ - ١٩٣٩:
قبل اضطراري للهجرة من فلسطين، حدثت فيها أحداث مهدت لاستئناف الثورة التي أوقفت استجابة لدعوة ملوك العرب وتعهدهم بالسعي لدى بريطانيا لتحقيق مطالب الفلسطينيين. ولكن صدور تقرير لجنة اللورد بيل بتقسيم فلسطين جاء مخيباً للآمال، فرفضه الفلسطينيون وعلى رأسهم اللجنة العربية العليا التي أرسلت إلى الحكومات العربية مذكرة مسهبة بالاستنكار والإصرار على تحقيق الميثاق العربي الذي يقرر للفلسطينيين استقلالهم وسيادتهم.
وأول جواب ورد على اللجنة العربية كان من السيد حكمت سليمان رئيس الوزارة العراقية حينئذ باستنكار التقسيم والتعهد بمقاومته. ثم أعلن تصريحاً شديداً عقب ذلك بأن العراق سيحطم أكبر رأس عربي قبل القبول بالتقسيم.
ثم وردت برقيات كثيرة بتأييد عرب فلسطين، والوعد بمناصرتهم، والحض على الثبات والاستمرار واستنكار التقسيم، من المغفور لهم الملك عبد العزيز آل سعود؛ والإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن؛ ومحمد باشا محمود زعيم المعارضة بمصر حينئذ؛ ومن رئيس الوزارة السورية محمد جميل مردم بك، ومن علماء الأزهر، ونجد والعراق، ومن كثير من زعماء الأقطار العربية في المشرق والمغرب، وزعماء المسلمين في الهند والأفغان وإيران وغيرهما.
وقامت مظاهرات كبيرة في البلاد العربية قاطبة ضد التقسيم.
وفي أغسطس سنة ١٩٣٧ عرضت الحكومة البريطانية مشروع التقسيم على عصبة الأمم المتحدة في جنيف وطلبت الموافقة عليه. ولكن لجنة الانتداب، وكان يرأسها الماركيز «تيودولي» الإيطالي، لم توافق على تقرير لجنة بيل التي أوصت بالتقسيم. غير أن الحكومة البريطانية أعادت الكرة فعرضت التقرير بعد نحو شهر من هذا التاريخ،