بواسطة وزير خارجيتها مستر أيدن على مجلس عصبة الأمم، فانبرى وزير خارجية مصر واصف غالي (باشا) وعارض المشروع بقوة ودافع دفاعاً مجيداً عن قضية فلسطين وحقوق شعبها وأكد اهتمام مصر الشديد بها لما يربطها بفلسطين من روابط كثيرة. وتبعه السيد توفيق السويدي وزير خارجية العراق فعارض المشروع بقوة، ثم عارضه فروغي خان وزير خارجية إيران، وممثلو الأفغان وألبانيا وإيرلندا.
وكان يمثل إيرلندا حينئذ رئيس وزرائها المشهور «ديفاليرا» فلما أبرقت له شاكراً موقفه الشريف الحر أجابني ببرقية جاء فيها: «إن التقسيم أفظع الوسائل وأشنع الأسلحة التي يمزق بها الاستعمار قلوب الشعوب المظلومة.»
ومن الحوادث المهمة التي حدثت خلال هذه الفترة انعقاد مؤتمر بلودان العربي في ٨ سبتمبر (أيلول) سنة ١٩٣٧ وقد انعقد المؤتمر برئاسة ناجي باشا السويدي وانتخب لنيابة الرئاسة الأمير شكيب أرسلان ومحمد علي علوبة واشترك فيه أربعمائة وخمسون عضواً من صفوة رجال الأمة العربية وقرروا: «أن فلسطين جزء لا ينفصل من الوطن العربي وأن العرب جميعاً يرفضون مشروع التقسيم وإنشاء دولة يهودية فيها...» ثم أقر المؤتمرين ميثاقاً أقسموا عليه وقوفاً بحماسة رائعة جاء فيه: «إن المؤتمرين يقسمون ويتعهدون أمام الله والتاريخ والشعوب العربية والإسلامية أن يستمروا في الكفاح إلى أن يتم إنقاذ فلسطين.»
جاءت هذه الحوادث وغيرها من أمثالها، مؤيدة للفلسطينيين في موقفهم من رفض التقسيم وزادتهم تصميماً على الكفاح، ومهدت السبيل أمامهم لاستئناف ثورتهم على الاستعمار والظلم، وكانت بريطانيا من جانبها، مصممة على المضي في خطتها الغاشمة فشرعت في أعمال العنف والشدة بادئة باعتقال عدد كبير من الوطنيين، وازدادت عنفاً بعد مقتل المستر «اندروز» (١) حاكم لواء الجليل الذي كان من حكام الإنكليز الذين طغوا في البلاد فقد أطلق عليه بعض الفدائيين الفلسطينيين النار في مدينة «الناصرة» فأردوه قتيلاً.
وعمدت بعد ذلك السلطة البريطانية إلى حل اللجان القومية الفلسطينية، واعتقال كثير من أعضائها، ثم حلت اللجنة العربية العليا وقبضت على من استطاعت من أعضائها ونقلتهم إلى «سيشل» وهم السادة أحمد حلمي باشا والدكتور حسين الخالدي ويعقوب الغصين وفؤاد سابا. ومن غير أعضائها السيد رشيد الحاج إبراهيم،
(١) في ٢٦ أيلول ١٩٣٧ أقدم مجهولون على قتل أندروز حاكم الجليل ومرافقه في مدينة الناصرة.