وأعلنت إلغاء رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وسلمت إدارته إلى لجنة ثلاثية، اثنان منها من البريطانيين برئاسة مستر كركبرايد للإشراف على شؤون الأوقاف والمحاكم الشرعية الإسلامية. وكذلك حلت جميع المؤسسات العربية الوطنية بفلسطين.
وعلى أثر ذلك عقدت منظمات الجهاد العربية عدة اجتماعات سرية قررت فيها استئناف الثورة ووضعت الخطة وحددت يوم ١٥ أكتوبر سنة ١٩٣٧ موعداً لتنفيذها.
وكان خروجي من فلسطين قبل هذا التاريخ بيومين، أي في ١٣ أكتوبر، وقد كنت أعلنت بياناً لينشر في اليوم المحدد دعوت فيه الأمة لاستئناف الجهاد واستمرار الكفاح إلى أن تفوز بالحرية والاستقلال.
وقد كنت أبديت رغبتي لصفوة من قادة المجاهدين، في الخروج من القدس إلى إحدى المناطق الجبلية المنيعة في فلسطين للمشاركة الفعلية في الجهاد، إذ كنت قد مارست الجندية عندما كنت ضابطاً في الجيش العثماني طول مدة الحرب العالمية الأولى، ولكن أولئك القادة، بعد دراسة عميقة للموضوع، عارضوا هذه الرغبة بقوة قائلين أن وجودي في أي منطقة من مناطق الثورة، يجعلها هدفاً مركزاً للأعمال العسكرية البريطانية ومهاجمتها بالطائرات والمدافع والمصفحات وكل ما لدى الأعداء من وسائل حتى يقضوا عليها. ولا سيما أن فلسطين بلاد صغيرة الرقعة تقطعها السيارة خلال ساعتين، وليس فيها أية منطقة لا يستطيع جيش الأعداء اقتحامها بوسائله الحربية الوافرة ولا تصلح إلا لحرب العصابات التي هي حرب الكر والفر، هذا بالإضافة إلى قلة ما لدى المجاهدين من وسائل للدفاع وضعف التسلح، فنزلت عند رأيهم واتفقنا على خطة العمل، ووسائل الاتصال وغير ذلك من الشؤون التي تتطلبها ثورة بعيدة الأجل وعلى أن تكون سورية مركز وقيادة الحركة.
ولأجل تحقيق هذه الغاية طلبت من السلطة الفرنسية عندما وصلت إلى بيروت أن تسمح لي باستئناف سفري إلى دمشق لكن الفرنسيين رفضوا ذلك وكلفوني أن أسافر إلى باريس في سفينة فرنسية راسية في الميناء، وجاء مدير الغرفة العسكرية للمندوب السامي الفرنسي الكونت دو مارتيل، وهو ضابط فرنسي برتبة كولونيل يبلغني هذا على انفراد في المنزل الذي أقمت به مؤقتاً وهو منزل المغفور له الدكتور سامح الفاخوري رئيس المجلس الإسلامي في لبنان، فرفضت هذا التكليف بإصرار، وأيدني في موقفي الدكتور الفاخوري الذي رفض هذا التكليف أيضاً، بصفته رئيس المجلس الإسلامي في لبنان. وشاركنا في هذا الرفض عدد من وجوه اللبنانيين. وسرعان ما قامت مظاهرة في بيروت باستنكار محاولة السلطات الفرنسية إبعادي إلى فرنسا.