وجعلت أفكر فيما ينبغي عمله للخلاص من قبضة الفرنسيين إذا ما أصروا على موقفهم واتخذت مع صديقي الفلسطيني الذي ساعدني على الخروج من فلسطين، ورافقتني في سفري بالزورق من يافا إلى لبنان، نبحث أفضل الطرق وأضمنها للخلاص من ذلك المأزق المحروس بحراسة قوية من خارجه برجال البوليس ومن داخله بعدد من الضباط الذين يقضون ليلهم في الغرف المجاورة لغرفتي. ورأينا أننا مضطرون لاتخاذ طريقة الهبوط بالحبل مرة أخرى! وفعلاً جاء صديقي بحبل ربطه بنافذة غرفتي الواقعة في الدور الثالث للهبوط به وقد كانت الأمطار الغزيرة في تلك الأوقات تساعد على النجاة في ظلام الليل.
ولكننا والحمد لله لم نحتج إلى القيام بهذه المغامرة، إذ أبلغني ظهر اليوم الثاني أن المندوب السامي الفرنسي لا يرغمنا وأنه يسمح لنا بالإقامة بلبنان تحت إشراف إدارة الأمن العام. فتنفست الصعداء، وحاولت مرة أخرى أن يسمح لي الفرنسيون بالإقامة بسورية ولكنهم لم يوافقوا على ذلك، ولا على الإقامة ببيروت أو طرابلس وبعد محاولات شتى وافقوا على الإقامة بقرية «ذوق مكايل» من منطقة «كسروان» وهناك استأجرت داراً، وشرع إخواننا من العاملين معنا يفدون علينا ويستأجرون الدور المجاورة لدارنا بالتدريج، حتى صارت تلك المنطقة أشبه بحي خاص بنا، مما ساعدنا كثيراً على تحقيق أغراضنا، ومقابلة من تقتضي الحاجة مقابلته، والاجتماع به سراً من قادة المجاهدين وكبار رجال الحركة الوطنية بفلسطين والأقطار العربية، رغم الحراسة القوية، والرقابة البوليسية، التي فرضتها السلطات الفرنسية على ذلك الحي. على أن ضباط البوليس كانوا يسمحون لبعض ذوي الشأن بزيارتنا بعد الاستئذان من المسيو كولومباني مدير الأمن العام.
وكان ممن تفضل بزيارتنا في أحرج الأوقات، في «الذوق»، وفي «قرنايل» التي كنا نقضي فيها شهور الصيف في الجبل، فخامة السيد شكري القوتلي حاملاً إلينا الإعانات والمساعدات، وكان يقطع المسافات ماشياً على قدميه، متعرضاً للأخطار في سبيل الله والمصلحة العربية.
وقد زارنا خلال العامين اللذين قضيناهما في لبنان، وبإحدى الطريقتين السرية والعلنية، عدد من كبار رجال الأمة العربية، منهم الفريق عزيز علي المصري، ومحمد الباسل باشا، ورشيد عالي الكيلاني، والشيخ بشارة الخوري، ورستم حيدر، وتوفيق السويدي، وسعد الله الجابري، وفارس الخوري، ونوري السعيد، وأمين باشا العمري رئيس أركان الجيش العراقي، وغبطة بطريرك الموارنة بولس العوشي وكان حينئذ