مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 37

Normalized
transcript

وجعلت أفكر فيما ينبغي عمله للخلاص من قبضة الفرنسيين إذا ما أصروا على موقفهم واتخذت مع صديقي الفلسطيني الذي ساعدني على الخروج من فلسطين، ورافقتني في سفري بالزورق من يافا إلى لبنان، نبحث أفضل الطرق وأضمنها للخلاص من ذلك المأزق المحروس بحراسة قوية من خارجه برجال البوليس ومن داخله بعدد من الضباط الذين يقضون ليلهم في الغرف المجاورة لغرفتي. ورأينا أننا مضطرون لاتخاذ طريقة الهبوط بالحبل مرة أخرى! وفعلاً جاء صديقي بحبل ربطه بنافذة غرفتي الواقعة في الدور الثالث للهبوط به وقد كانت الأمطار الغزيرة في تلك الأوقات تساعد على النجاة في ظلام الليل.

ولكننا والحمد لله لم نحتج إلى القيام بهذه المغامرة، إذ أبلغني ظهر اليوم الثاني أن المندوب السامي الفرنسي لا يرغمنا وأنه يسمح لنا بالإقامة بلبنان تحت إشراف إدارة الأمن العام. فتنفست الصعداء، وحاولت مرة أخرى أن يسمح لي الفرنسيون بالإقامة بسورية ولكنهم لم يوافقوا على ذلك، ولا على الإقامة ببيروت أو طرابلس وبعد محاولات شتى وافقوا على الإقامة بقرية «ذوق مكايل» من منطقة «كسروان» وهناك استأجرت داراً، وشرع إخواننا من العاملين معنا يفدون علينا ويستأجرون الدور المجاورة لدارنا بالتدريج، حتى صارت تلك المنطقة أشبه بحي خاص بنا، مما ساعدنا كثيراً على تحقيق أغراضنا، ومقابلة من تقتضي الحاجة مقابلته، والاجتماع به سراً من قادة المجاهدين وكبار رجال الحركة الوطنية بفلسطين والأقطار العربية، رغم الحراسة القوية، والرقابة البوليسية، التي فرضتها السلطات الفرنسية على ذلك الحي. على أن ضباط البوليس كانوا يسمحون لبعض ذوي الشأن بزيارتنا بعد الاستئذان من المسيو كولومباني مدير الأمن العام.

وكان ممن تفضل بزيارتنا في أحرج الأوقات، في «الذوق»، وفي «قرنايل» التي كنا نقضي فيها شهور الصيف في الجبل، فخامة السيد شكري القوتلي حاملاً إلينا الإعانات والمساعدات، وكان يقطع المسافات ماشياً على قدميه، متعرضاً للأخطار في سبيل الله والمصلحة العربية.

وقد زارنا خلال العامين اللذين قضيناهما في لبنان، وبإحدى الطريقتين السرية والعلنية، عدد من كبار رجال الأمة العربية، منهم الفريق عزيز علي المصري، ومحمد الباسل باشا، ورشيد عالي الكيلاني، والشيخ بشارة الخوري، ورستم حيدر، وتوفيق السويدي، وسعد الله الجابري، وفارس الخوري، ونوري السعيد، وأمين باشا العمري رئيس أركان الجيش العراقي، وغبطة بطريرك الموارنة بولس العوشي وكان حينئذ

English
translation

I began to consider what should be done to escape the French grip if they persisted in their position. Together with my Palestinian friend, who had helped me leave Palestine and accompanied me on my journey by boat from Jaffa to Lebanon, I began exploring the best and surest ways out of this predicament. We were closely guarded from outside by policemen and from inside by several officers who spent the night in the rooms adjoining mine. We concluded that we would have to resort once again to descending by rope! My friend actually brought a rope and tied it to the window of my room on the third floor so that we could descend by it. The heavy rains at that time would help us escape in the darkness of night.

But, praise be to God, we did not need to undertake this adventure. At noon on the second day I was informed that the French High Commissioner would not compel us to go and would allow us to reside in Lebanon under the supervision of the General Security Directorate. I breathed a sigh of relief and again tried to obtain French permission to reside in Syria. But they would not agree to that, or to our residing in Beirut or Tripoli. After various attempts, they agreed to our residing in the village of “Zuq Mikayil” in the “Kesrouan” district. There I rented a house, and our brothers who worked with us began arriving and gradually renting the houses adjoining ours, until the area became something like a quarter of our own. This greatly helped us accomplish our aims and meet secretly with those whom we needed to see among the leaders of the mujahidin and the senior figures of the national movement in Palestine and the Arab countries, despite the close guard and police surveillance that the French authorities imposed on the quarter. The police officers did, however, allow certain people of standing to visit us after obtaining permission from Monsieur Colombani, the Director of General Security.

Among those who were kind enough to visit us at the most critical times, in “al-Zuq” and in “Qarnayil,” where we spent the summer months in the mountains, was His Excellency Sayyid Shukri al-Quwatli, bringing us aid and assistance. He would cover distances on foot, exposing himself to danger for the sake of God and the Arab interest.

During the two years we spent in Lebanon, a number of leading figures of the Arab nation visited us, either secretly or openly. They included Lieutenant General Aziz Ali al-Misri, Muhammad al-Basil Pasha, Rashid Ali al-Kaylani, Shaykh Bishara al-Khuri, Rustum Haydar, Tawfiq al-Suwaydi, Saad Allah al-Jabiri, Faris al-Khuri, Nuri al-Said, Amin Pasha al-Umari, Chief of Staff of the Iraqi Army, His Beatitude the Maronite Patriarch Bulus al-Awshi, who was then

Analysis

This page describes the memoirist’s attempted escape from French supervision, his eventual residence in Lebanon, and the creation of a closely watched neighborhood that enabled secret meetings with Palestinian and Arab leaders. It is especially significant for the named visitor network and for the claim that Shukri al-Quwatli personally delivered aid despite danger. The page presents covert political work as an organized continuation of the struggle under police surveillance. Names, offices, motives, and the account of French restrictions remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وجعلت أفكر فيما ينبغي عمله للخلاص من قبضة الفرنسيين إذا ما أصروا على موقفهم واتخذت مع صديقي الفلسطيني الذي ساعدني على الخروج من فلسطين، ورافقتني في سفري بالزورق من يافا إلى لبنان، نبحث أفضل الطرق وأضمنها للخلاص من ذلك المأزق المحروس بحراسة قوية من خارجه برجال البوليس ومن داخله بعدد من الضباط الذين يقضون ليلهم في الغرف المجاورة لغرفتي. ورأينا أننا مضطرون لاتخاذ طريقة الهبوط بالحبل مرة أخرى! وفعلاً جاء صديقي بحبل ربطه بنافذة غرفتي الواقعة في الدور الثالث للهبوط به وقد كانت الأمطار الغزيرة في تلك الأوقات تساعد على النجاة في ظلام الليل.

ولكننا والحمد لله لم نحتج إلى القيام بهذه المغامرة، إذ أبلغني ظهر اليوم الثاني أن المندوب السامي الفرنسي لا يرغمنا وأنه يسمح لنا بالإقامة بلبنان تحت إشراف إدارة الأمن العام. فتنفست الصعداء، وحاولت مرة أخرى أن يسمح لي الفرنسيون بالإقامة بسورية ولكنهم لم يوافقوا على ذلك، ولا على الإقامة ببيروت أو طرابلس وبعد محاولات شتى وافقوا على الإقامة بقرية «ذوق مكايل» من منطقة «كسروان» وهناك استأجرت داراً، وشرع إخواننا من العاملين معنا يفدون علينا ويستأجرون الدور المجاورة لدارنا بالتدريج، حتى صارت تلك المنطقة أشبه بحي خاص بنا، مما ساعدنا كثيراً على تحقيق أغراضنا، ومقابلة من تقتضي الحاجة مقابلته، والاجتماع به سراً من قادة المجاهدين وكبار رجال الحركة الوطنية بفلسطين والأقطار العربية، رغم الحراسة القوية، والرقابة البوليسية، التي فرضتها السلطات الفرنسية على ذلك الحي. على أن ضباط البوليس كانوا يسمحون لبعض ذوي الشأن بزيارتنا بعد الاستئذان من المسيو كولومباني مدير الأمن العام.

وكان ممن تفضل بزيارتنا في أحرج الأوقات، في «الذوق»، وفي «قرنايل» التي كنا نقضي فيها شهور الصيف في الجبل، فخامة السيد شكري القوتلي حاملاً إلينا الإعانات والمساعدات، وكان يقطع المسافات ماشياً على قدميه، متعرضاً للأخطار في سبيل الله والمصلحة العربية.

وقد زارنا خلال العامين اللذين قضيناهما في لبنان، وبإحدى الطريقتين السرية والعلنية، عدد من كبار رجال الأمة العربية، منهم الفريق عزيز علي المصري، ومحمد الباسل باشا، ورشيد عالي الكيلاني، والشيخ بشارة الخوري، ورستم حيدر، وتوفيق السويدي، وسعد الله الجابري، وفارس الخوري، ونوري السعيد، وأمين باشا العمري رئيس أركان الجيش العراقي، وغبطة بطريرك الموارنة بولس العوشي وكان حينئذ