(وسيرد ذكر بعض هذه الوقائع في مكان آخر من هذه المذكرات). فلما ضاقت السلطة البريطانية ذرعاً بي وحاولت اعتقالي في دار اللجنة العربية العليا لفلسطين بالقدس وطوقتها بقوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني المسلحين يوم ١٧ تموز (يوليو) عام ١٩٣٧ وفشلت في تلك المحاولة، نجوت بفضل الله والتجأت إلى بيتي المحصن في جوار المسجد الأقصى المبارك، عمدت السلطة إلى محاصرة منطقة الحرم الشريف مدة ثلاثة أشهر من ١٧ تموز إلى ١٣ تشرين الأول (اكتوبر) ووضعت على الأبواب قوات بريطانية مسلحة، ثم قررت اقتحام الحرم الشريف بالقوة المسلحة لاعتقالي. ولما كان الحرم الشريف محروساً بعدد وفير من المجاهدين الفلسطينيين، قررت الخروج من منزلي، وأن أتفادى إهراق الدماء في ذلك المكان المبارك بالمجازفة بالخروج. وكتب لي الله السلامة ووصلت لبنان حيث أقمت عامين كاملين تسعرت خلالهما الثورة في فلسطين بكل شدة وعنف، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، فطلب الإنكليز من الفرنسيين تسليمي إليهم لاعتقالي، فاضطررت لهذا السبب أن أغادر لبنان خفية والجأ إلى العراق، ثم لما نشبت الثورة في العراق ودخل الإنكليز بغداد، اضطررت للرحيل إلى إيران، فلما احتلتها جيوش الحلفاء وأعلن الماريشال ويفل القائد البريطاني العام جائزة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يدل أو يقبض عليّ حياً أو ميتاً، اضطررت أن أخرج من إيران خفية وأن أجتاز تركيا وبلاد البلقان وغيرها من البلاد الأوروبية إلى أن وصلت المانيا فمكثت فيها أربع سنوات ونصف سنة.
واعتبرت المانيا بلداً صديقاً لأنها لم تكن دولة مستعمرة ولم يسبق لها أن تعرضت بسوء لأية دولة عربية أو إسلامية، ولأنها كانت تقاتل أعداءنا من مستعمرين وصهيونيين، ولأن عدو عدوك صديقك، وكنت موقناً أن انتصار المانيا سينقذ بلادنا حتماً من خطر الصهيونية والاستعمار، ولذلك رفضت عندما كنت في لبنان أن أشيد بالحلفاء وأتودد إليهم وأن أتحامل على المحور وهو ما حاولت سلطة الانتداب الفرنسي وغيرها في لبنان أن تحملني عليه وما فعله وأعلنه كثير من زعماء العرب حينئذ زلفى للمستعمرين. وفي المانيا سعيت جاهداً لتقديم العون المتواضع الذي أستطيعه لقضيتنا الفلسطينية ولسائر الأقطار العربية وبعض الأقطار الإسلامية، ولدعوة كافة المخلصين لقضية فلسطين والقضايا العربية، إلى التعاون مع المانيا، لا من أجل المانيا ولا إيماناً بالنازية التي لا أعتنق مبادئها ولم تخطر لي ببال، بل لأني كنت، ولا أزال، على يقين بأن لو انتصرت المانيا والمحور لما بقي للصهيونيين من أثر في فلسطين والبلاد العربية.