مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 164

Normalized
transcript

(وسيرد ذكر بعض هذه الوقائع في مكان آخر من هذه المذكرات). فلما ضاقت السلطة البريطانية ذرعاً بي وحاولت اعتقالي في دار اللجنة العربية العليا لفلسطين بالقدس وطوقتها بقوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني المسلحين يوم ١٧ تموز (يوليو) عام ١٩٣٧ وفشلت في تلك المحاولة، نجوت بفضل الله والتجأت إلى بيتي المحصن في جوار المسجد الأقصى المبارك، عمدت السلطة إلى محاصرة منطقة الحرم الشريف مدة ثلاثة أشهر من ١٧ تموز إلى ١٣ تشرين الأول (اكتوبر) ووضعت على الأبواب قوات بريطانية مسلحة، ثم قررت اقتحام الحرم الشريف بالقوة المسلحة لاعتقالي. ولما كان الحرم الشريف محروساً بعدد وفير من المجاهدين الفلسطينيين، قررت الخروج من منزلي، وأن أتفادى إهراق الدماء في ذلك المكان المبارك بالمجازفة بالخروج. وكتب لي الله السلامة ووصلت لبنان حيث أقمت عامين كاملين تسعرت خلالهما الثورة في فلسطين بكل شدة وعنف، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، فطلب الإنكليز من الفرنسيين تسليمي إليهم لاعتقالي، فاضطررت لهذا السبب أن أغادر لبنان خفية والجأ إلى العراق، ثم لما نشبت الثورة في العراق ودخل الإنكليز بغداد، اضطررت للرحيل إلى إيران، فلما احتلتها جيوش الحلفاء وأعلن الماريشال ويفل القائد البريطاني العام جائزة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يدل أو يقبض عليّ حياً أو ميتاً، اضطررت أن أخرج من إيران خفية وأن أجتاز تركيا وبلاد البلقان وغيرها من البلاد الأوروبية إلى أن وصلت المانيا فمكثت فيها أربع سنوات ونصف سنة.

واعتبرت المانيا بلداً صديقاً لأنها لم تكن دولة مستعمرة ولم يسبق لها أن تعرضت بسوء لأية دولة عربية أو إسلامية، ولأنها كانت تقاتل أعداءنا من مستعمرين وصهيونيين، ولأن عدو عدوك صديقك، وكنت موقناً أن انتصار المانيا سينقذ بلادنا حتماً من خطر الصهيونية والاستعمار، ولذلك رفضت عندما كنت في لبنان أن أشيد بالحلفاء وأتودد إليهم وأن أتحامل على المحور وهو ما حاولت سلطة الانتداب الفرنسي وغيرها في لبنان أن تحملني عليه وما فعله وأعلنه كثير من زعماء العرب حينئذ زلفى للمستعمرين. وفي المانيا سعيت جاهداً لتقديم العون المتواضع الذي أستطيعه لقضيتنا الفلسطينية ولسائر الأقطار العربية وبعض الأقطار الإسلامية، ولدعوة كافة المخلصين لقضية فلسطين والقضايا العربية، إلى التعاون مع المانيا، لا من أجل المانيا ولا إيماناً بالنازية التي لا أعتنق مبادئها ولم تخطر لي ببال، بل لأني كنت، ولا أزال، على يقين بأن لو انتصرت المانيا والمحور لما بقي للصهيونيين من أثر في فلسطين والبلاد العربية.

English
translation

(some of these events will be mentioned elsewhere in these memoirs). When the British authorities could no longer tolerate me and tried to arrest me at the headquarters of the Arab Higher Committee for Palestine in Jerusalem, surrounding it with a large force of armed British police on 17 July 1937, and failed in that attempt, I escaped, by God’s grace, and took refuge in my fortified home near the blessed al-Aqsa Mosque. The authorities then besieged the area of the Noble Sanctuary for three months, from 17 July to 13 October, placing armed British forces at the gates. They then decided to storm the Noble Sanctuary by force of arms to arrest me. Since the Noble Sanctuary was guarded by a large number of Palestinian fighters, I decided to leave my home and risk going out in order to avoid shedding blood in that blessed place. God granted me safety, and I reached Lebanon, where I remained for two full years, during which the revolt in Palestine raged with great intensity and violence. Then the Second World War broke out, and the English asked the French to surrender me to them for arrest. For this reason, I was forced to leave Lebanon secretly and take refuge in Iraq. Then, when the revolt broke out in Iraq and the English entered Baghdad, I was forced to depart for Iran. When Allied armies occupied it and Marshal Wavell, the British commander-in-chief, announced a reward of twenty-five thousand pounds sterling for anyone who would inform on me or capture me alive or dead, I was forced to leave Iran secretly and cross Turkey, the Balkans, and other European countries until I reached Germany, where I remained for four and a half years.

I regarded Germany as a friendly country because it was not a colonial state and had never previously mistreated any Arab or Islamic state, because it was fighting our enemies, the colonialists and the Zionists, and because your enemy’s enemy is your friend. I was certain that Germany’s victory would necessarily save our countries from the danger of Zionism and colonialism. Therefore, when I was in Lebanon, I refused to praise the Allies, court them, or attack the Axis, which the French mandate authorities and others in Lebanon tried to make me do, as many Arab leaders then did to curry favor with the colonialists. In Germany, I worked diligently to provide the modest assistance I could to our Palestinian cause, to the other Arab countries, and to some Islamic countries, and to call all sincere supporters of the Palestine cause and the Arab causes to cooperate with Germany, not for Germany’s sake and not out of belief in Nazism, whose principles I did not embrace and which had never entered my mind, but because I was, and remain, convinced that if Germany and the Axis had won, the Zionists would have had no presence left in Palestine and the Arab countries.

Analysis

This page continues and completes the author’s account of why he fled Jerusalem, Lebanon, Iraq, and Iran before reaching Germany. It presents the British siege of the Noble Sanctuary, the 1937 arrest attempt, the 25,000-pound reward attributed to Marshal Wavell, and the author’s claim that he worked with Germany for Palestinian and Arab causes rather than from belief in Nazism. The page is especially significant for the author’s explicit self-description of his political motive and his attempt to separate cooperation with Nazi Germany from ideological commitment. These statements are memoir claims and do not by themselves establish the events, the reward, or the author’s asserted distance from Nazism.

Raw transcript

(وسيرد ذكر بعض هذه الوقائع في مكان آخر من هذه المذكرات). فلما ضاقت السلطة البريطانية ذرعاً بي وحاولت اعتقالي في دار اللجنة العربية العليا لفلسطين بالقدس وطوقتها بقوة كبيرة من رجال البوليس البريطاني المسلحين يوم ١٧ تموز (يوليو) عام ١٩٣٧ وفشلت في تلك المحاولة، نجوت بفضل الله والتجأت إلى بيتي المحصن في جوار المسجد الأقصى المبارك، عمدت السلطة إلى محاصرة منطقة الحرم الشريف مدة ثلاثة أشهر من ١٧ تموز إلى ١٣ تشرين الأول (اكتوبر) ووضعت على الأبواب قوات بريطانية مسلحة، ثم قررت اقتحام الحرم الشريف بالقوة المسلحة لاعتقالي. ولما كان الحرم الشريف محروساً بعدد وفير من المجاهدين الفلسطينيين، قررت الخروج من منزلي، وأن أتفادى إهراق الدماء في ذلك المكان المبارك بالمجازفة بالخروج. وكتب لي الله السلامة ووصلت لبنان حيث أقمت عامين كاملين تسعرت خلالهما الثورة في فلسطين بكل شدة وعنف، ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، فطلب الإنكليز من الفرنسيين تسليمي إليهم لاعتقالي، فاضطررت لهذا السبب أن أغادر لبنان خفية والجأ إلى العراق، ثم لما نشبت الثورة في العراق ودخل الإنكليز بغداد، اضطررت للرحيل إلى إيران، فلما احتلتها جيوش الحلفاء وأعلن الماريشال ويفل القائد البريطاني العام جائزة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يدل أو يقبض عليّ حياً أو ميتاً، اضطررت أن أخرج من إيران خفية وأن أجتاز تركيا وبلاد البلقان وغيرها من البلاد الأوروبية إلى أن وصلت المانيا فمكثت فيها أربع سنوات ونصف سنة.

واعتبرت المانيا بلداً صديقاً لأنها لم تكن دولة مستعمرة ولم يسبق لها أن تعرضت بسوء لأية دولة عربية أو إسلامية، ولأنها كانت تقاتل أعداءنا من مستعمرين وصهيونيين، ولأن عدو عدوك صديقك، وكنت موقناً أن انتصار المانيا سينقذ بلادنا حتماً من خطر الصهيونية والاستعمار، ولذلك رفضت عندما كنت في لبنان أن أشيد بالحلفاء وأتودد إليهم وأن أتحامل على المحور وهو ما حاولت سلطة الانتداب الفرنسي وغيرها في لبنان أن تحملني عليه وما فعله وأعلنه كثير من زعماء العرب حينئذ زلفى للمستعمرين. وفي المانيا سعيت جاهداً لتقديم العون المتواضع الذي أستطيعه لقضيتنا الفلسطينية ولسائر الأقطار العربية وبعض الأقطار الإسلامية، ولدعوة كافة المخلصين لقضية فلسطين والقضايا العربية، إلى التعاون مع المانيا، لا من أجل المانيا ولا إيماناً بالنازية التي لا أعتنق مبادئها ولم تخطر لي ببال، بل لأني كنت، ولا أزال، على يقين بأن لو انتصرت المانيا والمحور لما بقي للصهيونيين من أثر في فلسطين والبلاد العربية.