مكان البراق الشريف من سور المسجد الأقصى المبارك، بزعم أنه «حائط المبكى»، وسقط بسببها بضع مئات من القتلى وأضعافهم من الجرحى، كان ذلك الوفد برئاسة المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني، وكنت أحد أعضائه، وقد حاول رئيس الوزارة البريطانية مستر رامزي ماكدونالد ووزير المستعمرات اللورد باسفيل، خلال الجلسات العديدة التي دارت فيها المباحثات، إقناعنا بالموافقة على سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين، ومنها الهجرة اليهودية، ولو بعدد قليل، مقابل تلبية مطالبنا بتأليف حكومة وطنية لفلسطين، فرفضنا ذلك بشدة، ولم نوافق على مبدأ الهجرة مهما كانت قليلة، كما رفضنا كل اقتراح أو حل يؤثر على مستقبل قضيتنا واستقلال بلادنا، واستنكرنا صك الانتداب البريطاني ونصوصه الظالمة المخالفة لكل حق وعدل.
فقال ماكدونالد إن بريطانيا غير مسؤولة عن صك الانتداب، وأن عصبة الأمم هي التي وضعته، فلما حبطت المفاوضات وغادرنا لندن في أوائل تموز عام ١٩٣٠ سافرت إلى جنيف، وقابلت الأمين العام لعصبة الأمم حينئذ السير اريك دراموند، برفقة المرحوم الأمير شكيب أرسلان وإحسان بك الجابري، عضوي الوفد السوري المقيم بجنيف، فكان ما قلناه للأمين العام: كيف تفعلون في مثل هذا العصر صكاً للانتداب على فلسطين، ينطوي على ظلم فادح لا نظير له في التاريخ، فأجابنا قائلاً: إن عصبة الأمم لم تضع هذا الصك وإنما بريطانيا هي التي وضعته.. ولما قلت له أن ماكدونالد رئيس وزراء دولتكم (وكان دراموند بريطانياً) قال لنا إن عصبة الأمم هي التي وضعته، نفى ذلك القول نفياً باتاً.
والحقيقة والواقع، أن الحكومة البريطانية هي التي وضعت صك الانتداب، بالاتفاق مع الجمعية الصهيونية وزعماء اليهود. وقد أكد ذلك زعيم الصهيونية حاييم وايزمن في مذكراته بقوله: «اليهودي الأميركي بنيامين كوهين، كان يتولى مع سكرتير اللورد كرزون (وزير الخارجية البريطانية حينئذ) وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه...»
وبعد عودتنا إلى البلاد، أرسلت الحكومة البريطانية «لجنة سمبسون» لدرس أوضاع فلسطين عامة، ولاسيما مقدرتها على استيعاب مهاجرين، فلما قدمت هذه اللجنة تقريرها، بعد بضعة أشهر من دراستها، ذكرت أن فلسطين مكتظة بسكانها الحاليين، وأن من تستوعبه منهم الآن هو أكثر من طاقتها (وكان عدد اليهود يومئذ نحو ١٧٠ ألفاً) كما أن أرضها لا تكاد تكفي سكانها.. واستناداً على تقرير «لجنة سمبسون» وتقرير «لجنة شو» التي سبقتها بالتحقيق عن أسباب نشوب ثورة عام ١٩٢٩، أصدرت