مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 198

Normalized
transcript

مكان البراق الشريف من سور المسجد الأقصى المبارك، بزعم أنه «حائط المبكى»، وسقط بسببها بضع مئات من القتلى وأضعافهم من الجرحى، كان ذلك الوفد برئاسة المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني، وكنت أحد أعضائه، وقد حاول رئيس الوزارة البريطانية مستر رامزي ماكدونالد ووزير المستعمرات اللورد باسفيل، خلال الجلسات العديدة التي دارت فيها المباحثات، إقناعنا بالموافقة على سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين، ومنها الهجرة اليهودية، ولو بعدد قليل، مقابل تلبية مطالبنا بتأليف حكومة وطنية لفلسطين، فرفضنا ذلك بشدة، ولم نوافق على مبدأ الهجرة مهما كانت قليلة، كما رفضنا كل اقتراح أو حل يؤثر على مستقبل قضيتنا واستقلال بلادنا، واستنكرنا صك الانتداب البريطاني ونصوصه الظالمة المخالفة لكل حق وعدل.

فقال ماكدونالد إن بريطانيا غير مسؤولة عن صك الانتداب، وأن عصبة الأمم هي التي وضعته، فلما حبطت المفاوضات وغادرنا لندن في أوائل تموز عام ١٩٣٠ سافرت إلى جنيف، وقابلت الأمين العام لعصبة الأمم حينئذ السير اريك دراموند، برفقة المرحوم الأمير شكيب أرسلان وإحسان بك الجابري، عضوي الوفد السوري المقيم بجنيف، فكان ما قلناه للأمين العام: كيف تفعلون في مثل هذا العصر صكاً للانتداب على فلسطين، ينطوي على ظلم فادح لا نظير له في التاريخ، فأجابنا قائلاً: إن عصبة الأمم لم تضع هذا الصك وإنما بريطانيا هي التي وضعته.. ولما قلت له أن ماكدونالد رئيس وزراء دولتكم (وكان دراموند بريطانياً) قال لنا إن عصبة الأمم هي التي وضعته، نفى ذلك القول نفياً باتاً.

والحقيقة والواقع، أن الحكومة البريطانية هي التي وضعت صك الانتداب، بالاتفاق مع الجمعية الصهيونية وزعماء اليهود. وقد أكد ذلك زعيم الصهيونية حاييم وايزمن في مذكراته بقوله: «اليهودي الأميركي بنيامين كوهين، كان يتولى مع سكرتير اللورد كرزون (وزير الخارجية البريطانية حينئذ) وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه...»

وبعد عودتنا إلى البلاد، أرسلت الحكومة البريطانية «لجنة سمبسون» لدرس أوضاع فلسطين عامة، ولاسيما مقدرتها على استيعاب مهاجرين، فلما قدمت هذه اللجنة تقريرها، بعد بضعة أشهر من دراستها، ذكرت أن فلسطين مكتظة بسكانها الحاليين، وأن من تستوعبه منهم الآن هو أكثر من طاقتها (وكان عدد اليهود يومئذ نحو ١٧٠ ألفاً) كما أن أرضها لا تكاد تكفي سكانها.. واستناداً على تقرير «لجنة سمبسون» وتقرير «لجنة شو» التي سبقتها بالتحقيق عن أسباب نشوب ثورة عام ١٩٢٩، أصدرت

English
translation

the place of al-Buraq at the wall of the blessed al-Aqsa Mosque, which they claimed was the “Wailing Wall,” and after several hundred were killed and many times that number wounded, was headed by the late Musa Kazim Pasha al-Husayni, and I was one of its members. During the many sessions of negotiations, British Prime Minister Ramsay MacDonald and Colonial Secretary Lord Passfield tried to persuade us to accept the British government’s policy in Palestine, including Jewish migration, even in small numbers, in return for meeting our demand to form a national government for Palestine. We rejected this firmly and did not accept the principle of migration, however small. We also rejected every proposal or solution that would affect the future of our cause and our country’s independence, and condemned the British Mandate and its unjust provisions, contrary to every right and justice.

MacDonald said that Britain was not responsible for the Mandate and that the League of Nations had drafted it. When the negotiations failed and we left London in early July 1930, I traveled to Geneva and met the League of Nations secretary-general, Sir Eric Drummond, accompanied by the late Emir Shakib Arslan and Ihsan Bey al-Jabri, members of the Syrian delegation resident in Geneva. We said to the secretary-general: how can you create, in this age, a mandate for Palestine containing an unparalleled injustice in history? He replied that the League of Nations had not created the Mandate, but Britain had. When I told him that MacDonald, the prime minister of his country, had said the League of Nations had created it, he categorically denied that statement.

The truth is that the British government drafted the Mandate in agreement with the Zionist Organization and Jewish leaders. Zionist leader Chaim Weizmann confirmed this in his memoirs, saying: “The American Jew Benjamin Cohen, together with Lord Curzon’s secretary, then British foreign secretary, was responsible for drafting the Mandate and agreeing on its provisions.”

After we returned to the country, the British government sent the Simpson Commission to study Palestine’s general conditions, especially its capacity to absorb immigrants. After several months of study, the commission reported that Palestine was crowded with its current inhabitants and that the number it could then absorb was already beyond its capacity. The number of Jews at that time was about 170,000, and the land barely sufficed for its inhabitants. On the basis of the Simpson Commission’s report and the Shaw Commission’s earlier investigation into the causes of the 1929 revolt, it issued

Analysis

This page repeats the closing portion of the 1930 London delegation and League of Nations discussion from page 197, ending with the Simpson and Shaw Commission account. The overlap is retained and documented for witness reconciliation. The source remains open at the final phrase.

Raw transcript

مكان البراق الشريف من سور المسجد الأقصى المبارك، بزعم أنه «حائط المبكى»، وسقط بسببها بضع مئات من القتلى وأضعافهم من الجرحى، كان ذلك الوفد برئاسة المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني، وكنت أحد أعضائه، وقد حاول رئيس الوزارة البريطانية مستر رامزي ماكدونالد ووزير المستعمرات اللورد باسفيل، خلال الجلسات العديدة التي دارت فيها المباحثات، إقناعنا بالموافقة على سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين، ومنها الهجرة اليهودية، ولو بعدد قليل، مقابل تلبية مطالبنا بتأليف حكومة وطنية لفلسطين، فرفضنا ذلك بشدة، ولم نوافق على مبدأ الهجرة مهما كانت قليلة، كما رفضنا كل اقتراح أو حل يؤثر على مستقبل قضيتنا واستقلال بلادنا، واستنكرنا صك الانتداب البريطاني ونصوصه الظالمة المخالفة لكل حق وعدل.

فقال ماكدونالد إن بريطانيا غير مسؤولة عن صك الانتداب، وأن عصبة الأمم هي التي وضعته، فلما حبطت المفاوضات وغادرنا لندن في أوائل تموز عام ١٩٣٠ سافرت إلى جنيف، وقابلت الأمين العام لعصبة الأمم حينئذ السير اريك دراموند، برفقة المرحوم الأمير شكيب أرسلان وإحسان بك الجابري، عضوي الوفد السوري المقيم بجنيف، فكان ما قلناه للأمين العام: كيف تفعلون في مثل هذا العصر صكاً للانتداب على فلسطين، ينطوي على ظلم فادح لا نظير له في التاريخ، فأجابنا قائلاً: إن عصبة الأمم لم تضع هذا الصك وإنما بريطانيا هي التي وضعته.. ولما قلت له أن ماكدونالد رئيس وزراء دولتكم (وكان دراموند بريطانياً) قال لنا إن عصبة الأمم هي التي وضعته، نفى ذلك القول نفياً باتاً.

والحقيقة والواقع، أن الحكومة البريطانية هي التي وضعت صك الانتداب، بالاتفاق مع الجمعية الصهيونية وزعماء اليهود. وقد أكد ذلك زعيم الصهيونية حاييم وايزمن في مذكراته بقوله: «اليهودي الأميركي بنيامين كوهين، كان يتولى مع سكرتير اللورد كرزون (وزير الخارجية البريطانية حينئذ) وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه...»

وبعد عودتنا إلى البلاد، أرسلت الحكومة البريطانية «لجنة سمبسون» لدرس أوضاع فلسطين عامة، ولاسيما مقدرتها على استيعاب مهاجرين، فلما قدمت هذه اللجنة تقريرها، بعد بضعة أشهر من دراستها، ذكرت أن فلسطين مكتظة بسكانها الحاليين، وأن من تستوعبه منهم الآن هو أكثر من طاقتها (وكان عدد اليهود يومئذ نحو ١٧٠ ألفاً) كما أن أرضها لا تكاد تكفي سكانها.. واستناداً على تقرير «لجنة سمبسون» وتقرير «لجنة شو» التي سبقتها بالتحقيق عن أسباب نشوب ثورة عام ١٩٢٩، أصدرت