الحكومة البريطانية «كتاباً أبيض» قررت بموجبه منع الهجرة ومنع بيع الأراضي. فعندئذ قامت قيامة اليهود في العالم، وأرسلوا وابلاً من البرقيات والاحتجاجات إلى الحكومة البريطانية، وقام أنصارهم وعملاؤهم في كل مكان، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، بدعمهم، وعندئذ أرسل وايزمن مذكرة إلى ماكدونالد قال فيها: (إذا منعت الهجرة، وبيع الأراضي، فلن يكون هناك وطن قومي يهودي....)
وأسفرت الحملة اليهودية عن نكوص بريطانيا على عقبيها، وكتب ماكدونالد جواباً (فسر) فيه الكتاب الأبيض آنف الذكر تفسيراً نقض كل ما جاء فيه، وسمح بالهجرة.
وعينت بريطانيا الجنرال السر آرثر وكهورب مندوباً سامياً على فلسطين، ففتح أبواب الهجرة لليهود، رغم احتجاج الفلسطينيين ومقاومتهم وثوراتهم من عام ١٩٣٣ إلى عام ١٩٣٦ حيث قام الشعب الفلسطيني بإضراب عام استمر ستة شهور كاملة، وصحبته ثورة عارمة ضارية ضاقت بها بريطانيا ذرعاً، ووقع وكهورب في حرج شديد، ولما انحى عليه بعضهم باللائمة، لأنه فسح المجال للهجرة اليهودية التي كانت من أهم أسباب تلك الثورة، أجاب قائلاً (وقد نقل إلي هذا الحديث المرحوم الأستاذ جورج انطونيوس، من نبهاء العرب اللبنانيين وفضلائهم، ومؤلف كتاب «يقظة العرب» وكان عندئذ مساعداً للسكرتير العام لحكومة فلسطين زمن الانتداب): وماذا أصنع؟ لقد قال لي رئيس الوزراء ماكدونالد، بصراحة وتأكيداً، عندما عينت مندوباً سامياً على فلسطين (افعل كل ما في إمكانك أن تفعله لإرضاء اليهود وخلصني من صخبهم وحملاتهم). ولما طلبت من وزارة المستعمرات أن تضع لي التعليمات لتنفيذ هذه السياسة، أوعزت إلي بأن أرضي اليهود في مطالبهم العامة وفي مقدمتها الهجرة، وأن أرضي العرب في مطالبهم الخاصة الشخصية!! فكانت هذه خطتي، ولكني لم أستطع إرضاء كل العرب الفلسطينيين عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، ولاسيما الذين يتولون شؤون قضيتهم، فلم تكن لهم مطالب خاصة بل كانت مطالبهم منحصرة في الشؤون العامة لبلادهم، وكانت تلبية مطالبهم العامة فوق طاقتي ومخالفة للتعليمات التي أعطيت لي، لكن الواقع أن الجنرال وكهورب لم يستطع إرضاء كل العرب عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، فقد كان فيهم ناس شرفاء، لم يكونوا يسعون وراء المطالب الخاصة، بل كان همهم مصلحة أمتهم، وغايتهم خدمة قضيتهم.
وبمناسبة الحديث عن ماكدونالد، أذكر أن آخر اجتماع عقده مع الوفد الفلسطيني كان في بيته (رقم ١٠ داوننغ ستريت) وهو المنزل الذي يقيم به كل من يتولى رئاسة الوزارة البريطانية، وأن آخر ما سمعناه منه قوله: أرجو أن لا تتكرر حوادث الإخلال