مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 199

Normalized
transcript

الحكومة البريطانية «كتاباً أبيض» قررت بموجبه منع الهجرة ومنع بيع الأراضي. فعندئذ قامت قيامة اليهود في العالم، وأرسلوا وابلاً من البرقيات والاحتجاجات إلى الحكومة البريطانية، وقام أنصارهم وعملاؤهم في كل مكان، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، بدعمهم، وعندئذ أرسل وايزمن مذكرة إلى ماكدونالد قال فيها: (إذا منعت الهجرة، وبيع الأراضي، فلن يكون هناك وطن قومي يهودي....)

وأسفرت الحملة اليهودية عن نكوص بريطانيا على عقبيها، وكتب ماكدونالد جواباً (فسر) فيه الكتاب الأبيض آنف الذكر تفسيراً نقض كل ما جاء فيه، وسمح بالهجرة.

وعينت بريطانيا الجنرال السر آرثر وكهورب مندوباً سامياً على فلسطين، ففتح أبواب الهجرة لليهود، رغم احتجاج الفلسطينيين ومقاومتهم وثوراتهم من عام ١٩٣٣ إلى عام ١٩٣٦ حيث قام الشعب الفلسطيني بإضراب عام استمر ستة شهور كاملة، وصحبته ثورة عارمة ضارية ضاقت بها بريطانيا ذرعاً، ووقع وكهورب في حرج شديد، ولما انحى عليه بعضهم باللائمة، لأنه فسح المجال للهجرة اليهودية التي كانت من أهم أسباب تلك الثورة، أجاب قائلاً (وقد نقل إلي هذا الحديث المرحوم الأستاذ جورج انطونيوس، من نبهاء العرب اللبنانيين وفضلائهم، ومؤلف كتاب «يقظة العرب» وكان عندئذ مساعداً للسكرتير العام لحكومة فلسطين زمن الانتداب): وماذا أصنع؟ لقد قال لي رئيس الوزراء ماكدونالد، بصراحة وتأكيداً، عندما عينت مندوباً سامياً على فلسطين (افعل كل ما في إمكانك أن تفعله لإرضاء اليهود وخلصني من صخبهم وحملاتهم). ولما طلبت من وزارة المستعمرات أن تضع لي التعليمات لتنفيذ هذه السياسة، أوعزت إلي بأن أرضي اليهود في مطالبهم العامة وفي مقدمتها الهجرة، وأن أرضي العرب في مطالبهم الخاصة الشخصية!! فكانت هذه خطتي، ولكني لم أستطع إرضاء كل العرب الفلسطينيين عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، ولاسيما الذين يتولون شؤون قضيتهم، فلم تكن لهم مطالب خاصة بل كانت مطالبهم منحصرة في الشؤون العامة لبلادهم، وكانت تلبية مطالبهم العامة فوق طاقتي ومخالفة للتعليمات التي أعطيت لي، لكن الواقع أن الجنرال وكهورب لم يستطع إرضاء كل العرب عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، فقد كان فيهم ناس شرفاء، لم يكونوا يسعون وراء المطالب الخاصة، بل كان همهم مصلحة أمتهم، وغايتهم خدمة قضيتهم.

وبمناسبة الحديث عن ماكدونالد، أذكر أن آخر اجتماع عقده مع الوفد الفلسطيني كان في بيته (رقم ١٠ داوننغ ستريت) وهو المنزل الذي يقيم به كل من يتولى رئاسة الوزارة البريطانية، وأن آخر ما سمعناه منه قوله: أرجو أن لا تتكرر حوادث الإخلال

English
translation

the British government issued a “White Paper” by which it decided to prevent immigration and the sale of land. The Jews throughout the world then erupted, sending a barrage of telegrams and protests to the British government. Their supporters and agents everywhere, especially in the United States of America, supported them. Weizmann then sent MacDonald a memorandum saying: “If immigration and the sale of land are prevented, there will be no Jewish national home …”

The Jewish campaign caused Britain to reverse course. MacDonald wrote a reply interpreting the aforementioned White Paper in a way that contradicted everything it contained and permitted immigration.

Britain appointed General Sir Arthur Wauchope as High Commissioner for Palestine. He opened the gates of immigration to the Jews despite Palestinian protests, resistance, and revolts from 1933 to 1936, when the Palestinian people launched a general strike that lasted six full months and was accompanied by a fierce, sweeping revolt that Britain could no longer tolerate. When some blamed Wauchope for allowing Jewish immigration, one of the main causes of that revolt, he replied as follows. The late Professor George Antonius, one of the distinguished Lebanese Arabs and author of The Arab Awakening, who was then assistant to the secretary-general of the Government of Palestine under the Mandate, conveyed this conversation to me:

“What can I do? When I was appointed High Commissioner for Palestine, Prime Minister MacDonald told me frankly and emphatically: ‘Do everything you can to satisfy the Jews and rid me of their uproar and campaigns.’ When I asked the Colonial Office to give me instructions for implementing this policy, it directed me to satisfy the Jews in their general demands, foremost among them immigration, and to satisfy the Arabs in their private personal demands. That was my plan. But I could not satisfy all the Palestinian Arabs by meeting their private demands, especially those managing their cause, because they had no private demands. Their demands were confined to the general affairs of their country. Meeting their general demands was beyond my power and contrary to the instructions given to me. In reality, General Wauchope could not satisfy all the Arabs by meeting their private demands, because among them were honorable people who did not pursue private demands, but whose concern was the interest of their nation and whose aim was to serve their cause.”

Regarding MacDonald, I recall that the last meeting he held with the Palestinian delegation was at his home, 10 Downing Street, where every British prime minister lives. The last thing we heard from him was: “I hope that incidents disturbing security in your country

Analysis

This page continues the account of British immigration policy, the White Paper, Wauchope, MacDonald, Palestinian resistance, and the author’s accusation that Jewish pressure shaped British policy. It then returns to Ottoman restrictions on Jewish immigration, the red-passport system, alleged infiltration, and the author’s account of Baha al-Din Bey in Jaffa. The page is especially significant because it links British Mandate policy, anti-immigration demands, and a retrospective Ottoman policing narrative. These claims require independent historical verification. The latter sections repeat on page 200.

Raw transcript

الحكومة البريطانية «كتاباً أبيض» قررت بموجبه منع الهجرة ومنع بيع الأراضي. فعندئذ قامت قيامة اليهود في العالم، وأرسلوا وابلاً من البرقيات والاحتجاجات إلى الحكومة البريطانية، وقام أنصارهم وعملاؤهم في كل مكان، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، بدعمهم، وعندئذ أرسل وايزمن مذكرة إلى ماكدونالد قال فيها: (إذا منعت الهجرة، وبيع الأراضي، فلن يكون هناك وطن قومي يهودي....)

وأسفرت الحملة اليهودية عن نكوص بريطانيا على عقبيها، وكتب ماكدونالد جواباً (فسر) فيه الكتاب الأبيض آنف الذكر تفسيراً نقض كل ما جاء فيه، وسمح بالهجرة.

وعينت بريطانيا الجنرال السر آرثر وكهورب مندوباً سامياً على فلسطين، ففتح أبواب الهجرة لليهود، رغم احتجاج الفلسطينيين ومقاومتهم وثوراتهم من عام ١٩٣٣ إلى عام ١٩٣٦ حيث قام الشعب الفلسطيني بإضراب عام استمر ستة شهور كاملة، وصحبته ثورة عارمة ضارية ضاقت بها بريطانيا ذرعاً، ووقع وكهورب في حرج شديد، ولما انحى عليه بعضهم باللائمة، لأنه فسح المجال للهجرة اليهودية التي كانت من أهم أسباب تلك الثورة، أجاب قائلاً (وقد نقل إلي هذا الحديث المرحوم الأستاذ جورج انطونيوس، من نبهاء العرب اللبنانيين وفضلائهم، ومؤلف كتاب «يقظة العرب» وكان عندئذ مساعداً للسكرتير العام لحكومة فلسطين زمن الانتداب): وماذا أصنع؟ لقد قال لي رئيس الوزراء ماكدونالد، بصراحة وتأكيداً، عندما عينت مندوباً سامياً على فلسطين (افعل كل ما في إمكانك أن تفعله لإرضاء اليهود وخلصني من صخبهم وحملاتهم). ولما طلبت من وزارة المستعمرات أن تضع لي التعليمات لتنفيذ هذه السياسة، أوعزت إلي بأن أرضي اليهود في مطالبهم العامة وفي مقدمتها الهجرة، وأن أرضي العرب في مطالبهم الخاصة الشخصية!! فكانت هذه خطتي، ولكني لم أستطع إرضاء كل العرب الفلسطينيين عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، ولاسيما الذين يتولون شؤون قضيتهم، فلم تكن لهم مطالب خاصة بل كانت مطالبهم منحصرة في الشؤون العامة لبلادهم، وكانت تلبية مطالبهم العامة فوق طاقتي ومخالفة للتعليمات التي أعطيت لي، لكن الواقع أن الجنرال وكهورب لم يستطع إرضاء كل العرب عن طريق تلبية مطالبهم الخاصة، فقد كان فيهم ناس شرفاء، لم يكونوا يسعون وراء المطالب الخاصة، بل كان همهم مصلحة أمتهم، وغايتهم خدمة قضيتهم.

وبمناسبة الحديث عن ماكدونالد، أذكر أن آخر اجتماع عقده مع الوفد الفلسطيني كان في بيته (رقم ١٠ داوننغ ستريت) وهو المنزل الذي يقيم به كل من يتولى رئاسة الوزارة البريطانية، وأن آخر ما سمعناه منه قوله: أرجو أن لا تتكرر حوادث الإخلال