بالأمن في بلادكم لأن الذين يثيرونها يقعون تحت مسؤولية عظيمة وصارمة ولاسيما رؤساء الدين، وكان اليهود كعادتهم يبالغون في اتهامي وتحميلي كل أوزار الثورة الفلسطينية وما أصابهم فيها من خسائر فادحة في الأنفس والأموال حتى إنه لما قتل في المعركة أحد كبار ضباط (الهاجاناه) البارزين، وقف ثلاثون من أتباعه أقسم كل واحد منهم أمام جثته بأن يثأر له مني شخصياً، وقد قاموا في ليلة دفنه بمحاولات مفاجأة للانتقام مني ولكن الله أحبط كيدهم، ففهمت من قوله هذا أنه يعنيني بهذا الإنذار وأنه كان متأثراً بدعايات اليهود واتهاماتهم التي كانوا يوجهونها إلي، فأجبته فورياً: (إن رجال الدين لا يخشون المسؤولية إلا أمام الله).
بينت في فيما سبق طرفاً من المساعي التي قمنا بها في ألمانيا، لمنع هجرة اليهود من البلاد الأوروبية إلى فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تلك المساعي هي الوحيدة، بل سبقتها مساع أخرى في أواخر عهد الدولة العثمانية لمنع التسلسل اليهودي إلى فلسطين حينما كانت الهجرة اليهودية ممنوعة رسمياً، حتى أن الدولة العثمانية وضعت نظاماً خاصاً لهذا المنع هو نظام «الجواز الأحمر» الذي كان يعطى لكل يهودي أجنبي، فلا يسمح له بدخول البلاد إلا بعد أن تأخذ السلطات المختصة جواز سفره وتعطيه بدلاً منه جوازاً أحمر يحمله خلال تجوله في البلاد كسائح مدة قصيرة محدودة، وعند انتهائها يسترد منه الجواز الأحمر ويعاد إليه جوازه الذي كان يحمله قبل دخوله البلاد.
وكان اليهود، بوسائلهم العديدة المعروفة، يتسللون كسائحين يحملون جوازات أجنبية، فكانت الدولة تخرج كل متسلل تعثر عليه. وكان اليهود يسعون جاهدين لاستراضاء الحكام وحملهم على الإغضاء عنهم، وكان زعيم اليهود في القدس المسمى «بينيتني» يحاول استرضاء الحكام والموظفين بالهدايا السخية، وبمصنوعات مدرسة «الالييت» الصناعية، كما كان يفعل زميله «ديزنكوفي» في مدينة يافا وما حولها.
فلما نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، عينت الدولة شاباً تركياً اسمه «بهاء الدين» بك حاكماً (قائمقام) لمنطقة يافا، وكان شهماً نزيهاً وماضياً، فقام بإخراج الوفد من اليهود الذين دخلوا البلاد بطرق غير مشروعة ولم يخضع أمام إغراءات «ديزنكوفي» وغيره من زعمائهم، وتقديراً لموقفه دعته صفوة من شبان القدس إلى حفلة تكريم له في منزلنا، قدرنا خلالها خطبته الحازمة وحماسته الوطنية. وكان بهاء الدين مطلعاً على أخطار الصهيونية ومصمماً على مقاومتها، ومتجاوباً في هذا المجال مع خيرة شبان فلسطين حينئذ.