مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 200

Normalized
transcript

بالأمن في بلادكم لأن الذين يثيرونها يقعون تحت مسؤولية عظيمة وصارمة ولاسيما رؤساء الدين، وكان اليهود كعادتهم يبالغون في اتهامي وتحميلي كل أوزار الثورة الفلسطينية وما أصابهم فيها من خسائر فادحة في الأنفس والأموال حتى إنه لما قتل في المعركة أحد كبار ضباط (الهاجاناه) البارزين، وقف ثلاثون من أتباعه أقسم كل واحد منهم أمام جثته بأن يثأر له مني شخصياً، وقد قاموا في ليلة دفنه بمحاولات مفاجأة للانتقام مني ولكن الله أحبط كيدهم، ففهمت من قوله هذا أنه يعنيني بهذا الإنذار وأنه كان متأثراً بدعايات اليهود واتهاماتهم التي كانوا يوجهونها إلي، فأجبته فورياً: (إن رجال الدين لا يخشون المسؤولية إلا أمام الله).

بينت في فيما سبق طرفاً من المساعي التي قمنا بها في ألمانيا، لمنع هجرة اليهود من البلاد الأوروبية إلى فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تلك المساعي هي الوحيدة، بل سبقتها مساع أخرى في أواخر عهد الدولة العثمانية لمنع التسلسل اليهودي إلى فلسطين حينما كانت الهجرة اليهودية ممنوعة رسمياً، حتى أن الدولة العثمانية وضعت نظاماً خاصاً لهذا المنع هو نظام «الجواز الأحمر» الذي كان يعطى لكل يهودي أجنبي، فلا يسمح له بدخول البلاد إلا بعد أن تأخذ السلطات المختصة جواز سفره وتعطيه بدلاً منه جوازاً أحمر يحمله خلال تجوله في البلاد كسائح مدة قصيرة محدودة، وعند انتهائها يسترد منه الجواز الأحمر ويعاد إليه جوازه الذي كان يحمله قبل دخوله البلاد.

وكان اليهود، بوسائلهم العديدة المعروفة، يتسللون كسائحين يحملون جوازات أجنبية، فكانت الدولة تخرج كل متسلل تعثر عليه. وكان اليهود يسعون جاهدين لاستراضاء الحكام وحملهم على الإغضاء عنهم، وكان زعيم اليهود في القدس المسمى «بينيتني» يحاول استرضاء الحكام والموظفين بالهدايا السخية، وبمصنوعات مدرسة «الالييت» الصناعية، كما كان يفعل زميله «ديزنكوفي» في مدينة يافا وما حولها.

فلما نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، عينت الدولة شاباً تركياً اسمه «بهاء الدين» بك حاكماً (قائمقام) لمنطقة يافا، وكان شهماً نزيهاً وماضياً، فقام بإخراج الوفد من اليهود الذين دخلوا البلاد بطرق غير مشروعة ولم يخضع أمام إغراءات «ديزنكوفي» وغيره من زعمائهم، وتقديراً لموقفه دعته صفوة من شبان القدس إلى حفلة تكريم له في منزلنا، قدرنا خلالها خطبته الحازمة وحماسته الوطنية. وكان بهاء الدين مطلعاً على أخطار الصهيونية ومصمماً على مقاومتها، ومتجاوباً في هذا المجال مع خيرة شبان فلسطين حينئذ.

English
translation

in your country will not recur, because those who provoke them will bear grave and strict responsibility, especially religious leaders.” As usual, the Jews exaggerated in accusing me and placing upon me responsibility for all the Palestinian revolt and the severe losses in lives and property they suffered. When one of the prominent senior Haganah officers was killed in battle, thirty of his followers stood and each swore over his body to avenge him personally on me. On the night of his burial they made surprise attempts to take revenge on me, but God thwarted their plot.

I understood from MacDonald’s words that he meant me by this warning and that he had been influenced by the Jews’ propaganda and accusations against me. I replied immediately: “Religious leaders fear responsibility only before God.”

I have explained above some of the efforts we made in Germany to prevent Jewish migration from European countries to Palestine during the Second World War. Those were not the only efforts. Earlier efforts had been made near the end of the Ottoman Empire to prevent the Jewish infiltration of Palestine, when Jewish immigration was officially prohibited. The Ottoman state even established a special system for this prohibition, the “red passport” system. It was given to every foreign Jew, who was not allowed to enter the country until the authorities took his passport and gave him a red passport instead, which he carried while traveling in the country as a tourist for a short, limited period. At the end of that period, the red passport was taken back and his original passport returned.

The Jews used their many familiar methods to infiltrate as tourists carrying foreign passports, so the state expelled every infiltrator it found. The Jews worked hard to appease the rulers and officials and persuade them to overlook them. The Jewish leader in Jerusalem, named “Binetni,” tried to appease rulers and officials with generous gifts and products from the Alliance school of industry, as did his colleague “Dizenkofi” in Jaffa and its surroundings.

When the First World War broke out in 1914, the state appointed a Turkish young man named “Baha al-Din” Bey as governor of the Jaffa district. He was noble, honest, and resolute, and expelled the Jews who had entered the country illegally. He did not yield to the inducements of Dizenkofi and other leaders. In appreciation of his position, a select group of Jerusalem’s young men invited him to a dinner honoring him at our home, where we praised his firm speech and patriotic enthusiasm. Baha al-Din understood the dangers of Zionism, was determined to resist it, and was aligned in this regard with the best young men of Palestine at that time.

Analysis

This page repeats the latter part of page 199, including the MacDonald warning, anti-immigration efforts, Ottoman red-passport system, and Baha al-Din Bey account. The overlap is retained and documented for later witness reconciliation.

Raw transcript

بالأمن في بلادكم لأن الذين يثيرونها يقعون تحت مسؤولية عظيمة وصارمة ولاسيما رؤساء الدين، وكان اليهود كعادتهم يبالغون في اتهامي وتحميلي كل أوزار الثورة الفلسطينية وما أصابهم فيها من خسائر فادحة في الأنفس والأموال حتى إنه لما قتل في المعركة أحد كبار ضباط (الهاجاناه) البارزين، وقف ثلاثون من أتباعه أقسم كل واحد منهم أمام جثته بأن يثأر له مني شخصياً، وقد قاموا في ليلة دفنه بمحاولات مفاجأة للانتقام مني ولكن الله أحبط كيدهم، ففهمت من قوله هذا أنه يعنيني بهذا الإنذار وأنه كان متأثراً بدعايات اليهود واتهاماتهم التي كانوا يوجهونها إلي، فأجبته فورياً: (إن رجال الدين لا يخشون المسؤولية إلا أمام الله).

بينت في فيما سبق طرفاً من المساعي التي قمنا بها في ألمانيا، لمنع هجرة اليهود من البلاد الأوروبية إلى فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تلك المساعي هي الوحيدة، بل سبقتها مساع أخرى في أواخر عهد الدولة العثمانية لمنع التسلسل اليهودي إلى فلسطين حينما كانت الهجرة اليهودية ممنوعة رسمياً، حتى أن الدولة العثمانية وضعت نظاماً خاصاً لهذا المنع هو نظام «الجواز الأحمر» الذي كان يعطى لكل يهودي أجنبي، فلا يسمح له بدخول البلاد إلا بعد أن تأخذ السلطات المختصة جواز سفره وتعطيه بدلاً منه جوازاً أحمر يحمله خلال تجوله في البلاد كسائح مدة قصيرة محدودة، وعند انتهائها يسترد منه الجواز الأحمر ويعاد إليه جوازه الذي كان يحمله قبل دخوله البلاد.

وكان اليهود، بوسائلهم العديدة المعروفة، يتسللون كسائحين يحملون جوازات أجنبية، فكانت الدولة تخرج كل متسلل تعثر عليه. وكان اليهود يسعون جاهدين لاستراضاء الحكام وحملهم على الإغضاء عنهم، وكان زعيم اليهود في القدس المسمى «بينيتني» يحاول استرضاء الحكام والموظفين بالهدايا السخية، وبمصنوعات مدرسة «الالييت» الصناعية، كما كان يفعل زميله «ديزنكوفي» في مدينة يافا وما حولها.

فلما نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، عينت الدولة شاباً تركياً اسمه «بهاء الدين» بك حاكماً (قائمقام) لمنطقة يافا، وكان شهماً نزيهاً وماضياً، فقام بإخراج الوفد من اليهود الذين دخلوا البلاد بطرق غير مشروعة ولم يخضع أمام إغراءات «ديزنكوفي» وغيره من زعمائهم، وتقديراً لموقفه دعته صفوة من شبان القدس إلى حفلة تكريم له في منزلنا، قدرنا خلالها خطبته الحازمة وحماسته الوطنية. وكان بهاء الدين مطلعاً على أخطار الصهيونية ومصمماً على مقاومتها، ومتجاوباً في هذا المجال مع خيرة شبان فلسطين حينئذ.