مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 201

Normalized
transcript

وكان أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع ووزير البحرية مسيطراً حينئذ على مناطق فلسطين وسورية ولبنان، فكان يدعم بهاء الدين ويؤيده فيما يتخذه من إجراءات. فحاول زعماء اليهود إغرائه بالمال فلم ينجحوا، إلى أن تمكنوا من إقناعه بتلبية دعوة «مس لانزو» وهي يهودية صهيونية كانت تدير «دار المعلمات اليهودية» في القدس، واغتنمت مس لانزو تلك الفرصة الذهبية فحشدت لاستقباله صفوة مختارة من الفتيات الطالبات وغير الطالبات، فقمن أمامه باستعراض رياضي. ولما انتهت الزيارة قدمت له مجموعة (ألبوم) تشتمل على صور الفتيات وعناوينهن.. وهكذا كانت زيارة جمال باشا لدار معلمات مس لانزو، الحد الفاصل في تحوله عن خطته السابقة الحازمة نحو اليهود، فنفي بهاء الدين بك عن المنطقة، وتوطدت صلة اليهود بعد ذلك بجمال باشا، فمنحهم أرضاً واسعة من أراضي الأوقاف الإسلامية هي (وقف روبين) بجوار يافا بحجة استصلاحها وتجفيف مستنقعاتها، وإصدار أمره إلى «مجلس إدارة القدس» باتخاذ الإجراءات القانونية لتسجيلها باسم اليهود.

لكن المرحوم السيد محمد كامل الحسيني مفتي القدس حينئذ، عارض في ذلك، فأجلت الإجراءات ولما تتم حتى نهاية الحرب، وكان اليهود قد تسلموا الأرض فعلاً وغرسوا فيها مئات الألوف من أشجار الكافور (الأوكالبتوس) وأقاموا فيها المزارع، فلما تولينا شؤون المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين، استرددنا الأرض بما فيها من مئات الألوف من الأشجار، رغم مقاومة اليهود وإقامتهم الدعوى علينا، وكانت مساحة تلك الأرض تزيد عن (٣٢٠٠٠) اثنين وثلاثين ألف دونم.

لما وقع الاحتلال البريطاني لفلسطين في ٩ كانون الأول سنة ١٩١٧ كان عدد اليهود في جميع فلسطين لا يزيد على ٤,٥٪ (أربعة ونصف في المئة) من مجموع أهل البلاد العرب، وكان أكثرهم يحمل جوازات أجنبية فلا يحق لهم الامتلاك ولا الانتخاب، ففتحت لهم بريطانيا أبواب الهجرة على مصاريعها رغم استنكار أهل فلسطين ومظاهراتهم وثوراتهم الدامية المتتالية.

ولقد قمنا، منذ الاحتلال البريطاني، بمقاومة الهجرة اليهودية بجميع ما نملك من الوسائل حينئذ، من احتجاجات، ومظاهرات، ثم ثورات متعاقبات، وناشدنا الدول العربية التي فيها يهود، أن تمنعهم من الهجرة، فلبى بعضنا طلبنا، فقد منع المرحوم الإمام يحيى حميد الدين هجرة اليهود من اليمن منعاً باتاً، حتى من كان منهم يريد زيارة عدن لا بد له من أن يكفله أناس يتعهدون بعودته إلى اليمن، فإن لم يعد إليها كانت تصادر أمواله ويعاقب كفلاؤه.

English
translation

Ahmed Jamal Pasha, commander of the Fourth Army and minister of the navy, then controlled the regions of Palestine, Syria, and Lebanon. He supported Baha al-Din and backed the measures he took. The Jewish leaders tried to entice him with money but failed, until they persuaded him to accept an invitation from “Miss Lanzo,” a Zionist Jewish woman who ran the Jewish Teachers’ House in Jerusalem. Miss Lanzo took advantage of this golden opportunity and assembled a select group of female students and others to receive him. They performed an athletic display before him. When the visit ended, they presented him with an album containing photographs and addresses of the girls. Thus Jamal Pasha’s visit to Miss Lanzo’s teachers’ house marked the turning point in his departure from his previous firm policy toward the Jews. Baha al-Din Bey was exiled from the region, and the Jews thereafter strengthened their relationship with Jamal Pasha. He granted them a large tract of Islamic endowment land, the Rubin endowment near Jaffa, on the pretext of reclaiming and draining its marshes, and ordered the Jerusalem Council to take the legal steps to register it in the Jews’ names.

But the late Sayyid Muhammad Kamil al-Husayni, then Mufti of Jerusalem, opposed this. The procedures were delayed and not completed until the end of the war. The Jews had in fact taken possession of the land, planted hundreds of thousands of eucalyptus trees, and established farms there. When we took charge of the Supreme Muslim Council of Palestine, we recovered the land with its hundreds of thousands of trees despite Jewish resistance and their lawsuit against us. The area of that land exceeded 32,000 dunams.

When the British occupation of Palestine took place on 9 December 1917, the Jews throughout Palestine numbered no more than 4.5 percent of the total Arab population. Most held foreign passports and therefore had no right to own property or vote. Britain nevertheless opened the gates of immigration to them despite the protests, demonstrations, and successive bloody revolts of the people of Palestine.

Since the British occupation, we resisted Jewish immigration by every means then available: protests, demonstrations, and successive revolts. We appealed to the Arab states that had Jewish populations to prevent their migration, and some answered our request. The late Imam Yahya Hamid al-Din completely prohibited Jewish migration from Yemen. Even a Jew who wished to visit Aden had to be guaranteed by people who undertook to ensure his return to Yemen; if he did not return, their property was confiscated and the guarantors punished.

Analysis

This page gives a retrospective account of Ottoman and Mandate-era restrictions on Jewish immigration, the Rubin endowment land near Jaffa, and the author’s claim that British policy opened Palestine to Jewish immigration. It names Yemen, Afghanistan, Iraq, Yemen, and North Africa in a later migration tally and presents a table of 505,000 migrants, followed by an estimate of 800,000. The page is especially significant for its demographic argument and for its explicit linkage of immigration restriction, land control, and political sovereignty. The figures and historical claims are source-owned and require independent verification. The latter sections repeat on page 202.

Raw transcript

وكان أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع ووزير البحرية مسيطراً حينئذ على مناطق فلسطين وسورية ولبنان، فكان يدعم بهاء الدين ويؤيده فيما يتخذه من إجراءات. فحاول زعماء اليهود إغرائه بالمال فلم ينجحوا، إلى أن تمكنوا من إقناعه بتلبية دعوة «مس لانزو» وهي يهودية صهيونية كانت تدير «دار المعلمات اليهودية» في القدس، واغتنمت مس لانزو تلك الفرصة الذهبية فحشدت لاستقباله صفوة مختارة من الفتيات الطالبات وغير الطالبات، فقمن أمامه باستعراض رياضي. ولما انتهت الزيارة قدمت له مجموعة (ألبوم) تشتمل على صور الفتيات وعناوينهن.. وهكذا كانت زيارة جمال باشا لدار معلمات مس لانزو، الحد الفاصل في تحوله عن خطته السابقة الحازمة نحو اليهود، فنفي بهاء الدين بك عن المنطقة، وتوطدت صلة اليهود بعد ذلك بجمال باشا، فمنحهم أرضاً واسعة من أراضي الأوقاف الإسلامية هي (وقف روبين) بجوار يافا بحجة استصلاحها وتجفيف مستنقعاتها، وإصدار أمره إلى «مجلس إدارة القدس» باتخاذ الإجراءات القانونية لتسجيلها باسم اليهود.

لكن المرحوم السيد محمد كامل الحسيني مفتي القدس حينئذ، عارض في ذلك، فأجلت الإجراءات ولما تتم حتى نهاية الحرب، وكان اليهود قد تسلموا الأرض فعلاً وغرسوا فيها مئات الألوف من أشجار الكافور (الأوكالبتوس) وأقاموا فيها المزارع، فلما تولينا شؤون المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين، استرددنا الأرض بما فيها من مئات الألوف من الأشجار، رغم مقاومة اليهود وإقامتهم الدعوى علينا، وكانت مساحة تلك الأرض تزيد عن (٣٢٠٠٠) اثنين وثلاثين ألف دونم.

لما وقع الاحتلال البريطاني لفلسطين في ٩ كانون الأول سنة ١٩١٧ كان عدد اليهود في جميع فلسطين لا يزيد على ٤,٥٪ (أربعة ونصف في المئة) من مجموع أهل البلاد العرب، وكان أكثرهم يحمل جوازات أجنبية فلا يحق لهم الامتلاك ولا الانتخاب، ففتحت لهم بريطانيا أبواب الهجرة على مصاريعها رغم استنكار أهل فلسطين ومظاهراتهم وثوراتهم الدامية المتتالية.

ولقد قمنا، منذ الاحتلال البريطاني، بمقاومة الهجرة اليهودية بجميع ما نملك من الوسائل حينئذ، من احتجاجات، ومظاهرات، ثم ثورات متعاقبات، وناشدنا الدول العربية التي فيها يهود، أن تمنعهم من الهجرة، فلبى بعضنا طلبنا، فقد منع المرحوم الإمام يحيى حميد الدين هجرة اليهود من اليمن منعاً باتاً، حتى من كان منهم يريد زيارة عدن لا بد له من أن يكفله أناس يتعهدون بعودته إلى اليمن، فإن لم يعد إليها كانت تصادر أمواله ويعاقب كفلاؤه.