وكان أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع ووزير البحرية مسيطراً حينئذ على مناطق فلسطين وسورية ولبنان، فكان يدعم بهاء الدين ويؤيده فيما يتخذه من إجراءات. فحاول زعماء اليهود إغرائه بالمال فلم ينجحوا، إلى أن تمكنوا من إقناعه بتلبية دعوة «مس لانزو» وهي يهودية صهيونية كانت تدير «دار المعلمات اليهودية» في القدس، واغتنمت مس لانزو تلك الفرصة الذهبية فحشدت لاستقباله صفوة مختارة من الفتيات الطالبات وغير الطالبات، فقمن أمامه باستعراض رياضي. ولما انتهت الزيارة قدمت له مجموعة (ألبوم) تشتمل على صور الفتيات وعناوينهن.. وهكذا كانت زيارة جمال باشا لدار معلمات مس لانزو، الحد الفاصل في تحوله عن خطته السابقة الحازمة نحو اليهود، فنفي بهاء الدين بك عن المنطقة، وتوطدت صلة اليهود بعد ذلك بجمال باشا، فمنحهم أرضاً واسعة من أراضي الأوقاف الإسلامية هي (وقف روبين) بجوار يافا بحجة استصلاحها وتجفيف مستنقعاتها، وإصدار أمره إلى «مجلس إدارة القدس» باتخاذ الإجراءات القانونية لتسجيلها باسم اليهود.
لكن المرحوم السيد محمد كامل الحسيني مفتي القدس حينئذ، عارض في ذلك، فأجلت الإجراءات ولما تتم حتى نهاية الحرب، وكان اليهود قد تسلموا الأرض فعلاً وغرسوا فيها مئات الألوف من أشجار الكافور (الأوكالبتوس) وأقاموا فيها المزارع، فلما تولينا شؤون المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين، استرددنا الأرض بما فيها من مئات الألوف من الأشجار، رغم مقاومة اليهود وإقامتهم الدعوى علينا، وكانت مساحة تلك الأرض تزيد عن (٣٢٠٠٠) اثنين وثلاثين ألف دونم.
لما وقع الاحتلال البريطاني لفلسطين في ٩ كانون الأول سنة ١٩١٧ كان عدد اليهود في جميع فلسطين لا يزيد على ٤,٥٪ (أربعة ونصف في المئة) من مجموع أهل البلاد العرب، وكان أكثرهم يحمل جوازات أجنبية فلا يحق لهم الامتلاك ولا الانتخاب، ففتحت لهم بريطانيا أبواب الهجرة على مصاريعها رغم استنكار أهل فلسطين ومظاهراتهم وثوراتهم الدامية المتتالية.
ولقد قمنا، منذ الاحتلال البريطاني، بمقاومة الهجرة اليهودية بجميع ما نملك من الوسائل حينئذ، من احتجاجات، ومظاهرات، ثم ثورات متعاقبات، وناشدنا الدول العربية التي فيها يهود، أن تمنعهم من الهجرة، فلبى بعضنا طلبنا، فقد منع المرحوم الإمام يحيى حميد الدين هجرة اليهود من اليمن منعاً باتاً، حتى من كان منهم يريد زيارة عدن لا بد له من أن يكفله أناس يتعهدون بعودته إلى اليمن، فإن لم يعد إليها كانت تصادر أمواله ويعاقب كفلاؤه.