وقد أثارت أنباء برقيات، القائلة أن الحكومة الأميركية أرسلت مذكرة إلى الحكومة الفرنسية تفيد فيها طلب الحكومة البريطانية تسليمي إليها، استياء الشعب اللبناني، فأعلن استنكاره لذلك للمفوضيتين الأميركية والبريطانية، وقدم «الشباب الوطني» مذكرة احتجاج إلى وزير أميركا المفوض بتاريخ ١٦ نيسان ١٩٤٦، وقد بلغ من استنكار الشعب اللبناني للموقف الأميركي - البريطاني أن أقيمت قنابل على المفوضيتين الأميركية والبريطانية مساء ٥ أيار، فأحدثت فيهما ضرراً بالغاً، وكان هذا أول حادث من نوعه يقع في البلاد العربية، ولا سيما لبنان، واعتبر هذا العمل تعبيراً عن الرأي العام.
وفي اليوم الثاني ألقي القبض على الوطني الشهم محمد السيد محمود وسبعة طيارين وعدد من الشبان الوطنيين، وأوقفوا عدة أيام.
وكان للصحافة اللبنانية موقف نبيل في ذلك الحين، ولاسيما صحف الهدف وفريحة، والديار والصياد، وأصحابها الأفاضل السادة زهير عسيران وجحا غصن وسعيد فريحة، التي لم تنفك عن نشر المقالات والأنباء والصور ذات العلاقة بالموضوع كما أن المظاهرات الحاشدة والإضرابات العامة كانت تحدث في كل مناسبة.
قبل تفصيل ما حدث بعد خروجي من باريس ووصولي إلى القاهرة أرى أن أشير باقتضاب إلى وقع ذلك الحادث في نفوس الصهيونيين وعملائهم وفي الدوائر البريطانية والأميركية. فمن ذلك ما أورده اليهودي الصهيوني جوزيف شختمان في كتابه «المفتي والفوهرر» من أن عضو الكونغرس الأميركي «إيمانويل كيلر» تقدم بطلب إلى وزير الخارجية «جيمس بيرنز» بأن يبادر الحكومة الأميركية بالعمل على تقديم المفتي إلى محكمة نوريمبرغ مع كبار مجرمي الحرب وأن تجري المحاكمة بالسرعة الممكنة، ثم أثار الوزير بأن المناورات الدبلوماسية البشعة قد يسمح عنها ببقاء المفتي حراً طليقاً، وقال أن أي تقصير في متابعة المفتي يفسر في الشرق كله بأنه ضعف من جانب البريطانيين والأميركيين..
وأضاف شختمان أن «بارتلي ل. كروم» عضو لجنة التحقيق الإنكليزية - الأميركية بشأن فلسطين (وهي المعروفة باسم لجنة أنسكوب) «وهو من أشد أنصار الصهيونية»، أرسل في ١١ حزيران ١٩٤٦ (بعد خروجي من باريس) برقية إلى وزير الخارجية الأميركية (بيرنز) يلح فيها على الولايات المتحدة بأن تعمل بالتعاون مع الحكومة البريطانية على اتخاذ جميع الإجراءات والتدابير الضرورية للقبض على المفتي وتسليمه للمحاكمة، وقال في برقيته: «هل لي أن أقترح بكل احترام أن تتصل وزارة الخارجية في الحال بوزارة الخارجية البريطانية في هذا الموضوع حتى تصرف الادعاء في محاكم مجرمي الحرب في السجلات الرسمية الموضوعة تحت تصرف الادعاء في محاكم مجرمي الحرب