العودة إلى الوطن العربي
في مصر:
كان الذين يتوقعون قدومي إلى القاهرة من إخواننا وأصدقائنا قلائل. فلما وصلت القاهرة يوم الأربعاء ٢٧ جمادى الآخرة الموافق ٢٩/٥/١٩٤٦ لم أستقر بفندق ميتروبوليتان إلا فترة قليلة ثم توجهت في المساء إلى مصر الجديدة واجتمعت بالأستاذ علي رشدي عنان، والسيد محمد منيف الحسيني، والأستاذ علي رشدي مصري صميم سبق له أن عمل معنا في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بإدارة المعاهد الدينية في القدس، فلما أضطرتي الأحداث لمغادرة فلسطين ووضعته السلطة البريطانية يدها على المجلس الإسلامي الأعلى استقال الأستاذ علي من عمله وعاد إلى القاهرة أما السيد محمد منيف الذي حالت ظروفه دون مرافقتنا إلى إيران وأوروبا فقد استقر بالمملكة السعودية إلى نهاية الحرب ثم عاد إلى القاهرة هو والشهيد عبد القادر الحسيني.
وقد صادف وصولي القاهرة وجود الوفد السوداني فاستبشرت على رأسه وفد رسمي بريطاني لمباحثة الحكومة المصرية في قضية جلاء الجيش البريطاني عن مصر. وكان رئيس الوزارة المصرية حينئذ اسماعيل صدقي باشا. ولما كنت حريصاً على ألا أسبب وجودي في مصر أي حرج للحكومة المصرية عندئذ فقد أثرت ألا أظهر نفسي، وأن أنتظر بعض الوقت ريثما تصل المباحثات التي كانت في مرحلتها الأخيرة إلى نتيجة.
ولذلك قرر رأينا على التوجه إلى الاسكندرية لقضاء بضعة أيام فيها ثم العودة إلى القاهرة. وفي اليوم التالي ركبنا القطار إلى الاسكندرية فقضينا بها أيام ثم عدنا إلى القاهرة وانتقلنا إلى منزل استأجرناه بمصر الجديدة، وظلت إقامتي خلال هذه المدة مكتومة عن الجميع.
وفي يوم ١١ رجب ١٣٦٥ هـ (١١/٦/١٩٤٦) رددت البرقيات ونشرت الصحف نبأ مغادرتي باريس، ثم لم يلبث النبأ أن انتشر سريعاً في مصر وفلسطين وسورية ولبنان، وأخذ أصدقاؤنا الكثيرون في القاهرة يحاولون استطلاع الخبر اليقين،