مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 260

Normalized
transcript

وانقضت أيام أخرى دون نتيجة فأخذ القلق خلالها يساور نفوسهم، وكان الوقت قد حان للظهور وتلبية الرغبة التي أبداها الملك فاروق في وجودي بالقاهرة والتي وردت الإشارة إليها في بعض الرسائل التي أوصلتها إلى السيدة الجليلة ناجية هانم ذو الفقار، عمة الملكة فريدة وزوجة باشا ذو الفقار والد الملكة، ولكن لم يكن من بد للتمهيد لذلك لأن وجودي بمصر حينئذ سيزعج السلطات البريطانية وربما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات قد تسيء إلى مصر، ولذلك أوصلنا خبر وجودي في القاهرة إلى يوسف باشا رشدي في زيارة قصر عابدين للإعراب عن شكري واعتزاري للملك لما أبداه من اهتمام بشأن رغبتي في وجودي بالقاهرة.

وعلى أثر ذلك الاتصال توجهت إلى قصر عابدين مساء الأربعاء ١٩ رجب (١٩/٦/١٩٤٦) قبيل الساعة الثامنة مساء فقابلت عبد اللطيف طلعت باشا كبير الأمناء وسجلت اسمي في سجل التشريفات ثم استقبلني الملك فاروق استقبالاً ودياً للغاية أعرب فيه عن سروره بلقائي ووجودي بالقاهرة. وبما قاله لي أنه كان قلقاً علي لما سمع بخروجي من باريس وانقضاء عشرين يوماً دون وصولي وأنه اتصل بالتلفون بكل من رئيس الجمهورية السورية ورئيس الجمهورية اللبنانية سائلاً عني، فشكرته له ذلك الاهتمام والعناية الكريمة واعتذرت عن سبب تأخري في القيام بالواجب وهو حرصي على عدم إحراج الحكومة المصرية وهي تقدم بالمفاوضات في مسألة الجلاء.

واستمرت المقابلة نصف ساعة أبدى الملك في نهايتها رغبته في أن أكون في ضيافته، فقابلت تلك العناية شاكراً، وصدر أمر الملك للحاشية بالانتقال فوراً إلى قصر زهراء أنس..

ولما ركبت السيارة التي أعدت لي سارت بي من قصر عابدين إلى قصر القبة لكننا لم ننزل به لأن السيارة دخلت من أحد أبواب القصر ثم خرجت من باب آخر توجهت شرقاً إلى قصر أشخاص وذلك مبالغة في الكتمان وحرصاً من الملك على أن يظل محل إقامتي غير معروف ريثما تتم الإجراءات الكفيلة بسلامتي وحريتي. وبعد ثلاثة أرباع الساعة كنا في قصر أشخاص ولما وصلت إلى قصر أشخاص وجدت أن الملك فاروق قد بلغ في الحيطة وإعداد وسائل الحراسة، فأمر بوضع الجسر المتحرك المنصوب على فرع نهر النيل، الذي تعبر عليه السيارات والمشاة إلى القصر، وأن حراسة عسكرية قوية أقيمت عليه، وكذلك مطار

English
translation

Several more days passed without a result, and during them anxiety began to trouble them. The time had come for me to appear and fulfill the wish expressed by King Farouk that I be in Cairo, a wish mentioned in some letters that I delivered to the esteemed lady Nagia Hanem Zulfiqar, the aunt of Queen Farida and wife of Pasha Zulfiqar, the queen’s father. But preparations had to be made first, because my presence in Egypt at that time would upset the British authorities and might lead them to take measures that would harm Egypt. We therefore conveyed news of my presence in Cairo to Yusuf Pasha Rushdi during a visit to Abdeen Palace, to express my thanks and apologies to the king for the interest he had shown in my wish to be in Cairo.

Following that contact, I went to Abdeen Palace on Wednesday evening, 19 Rajab (19/6/1946), shortly before eight in the evening. I met Abd al-Latif Talaat Pasha, chief chamberlain, and entered my name in the visitors’ register. King Farouk then received me with great warmth and expressed his pleasure at meeting me and having me in Cairo. He told me that he had been worried about me when he heard of my departure from Paris and the passage of twenty days without my arrival, and that he had telephoned both the president of the Syrian Republic and the president of the Lebanese Republic to ask about me. I thanked him for that interest and gracious care and apologized for my delay in fulfilling the duty, explaining that I had been anxious not to embarrass the Egyptian government while it was conducting negotiations over the evacuation.

The meeting lasted half an hour. At its end, the king expressed his wish that I be his guest. I received this care with thanks, and the king ordered his retinue to move immediately to Anshas Palace.

When I boarded the car prepared for me, it took me from Abdeen Palace to Qubba Palace, but we did not get out there. The car entered through one of the palace gates, left through another, and headed east toward Anshas Palace. This was an additional measure of secrecy, out of the king’s concern that my place of residence remain unknown until arrangements ensuring my safety and freedom had been completed. After three quarters of an hour we were at Anshas Palace. When I arrived there, I found that King Farouk had gone to great lengths in precaution and in preparing security measures. He ordered that the movable bridge built over a branch of the Nile, crossed by cars and pedestrians to reach the palace, be put in place, and a strong military guard was stationed there, as well as at the Anshas airport beside the palace. A large force of soldiers and military vehicles had been assembled there, and news of my presence at Anshas was concealed from everyone.

Analysis

Printed page 260 describes the staged public appearance in Cairo, King Farouk’s reception of the author, and the security operation that moved him to Anshas while concealing his location from British authorities. The page presents the king’s concern about a forced British seizure as a matter of royal dignity and Arab reputation. The source names the palace, officials, and security measures; the place-name reading “Anshas” is retained from the verified transcript. The page ends with a continuation into page 261.

Raw transcript

وانقضت أيام أخرى دون نتيجة فأخذ القلق خلالها يساور نفوسهم، وكان الوقت قد حان للظهور وتلبية الرغبة التي أبداها الملك فاروق في وجودي بالقاهرة والتي وردت الإشارة إليها في بعض الرسائل التي أوصلتها إلى السيدة الجليلة ناجية هانم ذو الفقار، عمة الملكة فريدة وزوجة باشا ذو الفقار والد الملكة، ولكن لم يكن من بد للتمهيد لذلك لأن وجودي بمصر حينئذ سيزعج السلطات البريطانية وربما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات قد تسيء إلى مصر، ولذلك أوصلنا خبر وجودي في القاهرة إلى يوسف باشا رشدي في زيارة قصر عابدين للإعراب عن شكري واعتزاري للملك لما أبداه من اهتمام بشأن رغبتي في وجودي بالقاهرة.

وعلى أثر ذلك الاتصال توجهت إلى قصر عابدين مساء الأربعاء ١٩ رجب (١٩/٦/١٩٤٦) قبيل الساعة الثامنة مساء فقابلت عبد اللطيف طلعت باشا كبير الأمناء وسجلت اسمي في سجل التشريفات ثم استقبلني الملك فاروق استقبالاً ودياً للغاية أعرب فيه عن سروره بلقائي ووجودي بالقاهرة. وبما قاله لي أنه كان قلقاً علي لما سمع بخروجي من باريس وانقضاء عشرين يوماً دون وصولي وأنه اتصل بالتلفون بكل من رئيس الجمهورية السورية ورئيس الجمهورية اللبنانية سائلاً عني، فشكرته له ذلك الاهتمام والعناية الكريمة واعتذرت عن سبب تأخري في القيام بالواجب وهو حرصي على عدم إحراج الحكومة المصرية وهي تقدم بالمفاوضات في مسألة الجلاء.

واستمرت المقابلة نصف ساعة أبدى الملك في نهايتها رغبته في أن أكون في ضيافته، فقابلت تلك العناية شاكراً، وصدر أمر الملك للحاشية بالانتقال فوراً إلى قصر زهراء أنس..

ولما ركبت السيارة التي أعدت لي سارت بي من قصر عابدين إلى قصر القبة لكننا لم ننزل به لأن السيارة دخلت من أحد أبواب القصر ثم خرجت من باب آخر توجهت شرقاً إلى قصر أشخاص وذلك مبالغة في الكتمان وحرصاً من الملك على أن يظل محل إقامتي غير معروف ريثما تتم الإجراءات الكفيلة بسلامتي وحريتي. وبعد ثلاثة أرباع الساعة كنا في قصر أشخاص ولما وصلت إلى قصر أشخاص وجدت أن الملك فاروق قد بلغ في الحيطة وإعداد وسائل الحراسة، فأمر بوضع الجسر المتحرك المنصوب على فرع نهر النيل، الذي تعبر عليه السيارات والمشاة إلى القصر، وأن حراسة عسكرية قوية أقيمت عليه، وكذلك مطار