أشخاص المجاور للقصر، فقد حشدت فيه قوة كبيرة من الجنود والسيارات العسكرية وكتم خبر وجودي في أشخاص عن الجميع، ريثما تتدبر السلطات المصرية الأمر مع السلطات البريطانية، فقد كان الملك يخشى أن يعمد الإنكليز إلى استعمال القوة لانتزاعي من مصر إلى حيث يشاؤون، فيكون في ذلك إهانة له ولسمعة العرب، وقد سبق للإنكليز أن فعلوا هذا في بعض خصوم سياستهم، مثل طالب باشا النقيب الذي اختطفوه من البصرة ونفوه إلى الهند، وياسين باشا الهاشمي الذي اختطفوه من دمشق في عهد حكم الملك فيصل بن الحسين واعتقلوه في معسكرهم قرب مدينة الرملة بفلسطين، وقد سجل حادث اختطاف ياسين الهاشمي شاعر العراق الكبير معروف الرصافي في قصيدة قال فيها:
يا سجين إنك بالقلوب مقيمُ هل أنت للوطن العزيز مودعُ؟
أحذرك يا بطل المدامع غيلةً بيد الخداع ومثلهم من يُخدعُ
وأقمت بأنشاص ١٩ يوماً، لم استقبل خلالها إلا ولدي صلاح الدين، وولد أخي المرحوم حسين، والسيد موسى أبو السعود، ولد زميلنا ورفيقنا في الجهاد المرحوم الشيخ حسن أبو السعود، الذي كان حينئذ منفياً في سيشيل، والسيدين علي رشدي عنان ومحمد منيف الحسيني، والشهيد عبد القادر الحسيني.
وكان خبر وصولي إلى القاهرة وزيارتي قصر عابدين قد انتشر في القاهرة والقطر المصري، وتناولته البرقيات والصحف بالتفصيل والتعليق، فلم تبق صحيفة ولا مجلة إلا وأفاضت في الحديث عنه، وتفضل كثير من كبار كتاب مصر ورجال السياسة والأدب والعلم فيها بكتابة مقالات أضفوا علي فيها من الإطراء والثناء ما لا أستحق بعضه، وتناولوا سابقة عملي بما شاء لهم فضلهم وكرم خلقهم من الإشادة والتنويه، أذكر منهم الأساتذة الأفاضل فتحي رضوان وأحمد حسين من الأحياء، وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمود توفيق دياب ومحمد مندور وخليل ثابت عمن توفاهم الله، وأبرزت الصحافة المصرية وساسة مصر ورجال حركتها الوطنية، على اختلاف نزعاتهم وأحزابهم، لنقد سياسة بريطانيا نحو القضية الفلسطينية، والتنديد بموقفها من هذه القضية عامة ومن قضيتي خاصة، والمطالبة بإطلاق حريتي لممارسة عملي الوطني، ومتابعة خدمتي لقضية بلادي دون أي ضغط أو إكراه.
وفي ٢٠ حزيران (يونيه) ١٩٤٦ نشرت الحكومة المصرية التي كان رئيسها إسماعيل صدقي باشا، بياناً عن وصولي إلى مصر وظهوري في قصر عابدين، وأشار