على وضع كامل تاريخه وأعماله ولتغطي مرحلة من النضال زادت على خمسين عاماً من أجل الحق والحرية والاستقلال. فما زالت دفاتر المفتي ووثائقه دون جمع مدروس بقصد التوثيق والتأريخ، أشير بإلحاح إلى ضرورة جمع هذا التراث من قبل معنيين ثقات ولتقصي كل الحقائق حولها.
قمت بهذا العمل، لا لتمجيد وتخليد المغفور له الحاج محمد أمين الحسيني، فهو غني عن التمجيد والتخليد، وهو فخر لفلسطين والعرب والمسلمين ولكل أحرار العالم. فقد كان رحمه الله وسيظل أنبل من عمل بصدق وجد لدرء الأخطار عن فلسطين والوطن العربي، كان وسيظل أعمق الناس إدراكاً لحقيقة الخطر الصهيوني، وأكثرهم فعالية في الكفاح والنضال ضد تلك الأخطار.
لقد شاركت في تحمل نصيبي المتواضع من الكفاح مع الحركة الوطنية الفلسطينية لعدة عقود من الزمن، وكان لي شرف النضال مع شيخ المجاهدين، رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين المغفور له الحاج محمد أمين الحسيني، وبحكم موقعي في الهيئة العربية العليا لفلسطين، كنت على مقربة من القائد الكبير، والمجاهد الصادق. فقد عرفته قائداً معلماً، متواضعاً متسامحاً، رفيع التهذيب ذا وداعة ترتسم على قسمات وجهه، كانت جماهير الشعب الفلسطيني قد أنشدت وهرجت (سيف الدين الحاج أمين) إذ كان الرجل أغنية على شفاه الشباب والصبايا، والأمل الذي يداعب خيال الرجال، وكان كل من حوله يدعونه بصدق (بالوالد).
عرفته مباشرة وعشت معه سنوات طوال، ولن أتحدث عن مواقفه الوطنية وصلابته وشجاعته، فقد كتب فيه الكثير الكثير، وقيل عنه الكثير الكثير، ولكن أجد لزاماً علي وفاءً لذكراه العطرة المشرفة، بعد أن كاد يغيب جهاده وكفاحه أن أذكره وأشيد بمزاياه ووطنيته، وأن أشيد بحسن معشره ودماثة خلقه، وشديد اهتمامه وعنايته بأمور الناس الخاصة والعامة وليبقى في الذهن والذاكرة.
لقد عرف عن المغفور له المفتي بأنه الرجل المنظم والمنظم، الدقيق كل الدقة، يشرف على أمور الإدارة ويتابعها عن كثب، ويعتبر الإدارة والنظام دعامتين أساسيتين في إدارة الصراع. كان رحمه الله حضارياً، مثقفاً على مستوى رفيع، عميق التفكير وقوراً، حوت مكتبته أمهات الكتب في مختلف العلوم والثقافات والأديان واللغات، رياضياً وفارساً يعشق الخيل، يجيد الرماية، وبقي حتى آخر أيام حياته يمارس الرياضة يومياً.