العودة إلى الوطن العربي ورئاسة الهيئة العربية العليا:
وأخيراً تمكن سماحته من مغادرة فرنسا سراً إلى مصر صيف عام ١٩٤٦، وكان هبوط سماحته إليها فجأة في أعقاب الحرب العالمية، مخترقاً كل وسائل المنع والرقابة، حادثاً مدوياً في العالمين العربي والإسلامي، وفي العالم الخارجي.
وكانت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية قد اجتمعت في بلودان صيف عام ١٩٤٦، وتم الاتفاق مع المنظمات السياسية الفلسطينية على تأليف (الهيئة العربية العليا لفلسطين)، لقيادة الحركة الوطنية، وقد احتفظت اللجنة السياسية، لسماحة المفتي، برئاسة الهيئة العربية العليا، وسماحته ما يزال معتقلاً في فرنسا في ذلك الحين.
وسارعت السلطات البريطانية تطالب باعتقال سماحته، وعدم السماح له بممارسة العمل السياسي لكن السلطات المصرية، في ذلك الحين، أكرمت وفادته، وأطلقت له حرية العمل، وسرعان ما التف حوله رجالات فلسطين، ورحب بقدمه زعماء الأقطار العربية والإسلامية، وكانت دار سماحته ملتقى قادة الحركات الوطنية في العالمين العربي والإسلامي.
استئناف الجهاد:
وشرع سماحته، بعد أن تولى الرئاسة الفعلية للهيئة العربية العليا، ينظم صفوف الفلسطينيين، ويعمل على استئناف الجهاد لتحرير فلسطين، ولما نشبت حرب فلسطين بين العرب واليهود في أواخر عام ١٩٤٧، أثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في ٢٩ نوفمبر من تلك السنة، شرع سماحته يدير حركة الجهاد الفلسطيني، مواصلاً العمل ليلاً نهاراً، وقام بتأليف (جيش الجهاد المقدس) بقيادة القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، واتصل بعدد من الدول العربية لإمداد حركة الجهاد الفلسطيني ببعض الضباط والفنيين، وقد أبلى الفلسطينيون بلاء حسناً في جهادهم الذي استمر ستة شهور، كسب الفلسطينيون خلالها معظم المعارك التي دارت بينهم وبين اليهود، رغم قلة وسائل الكفاح التي كانت في أيدي المجاهدين الفلسطينيين، إذا قورنت بوفرة ما لدى اليهود منها، من إمدادات الدول الاستعمارية التي كانت تساعدهم وتمدهم بكل وسائل الحرب والقتال، والفنيين من الرجال العسكريين.