الحديدية ومحطاتها ببسالة نادرة، وشملت هجمات المجاهدين أنابيب شركة بترول العراق البريطانية الممتدة من كركوك إلى حيفا بالتفجير والإحراق، وغير ذلك من الأعمال العظيمة التي اضطرت وزير المستعمرات البريطانية أن يعترف بخطورتها وقوتها وشجاعة الثوار الذين تدفعهم عقيدتهم الوطنية لركوب الأخطار كما اضطرت الصحف البريطانية للاعتراف بأن «حفنة صغيرة من العرب الضعاف العزل في فلسطين تقوم بمقاومة تبهر العالم بما فيها من بأس واستماتة وتثير الحماسة بين العرب من كل أنحاء الأقطار العربية.»
في أواخر عام ١٩٣٨ بلغت الثورة أوجها الأعلى وسيطر المجاهدون الفلسطينيون على معظم أنحاء فلسطين حتى كادت المقاومة البريطانية المسلحة تنحصر في داخل مدن فلسطين الكبرى وأجليت معظم الأسر البريطانية إلى خارج فلسطين.
وبلغت جرأة المجاهدين أن دخل بعضهم سراي الحكومة في مدينة جنين واقتحموا غرفة الحاكم البريطاني (موفت) وأردوه قتيلاً وانصرفوا غير آبهين برجال الجند والبوليس والحرس الذين كانوا منتشرين داخل السراي وخارجها.
وشملت حركة الجهاد أهل القرى والمدن على السواء، رجالاً ونساء، شيباً وشباناً.
واستمرت نار الثورة مشتعلة عامين كاملين من تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٩٣٧ إلى تشرين الأول عام ١٩٣٩، أي إلى ما بعد إعلان الحرب العالمية الثانية، وقد سطر المجاهدون الفلسطينيون خاصة والشعب العربي الفلسطيني عامة في ثورتهم هذه أروع آيات البسالة والفداء في سجل القضية العربية، بل في تاريخ الحركات الثورية التي قامت في سبيل الحرية والخلاص من ربقة الظلم في العالم كله.
لقد كان عرب فلسطين الذين لا يتجاوز عددهم مليون ونصف المليون نسمة يقارعون في ثورتهم هذه الامبراطورية البريطانية واليهودية العالمية معاً بكل ما تملك هاتان القوتان العظيمتان من عدد وعدة وجنود وحشود، وأموال ووسائل عسكرية وسياسية واقتصادية. كانوا يقارعون تلك القوى العالمية وهم قلة لا تكاد تذكر في العدد والسلاح والمال، وفي كل وسائل الحرب والقتال، وكان إيمانهم ويقينهم هو الذي يدفعهم للاستماتة في سبيل غايتهم المثلى وهدفهم الأسمى.
وجاء في كتاب ألفه الجنرال هنري ميتلاند ولسون الذي اشترك في مقاتلة عرب فلسطين قبل أن يتولى قيادة القوات البريطانية في مصر ثم في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ذكر مستفيض لبطولة عرب فلسطين في تلك المعارك الدامية ومن قوله: