كان اليهود في فلسطين، جاهدين في حبك الدسائس، وإثارة الفتن بين العرب، ولديهم إدارة خاصة لذلك في «الوكالة اليهودية» رصدت لها مبالغ طائلة لإنفاقها في هذه السبيل، وكان في طليعة خططهم، إثارة النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين، وقد ظهرت جهودهم في فترة الثورة بشكل واسع، فكانوا يسخرون بعض المأجورين لتوزيع النشرات، وإيقاظ الفتنة في جميع المناسبات، إلى أن دفعوا بعض المأجورين إلى قتل المهندس ميشيل متري رئيس جمعية العمال بقصد إثارة فتنة طائفية، ولكن الوعي العربي في فلسطين حال دون بلوغهم غايتهم، إذ قام بعض رجال الجهاد الوطني من المسلمين، بإنزال أشد العقاب بالمعتدين، وبذلك قضوا على الفتنة في مهدها.
ولم يكن مستغرباً من اليهود في فلسطين أن يقوموا بمثل هذه الفتن وأن يعيثوا في الأرض فساداً فهذا ديدنهم، وطبعهم وفيه صالحهم، ولكن الذي لم نكن نتوقعه من الإنكليز أن يعملوا على تأليف عصابات من المسلمين لتفتك بالمسيحيين، وليستغلوا هذه الدماء المراقة لقلب الثورة الوطنية الخالصة، إلى فتنة داخلية تشوه جمال حركة الجهاد وتنشر الفوضى والخراب في البلاد وهذا ما وقع.
زارني سراً، وفي ساعة مبكرة من أحد الأيام، ضابط فلسطيني كان يعمل في المخابرات (الاستعلامات) البريطانية في مدينة يافا، وكان موثوقاً به من رؤسائه الإنكليز وبعد أن استكتمني اسمه عن كل أحد أخبرني أنه جاء بيروت سراً بحجة الاستشفاء في مستشفى الجامعة الأمريكية ثم تسلل من المستشفى ليطلعني على خطة خطيرة للإنكليز للقضاء على الثورة وتشويهها وقلبها إلى فتنة طائفية عمياء.. وتفصيل الخبر أن الإنكليز استأجروا عدداً من المجرمين أخرجوا بعضهم من السجون ووضعوهم تحت قيادة كبار المجرمين وخصصوا لهم مرتبات شهرية وأسلحة وجعلوا منهم عصابات مسلحة وعهدوا إليها بمهاجمة القرى المسيحية وقتل أفرادها، ونهب أموالها، وزاد محدثي على ذلك أنه قام بنفسه بأمر المخابرات البريطانية بتسليح إحدى هذه العصابات وكانت مؤلفة من عشرين شخصاً بقيادة المدعو (أبو نجيم)، وكان كل فرد من أفرادها يحمل ورقة باللغة الإنكليزية تدل على أنه يعمل مع الإنكليز فلا يتعرض له الجيش الإنكليزي بأذى عندما يصادفه، وقال أيضاً إن عدة عصابات تم تشكيلها في جبال رام الله للاعتداء على قرى المسيحيين كالطيبة وبير زيت وجفنة وغيرها، وأن أكبر هذه العصابات قد شكلت من مائة مسلح في منطقة القدس وبيت لحم بقيادة مجرم شهير كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد فأطلق الإنكليز سراحه بعد أن اتفقوا معه على خطة