مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 42

Normalized
transcript

كان اليهود في فلسطين، جاهدين في حبك الدسائس، وإثارة الفتن بين العرب، ولديهم إدارة خاصة لذلك في «الوكالة اليهودية» رصدت لها مبالغ طائلة لإنفاقها في هذه السبيل، وكان في طليعة خططهم، إثارة النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين، وقد ظهرت جهودهم في فترة الثورة بشكل واسع، فكانوا يسخرون بعض المأجورين لتوزيع النشرات، وإيقاظ الفتنة في جميع المناسبات، إلى أن دفعوا بعض المأجورين إلى قتل المهندس ميشيل متري رئيس جمعية العمال بقصد إثارة فتنة طائفية، ولكن الوعي العربي في فلسطين حال دون بلوغهم غايتهم، إذ قام بعض رجال الجهاد الوطني من المسلمين، بإنزال أشد العقاب بالمعتدين، وبذلك قضوا على الفتنة في مهدها.

ولم يكن مستغرباً من اليهود في فلسطين أن يقوموا بمثل هذه الفتن وأن يعيثوا في الأرض فساداً فهذا ديدنهم، وطبعهم وفيه صالحهم، ولكن الذي لم نكن نتوقعه من الإنكليز أن يعملوا على تأليف عصابات من المسلمين لتفتك بالمسيحيين، وليستغلوا هذه الدماء المراقة لقلب الثورة الوطنية الخالصة، إلى فتنة داخلية تشوه جمال حركة الجهاد وتنشر الفوضى والخراب في البلاد وهذا ما وقع.

زارني سراً، وفي ساعة مبكرة من أحد الأيام، ضابط فلسطيني كان يعمل في المخابرات (الاستعلامات) البريطانية في مدينة يافا، وكان موثوقاً به من رؤسائه الإنكليز وبعد أن استكتمني اسمه عن كل أحد أخبرني أنه جاء بيروت سراً بحجة الاستشفاء في مستشفى الجامعة الأمريكية ثم تسلل من المستشفى ليطلعني على خطة خطيرة للإنكليز للقضاء على الثورة وتشويهها وقلبها إلى فتنة طائفية عمياء.. وتفصيل الخبر أن الإنكليز استأجروا عدداً من المجرمين أخرجوا بعضهم من السجون ووضعوهم تحت قيادة كبار المجرمين وخصصوا لهم مرتبات شهرية وأسلحة وجعلوا منهم عصابات مسلحة وعهدوا إليها بمهاجمة القرى المسيحية وقتل أفرادها، ونهب أموالها، وزاد محدثي على ذلك أنه قام بنفسه بأمر المخابرات البريطانية بتسليح إحدى هذه العصابات وكانت مؤلفة من عشرين شخصاً بقيادة المدعو (أبو نجيم)، وكان كل فرد من أفرادها يحمل ورقة باللغة الإنكليزية تدل على أنه يعمل مع الإنكليز فلا يتعرض له الجيش الإنكليزي بأذى عندما يصادفه، وقال أيضاً إن عدة عصابات تم تشكيلها في جبال رام الله للاعتداء على قرى المسيحيين كالطيبة وبير زيت وجفنة وغيرها، وأن أكبر هذه العصابات قد شكلت من مائة مسلح في منطقة القدس وبيت لحم بقيادة مجرم شهير كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد فأطلق الإنكليز سراحه بعد أن اتفقوا معه على خطة

English
translation

The Jews in Palestine were working hard at weaving intrigues and stirring up strife among the Arabs. They had a special department for this in the “Jewish Agency,” for which enormous sums had been earmarked to spend toward this end. Foremost among their plans was to stir up sectarian animosities between Muslims and Christians in Palestine. Their efforts became widespread during the revolt: they used hired agents to distribute leaflets and awaken strife on every occasion, until they induced some hired agents to kill the engineer Michel Mitri, president of the Workers’ Association, with the aim of provoking sectarian strife. But Arab awareness in Palestine prevented them from achieving their aim, as some Muslim men engaged in the national jihad inflicted the harshest punishment on the attackers, thereby crushing the strife in its infancy.

It was no surprise that the Jews in Palestine should foment such strife and spread corruption in the land, for this was their habit and nature, and served their interests. But what we had not expected of the English was that they would work to form Muslim gangs to slaughter Christians and exploit this spilled blood to turn a purely national revolt into internal strife that would mar the beauty of the jihad movement and spread chaos and destruction in the country. This is what happened.

Early one day, a Palestinian officer working in British intelligence (information services) in Jaffa visited me secretly. He was trusted by his English superiors. After making me promise to conceal his name from everyone, he told me that he had come secretly to Beirut on the pretext of receiving treatment at the American University Hospital, then slipped out of the hospital to inform me of a dangerous English plan to destroy and discredit the revolt and turn it into blind sectarian strife. The details were that the English had hired a number of criminals, some of whom they had taken out of prison, placed them under the command of leading criminals, provided them with monthly salaries and weapons, formed them into armed gangs, and assigned them to attack Christian villages, kill their inhabitants and plunder their property. My informant added that he had personally, on British intelligence’s orders, armed one of these gangs, consisting of twenty men under the command of a man called (Abu Nujaym). Each member carried a paper in English indicating that he worked with the English, so that the English army would not harm him when it encountered him. He also said that several gangs had been formed in the hills of Ramallah to attack Christian villages such as al-Tayba, Bir Zeit, Jifna and others, and that the largest of these gangs had been formed from one hundred armed men in the Jerusalem and Bethlehem area under the command of a notorious criminal who had been sentenced to life imprisonment. The English released him after agreeing with him on a plan of

Analysis

This page contains the memoirist’s hostile allegations that Jewish organizations and British authorities engineered sectarian violence, followed by a detailed account attributed to an unnamed Palestinian intelligence officer. It is especially significant as evidence of the memoir’s attribution chain: the officer claims personal involvement in arming one gang and describes written protection from British forces. The page ends within the alleged plan for a larger gang and continues onto page 43. These allegations, collective characterizations, names, locations, and numbers remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

كان اليهود في فلسطين، جاهدين في حبك الدسائس، وإثارة الفتن بين العرب، ولديهم إدارة خاصة لذلك في «الوكالة اليهودية» رصدت لها مبالغ طائلة لإنفاقها في هذه السبيل، وكان في طليعة خططهم، إثارة النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين، وقد ظهرت جهودهم في فترة الثورة بشكل واسع، فكانوا يسخرون بعض المأجورين لتوزيع النشرات، وإيقاظ الفتنة في جميع المناسبات، إلى أن دفعوا بعض المأجورين إلى قتل المهندس ميشيل متري رئيس جمعية العمال بقصد إثارة فتنة طائفية، ولكن الوعي العربي في فلسطين حال دون بلوغهم غايتهم، إذ قام بعض رجال الجهاد الوطني من المسلمين، بإنزال أشد العقاب بالمعتدين، وبذلك قضوا على الفتنة في مهدها.

ولم يكن مستغرباً من اليهود في فلسطين أن يقوموا بمثل هذه الفتن وأن يعيثوا في الأرض فساداً فهذا ديدنهم، وطبعهم وفيه صالحهم، ولكن الذي لم نكن نتوقعه من الإنكليز أن يعملوا على تأليف عصابات من المسلمين لتفتك بالمسيحيين، وليستغلوا هذه الدماء المراقة لقلب الثورة الوطنية الخالصة، إلى فتنة داخلية تشوه جمال حركة الجهاد وتنشر الفوضى والخراب في البلاد وهذا ما وقع.

زارني سراً، وفي ساعة مبكرة من أحد الأيام، ضابط فلسطيني كان يعمل في المخابرات (الاستعلامات) البريطانية في مدينة يافا، وكان موثوقاً به من رؤسائه الإنكليز وبعد أن استكتمني اسمه عن كل أحد أخبرني أنه جاء بيروت سراً بحجة الاستشفاء في مستشفى الجامعة الأمريكية ثم تسلل من المستشفى ليطلعني على خطة خطيرة للإنكليز للقضاء على الثورة وتشويهها وقلبها إلى فتنة طائفية عمياء.. وتفصيل الخبر أن الإنكليز استأجروا عدداً من المجرمين أخرجوا بعضهم من السجون ووضعوهم تحت قيادة كبار المجرمين وخصصوا لهم مرتبات شهرية وأسلحة وجعلوا منهم عصابات مسلحة وعهدوا إليها بمهاجمة القرى المسيحية وقتل أفرادها، ونهب أموالها، وزاد محدثي على ذلك أنه قام بنفسه بأمر المخابرات البريطانية بتسليح إحدى هذه العصابات وكانت مؤلفة من عشرين شخصاً بقيادة المدعو (أبو نجيم)، وكان كل فرد من أفرادها يحمل ورقة باللغة الإنكليزية تدل على أنه يعمل مع الإنكليز فلا يتعرض له الجيش الإنكليزي بأذى عندما يصادفه، وقال أيضاً إن عدة عصابات تم تشكيلها في جبال رام الله للاعتداء على قرى المسيحيين كالطيبة وبير زيت وجفنة وغيرها، وأن أكبر هذه العصابات قد شكلت من مائة مسلح في منطقة القدس وبيت لحم بقيادة مجرم شهير كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد فأطلق الإنكليز سراحه بعد أن اتفقوا معه على خطة