العمل زاعمين أنه فر من السجن، ووكلوا إليه وإلى عصابته مهمة مهاجمة المسيحيين في القدس وبيت لحم وبيت جالا وغيرها، وقد شرعت هذه العصابات فعلاً في المهمة التي عهد بها الإنكليز إلى رجالها، وهي مهمة العدوان والفتك والسلب والنهب...
ورغم كل ما عهدته في السياسة البريطانية من قسوة ومكر سيء، فقد هزني هذا النبأ، وأيقنت بصحته من مقدمات هذه الخطة الشيطانية ودلائلها التي وصلت إلينا من فلسطين، وسرعان ما اتخذت قيادة الثورة الوسائل الضرورية لمكافحة هذه العصابات المجرمة وإخماد نار الفتنة التي كانت المخابرات الإنكليزية قد بدأت بإشعالها، وكان الشهيد عبد القادر الحسيني حينئذ لا يزال يعالج في لبنان من الجرح الذي أصيب به في موقعة (الخضر) (١) التي استشهد فيها زميله القائد سعيد العاص، لكنه برغم ذلك أخذ على عاتقه مهمة القضاء على هذه العصابات وخف إلى فلسطين على رأس قوة كبيرة من المجاهدين فعمد أول الأمر إلى مهاجمة عصابات الإجرام، في شمال القدس فبددها ومزق شملها، ثم توجه إلى الجنوب فقضى على عصابات الفتنة وأعاد الأسلاب والمنهوبات التي نهبتها العصابات من بيت لحم إلى أصحابها وشكل محكمة عسكرية وطنية لمحاكمة المجرمين الذين باعوا أنفسهم لشيطان الاستعمار.
لكن هذه الحركة البارعة الموفقة كلفته ثمناً غالياً إذ لم يلبث الإنكليز أن هاجموه بقوة كبيرة من المشاة والمدفعية والمصفحات والطيارات في قرية (بني نعيم) فصمد لهم ومن معه من المجاهدين صموداً رائعاً إلى أن أصيب بجراح خطيرة كادت تودي بحياته فنقله المجاهدون إلى دمشق حيث بقي مدة طويلة قيد المعالجة، وقد استشهد في تلك الموقعة ابن عمه المهندس علي الحسيني وآخرون من خيرة المجاهدين.
أوردت هذه الحادثة كدليل على دسائس المستعمرين الشريرة ووسائلهم الحقيرة التي يتوسلون بها لتحقيق مآربهم، ولتحذير الأمة العربية من الفتن والمؤامرات الخطيرة التي لا تتورع دوائر المخابرات الأجنبية عن الالتجاء إليها لبلوغ غايتها.
ولنرجع إلى الثورة وأثرها في قضية فلسطين: لم يلبث أن ظهر الأثر البالغ للثورة على الحكومة البريطانية، إذ أخذت بعض الصحف والدوائر البريطانية وحتى اليهودية ترى صعوبة تنفيذ التقسيم، ثم عمدت بريطانيا إلى إيفاد «لجنة فنية» إلى فلسطين
(١) الخضر: قرية جبلية صغيرة من قضاء بيت لحم جرت فيها معركة بين قوات جيش الجهاد المقدس والإنكليز بتاريخ ٤/١٠/١٩٣٦ واستشهد فيها المناضل القائد سعيد العاص من قادة الثورة السورية الكبرى وثورة فلسطين الكبرى ١٩٣٦ - ١٩٣٩.