مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 43

Normalized
transcript

العمل زاعمين أنه فر من السجن، ووكلوا إليه وإلى عصابته مهمة مهاجمة المسيحيين في القدس وبيت لحم وبيت جالا وغيرها، وقد شرعت هذه العصابات فعلاً في المهمة التي عهد بها الإنكليز إلى رجالها، وهي مهمة العدوان والفتك والسلب والنهب...

ورغم كل ما عهدته في السياسة البريطانية من قسوة ومكر سيء، فقد هزني هذا النبأ، وأيقنت بصحته من مقدمات هذه الخطة الشيطانية ودلائلها التي وصلت إلينا من فلسطين، وسرعان ما اتخذت قيادة الثورة الوسائل الضرورية لمكافحة هذه العصابات المجرمة وإخماد نار الفتنة التي كانت المخابرات الإنكليزية قد بدأت بإشعالها، وكان الشهيد عبد القادر الحسيني حينئذ لا يزال يعالج في لبنان من الجرح الذي أصيب به في موقعة (الخضر) (١) التي استشهد فيها زميله القائد سعيد العاص، لكنه برغم ذلك أخذ على عاتقه مهمة القضاء على هذه العصابات وخف إلى فلسطين على رأس قوة كبيرة من المجاهدين فعمد أول الأمر إلى مهاجمة عصابات الإجرام، في شمال القدس فبددها ومزق شملها، ثم توجه إلى الجنوب فقضى على عصابات الفتنة وأعاد الأسلاب والمنهوبات التي نهبتها العصابات من بيت لحم إلى أصحابها وشكل محكمة عسكرية وطنية لمحاكمة المجرمين الذين باعوا أنفسهم لشيطان الاستعمار.

لكن هذه الحركة البارعة الموفقة كلفته ثمناً غالياً إذ لم يلبث الإنكليز أن هاجموه بقوة كبيرة من المشاة والمدفعية والمصفحات والطيارات في قرية (بني نعيم) فصمد لهم ومن معه من المجاهدين صموداً رائعاً إلى أن أصيب بجراح خطيرة كادت تودي بحياته فنقله المجاهدون إلى دمشق حيث بقي مدة طويلة قيد المعالجة، وقد استشهد في تلك الموقعة ابن عمه المهندس علي الحسيني وآخرون من خيرة المجاهدين.

أوردت هذه الحادثة كدليل على دسائس المستعمرين الشريرة ووسائلهم الحقيرة التي يتوسلون بها لتحقيق مآربهم، ولتحذير الأمة العربية من الفتن والمؤامرات الخطيرة التي لا تتورع دوائر المخابرات الأجنبية عن الالتجاء إليها لبلوغ غايتها.

ولنرجع إلى الثورة وأثرها في قضية فلسطين: لم يلبث أن ظهر الأثر البالغ للثورة على الحكومة البريطانية، إذ أخذت بعض الصحف والدوائر البريطانية وحتى اليهودية ترى صعوبة تنفيذ التقسيم، ثم عمدت بريطانيا إلى إيفاد «لجنة فنية» إلى فلسطين

(١) الخضر: قرية جبلية صغيرة من قضاء بيت لحم جرت فيها معركة بين قوات جيش الجهاد المقدس والإنكليز بتاريخ ٤/١٠/١٩٣٦ واستشهد فيها المناضل القائد سعيد العاص من قادة الثورة السورية الكبرى وثورة فلسطين الكبرى ١٩٣٦ - ١٩٣٩.

English
translation

action, claiming that he had escaped from prison, and assigned him and his gang the task of attacking Christians in Jerusalem, Bethlehem, Beit Jala and elsewhere. These gangs had indeed begun the task the English had entrusted to their men: aggression, slaughter, robbery and pillage...

Despite all the cruelty and evil cunning I had known in British policy, this news shook me. I became certain of its truth from the early signs and evidence of this diabolical plan that had reached us from Palestine. The leadership of the revolt quickly took the necessary measures to combat these criminal gangs and extinguish the fire of strife that English intelligence had begun to ignite. At the time, the martyr Abd al-Qadir al-Husayni was still being treated in Lebanon for the wound he had suffered in the battle of (al-Khadr) (1), in which his fellow commander Said al-As had been martyred. Nevertheless, he took upon himself the task of eliminating these gangs and hastened to Palestine at the head of a large force of mujahidin. He first attacked the criminal gangs north of Jerusalem, scattering and dispersing them. Then he went south, eliminated the gangs fomenting strife, returned to their owners the property the gangs had plundered from Bethlehem, and established a national military court to try the criminals who had sold themselves to the devil of colonialism.

But this skillful and successful operation cost him dearly. The English soon attacked him with a large force of infantry, artillery, armored vehicles and aircraft in the village of (Bani Naim). He and the mujahidin with him held out magnificently until he suffered serious wounds that nearly cost him his life. The mujahidin carried him to Damascus, where he remained under treatment for a long time. His cousin, the engineer Ali al-Husayni, and others among the finest mujahidin were martyred in that battle.

I have recounted this incident as evidence of the colonialists’ evil intrigues and the vile means they employ to achieve their aims, and to warn the Arab nation against the dangerous strife and conspiracies to which foreign intelligence services do not hesitate to resort in pursuit of their goals.

Let us return to the revolt and its effect on the Palestine question. The revolt’s profound effect on the British government soon became apparent, as some British and even Jewish newspapers and circles began to recognize the difficulty of implementing partition. Britain then proceeded to send a “technical commission” to Palestine

(1) Al-Khadr: a small mountain village in the Bethlehem district where a battle took place between the forces of the Army of the Holy Jihad and the English on October 4, 1936. The fighter and commander Said al-As, one of the leaders of the Great Syrian Revolt and the Great Palestine Revolt of 1936–1939, was martyred there.

Analysis

This page continues the unnamed-informant allegation about British-sponsored gangs and then describes the revolt leadership’s response under Abd al-Qadir al-Husayni. It is especially significant for the memoir’s presentation of counterinsurgency, sectarian violence, military retaliation, and the creation of a national military court. The printed al-Khadr footnote supplies a separate date and historical framing for the battle and Said al-As’s death. The claims about intelligence plans, combat, wounds, deaths, and colonial motives remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

العمل زاعمين أنه فر من السجن، ووكلوا إليه وإلى عصابته مهمة مهاجمة المسيحيين في القدس وبيت لحم وبيت جالا وغيرها، وقد شرعت هذه العصابات فعلاً في المهمة التي عهد بها الإنكليز إلى رجالها، وهي مهمة العدوان والفتك والسلب والنهب...

ورغم كل ما عهدته في السياسة البريطانية من قسوة ومكر سيء، فقد هزني هذا النبأ، وأيقنت بصحته من مقدمات هذه الخطة الشيطانية ودلائلها التي وصلت إلينا من فلسطين، وسرعان ما اتخذت قيادة الثورة الوسائل الضرورية لمكافحة هذه العصابات المجرمة وإخماد نار الفتنة التي كانت المخابرات الإنكليزية قد بدأت بإشعالها، وكان الشهيد عبد القادر الحسيني حينئذ لا يزال يعالج في لبنان من الجرح الذي أصيب به في موقعة (الخضر) (١) التي استشهد فيها زميله القائد سعيد العاص، لكنه برغم ذلك أخذ على عاتقه مهمة القضاء على هذه العصابات وخف إلى فلسطين على رأس قوة كبيرة من المجاهدين فعمد أول الأمر إلى مهاجمة عصابات الإجرام، في شمال القدس فبددها ومزق شملها، ثم توجه إلى الجنوب فقضى على عصابات الفتنة وأعاد الأسلاب والمنهوبات التي نهبتها العصابات من بيت لحم إلى أصحابها وشكل محكمة عسكرية وطنية لمحاكمة المجرمين الذين باعوا أنفسهم لشيطان الاستعمار.

لكن هذه الحركة البارعة الموفقة كلفته ثمناً غالياً إذ لم يلبث الإنكليز أن هاجموه بقوة كبيرة من المشاة والمدفعية والمصفحات والطيارات في قرية (بني نعيم) فصمد لهم ومن معه من المجاهدين صموداً رائعاً إلى أن أصيب بجراح خطيرة كادت تودي بحياته فنقله المجاهدون إلى دمشق حيث بقي مدة طويلة قيد المعالجة، وقد استشهد في تلك الموقعة ابن عمه المهندس علي الحسيني وآخرون من خيرة المجاهدين.

أوردت هذه الحادثة كدليل على دسائس المستعمرين الشريرة ووسائلهم الحقيرة التي يتوسلون بها لتحقيق مآربهم، ولتحذير الأمة العربية من الفتن والمؤامرات الخطيرة التي لا تتورع دوائر المخابرات الأجنبية عن الالتجاء إليها لبلوغ غايتها.

ولنرجع إلى الثورة وأثرها في قضية فلسطين: لم يلبث أن ظهر الأثر البالغ للثورة على الحكومة البريطانية، إذ أخذت بعض الصحف والدوائر البريطانية وحتى اليهودية ترى صعوبة تنفيذ التقسيم، ثم عمدت بريطانيا إلى إيفاد «لجنة فنية» إلى فلسطين

(١) الخضر: قرية جبلية صغيرة من قضاء بيت لحم جرت فيها معركة بين قوات جيش الجهاد المقدس والإنكليز بتاريخ ٤/١٠/١٩٣٦ واستشهد فيها المناضل القائد سعيد العاص من قادة الثورة السورية الكبرى وثورة فلسطين الكبرى ١٩٣٦ - ١٩٣٩.