اليهود من جهة أخرى، وقررت الحكومة البريطانية، بعد محاولات اتصلت خلالها وزارة المستعمرات بالحكومة المصرية لمشاورة الوفود العربية التي عادت من لندن دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وسنت سياسة جديدة لفلسطين اشتمل عليها «كتاب أبيض» صدر في ١٧ مايو ١٩٣٩، وخلاصة هذه السياسة تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين بشرط موافقة العرب واليهود على تشكيلها، وأن ترتبط هذه الحكومة بمعاهدة صداقة مع الحكومة البريطانية وأن يشكل مجلس تشريعي، إذا سمحت الظروف بذلك، وأن تحدد فترة انتقال يعطى خلالها أهل فلسطين نصيباً متزايداً في حكم بلادهم، وأن يسمح «لآخر مرة» بدخول ٧٥ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات، ثم لا يسمح بعد ذلك بهجرة أخرى إلا بموافقة عرب فلسطين، وأن تعالج مشكلة الأراضي بإصدار تشريعات من شأنها منع انتقال الأراضي لليهود أو إباحتها وفقاً لظروف مناطق فلسطين المختلفة.
وعلى أثر صدور الكتاب الأبيض أذاعت اللجنة العربية العليا بياناً انتقدت فيه السياسة والأسس التي اشتمل عليها، كما أن الحكومات العربية المشتركة في المؤتمر لم توافق على هذه السياسة وكذلك أذاعت الوكالة اليهودية بياناً برفضه لأن سياسته بزعمها منافية لحقوق الإنسان الطبيعية في فلسطين «الوطن الأزلي للشعب اليهودي».
وظلت الثورة مستمرة بعد صدور الكتاب الأبيض بضعة أشهر وأعلنت اللجنة المركزية للجهاد وقواد الثورة العزم على متابعة الجهاد إلى أن تعدل الحكومة البريطانية عن سياستها الملتوية وتسلم بحقوق العرب.
وخلال ذلك، وفي صيف عام ١٩٣٩ اشتدت الأزمة الدولية في أوروبا وتقاربت السياستان البريطانية والفرنسية لمقاومة ألمانيا النازية، وانتهزت بريطانيا الفرصة لحمل السلطات الفرنسية في سورية ولبنان على زيادة الضغط على الفلسطينيين المجاهدين منهم والعاملين في الشؤون السياسية وغيرها وأخذت تطاردهم وتشتد في مراقبتهم وتصادر أسلحتهم، ثم اعتقلت عدداً منهم في دمشق وفي طليعتهم عضو اللجنة الأستاذ محمد عزة دروزة وسجنتهم بعد محاكمة عسكرية، وكان للقنصليتين البريطانيتين في دمشق وبيروت دور بارز في هذه المأساة الأخيرة.
ولما نشبت الحرب العالمية الأخيرة في أواخر سبتمبر ١٩٣٩ ازداد الضغط البريطاني على فرنسا لمطاردة الفلسطينيين والقضاء على ثورة فلسطين التي أقضت مضجع بريطانيا وأزعجتها أيما إزعاج، وألحت بريطانيا على حليفتها فرنسا كي