مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 45

Normalized
transcript

اليهود من جهة أخرى، وقررت الحكومة البريطانية، بعد محاولات اتصلت خلالها وزارة المستعمرات بالحكومة المصرية لمشاورة الوفود العربية التي عادت من لندن دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وسنت سياسة جديدة لفلسطين اشتمل عليها «كتاب أبيض» صدر في ١٧ مايو ١٩٣٩، وخلاصة هذه السياسة تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين بشرط موافقة العرب واليهود على تشكيلها، وأن ترتبط هذه الحكومة بمعاهدة صداقة مع الحكومة البريطانية وأن يشكل مجلس تشريعي، إذا سمحت الظروف بذلك، وأن تحدد فترة انتقال يعطى خلالها أهل فلسطين نصيباً متزايداً في حكم بلادهم، وأن يسمح «لآخر مرة» بدخول ٧٥ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات، ثم لا يسمح بعد ذلك بهجرة أخرى إلا بموافقة عرب فلسطين، وأن تعالج مشكلة الأراضي بإصدار تشريعات من شأنها منع انتقال الأراضي لليهود أو إباحتها وفقاً لظروف مناطق فلسطين المختلفة.

وعلى أثر صدور الكتاب الأبيض أذاعت اللجنة العربية العليا بياناً انتقدت فيه السياسة والأسس التي اشتمل عليها، كما أن الحكومات العربية المشتركة في المؤتمر لم توافق على هذه السياسة وكذلك أذاعت الوكالة اليهودية بياناً برفضه لأن سياسته بزعمها منافية لحقوق الإنسان الطبيعية في فلسطين «الوطن الأزلي للشعب اليهودي».

وظلت الثورة مستمرة بعد صدور الكتاب الأبيض بضعة أشهر وأعلنت اللجنة المركزية للجهاد وقواد الثورة العزم على متابعة الجهاد إلى أن تعدل الحكومة البريطانية عن سياستها الملتوية وتسلم بحقوق العرب.

وخلال ذلك، وفي صيف عام ١٩٣٩ اشتدت الأزمة الدولية في أوروبا وتقاربت السياستان البريطانية والفرنسية لمقاومة ألمانيا النازية، وانتهزت بريطانيا الفرصة لحمل السلطات الفرنسية في سورية ولبنان على زيادة الضغط على الفلسطينيين المجاهدين منهم والعاملين في الشؤون السياسية وغيرها وأخذت تطاردهم وتشتد في مراقبتهم وتصادر أسلحتهم، ثم اعتقلت عدداً منهم في دمشق وفي طليعتهم عضو اللجنة الأستاذ محمد عزة دروزة وسجنتهم بعد محاكمة عسكرية، وكان للقنصليتين البريطانيتين في دمشق وبيروت دور بارز في هذه المأساة الأخيرة.

ولما نشبت الحرب العالمية الأخيرة في أواخر سبتمبر ١٩٣٩ ازداد الضغط البريطاني على فرنسا لمطاردة الفلسطينيين والقضاء على ثورة فلسطين التي أقضت مضجع بريطانيا وأزعجتها أيما إزعاج، وألحت بريطانيا على حليفتها فرنسا كي

English
translation

the Jews on the other. After attempts during which the Colonial Office contacted the Egyptian government to consult the Arab delegations that had returned from London without reaching a conclusive result, the British government decided upon and enacted a new policy for Palestine, set out in a “White Paper” issued on May 17, 1939. In summary, this policy provided for the formation of an independent Palestinian government within ten years, conditional on Arab and Jewish agreement to its formation; for this government to be linked to the British government by a treaty of friendship; and for a legislative council to be formed if circumstances permitted. A transitional period would be defined during which the people of Palestine would be given an increasing share in governing their country. “For the last time,” seventy-five thousand Jewish immigrants would be permitted to enter Palestine over five years, after which no further immigration would be allowed without the consent of the Arabs of Palestine. The land question would be addressed through legislation prohibiting or permitting the transfer of land to Jews according to the circumstances of Palestine’s different regions.

Following the publication of the White Paper, the Arab Higher Committee issued a statement criticizing the policy and principles it contained. The Arab governments participating in the conference likewise did not approve this policy. The Jewish Agency also issued a statement rejecting it because its policy, according to the Agency’s claim, conflicted with natural human rights in Palestine, “the eternal homeland of the Jewish people.”

The revolt continued for several months after the White Paper’s publication. The Central Committee for Jihad and the leaders of the revolt declared their determination to continue jihad until the British government abandoned its devious policy and acknowledged Arab rights.

Meanwhile, in the summer of 1939, the international crisis in Europe intensified, and British and French policies converged in opposition to Nazi Germany. Britain seized the opportunity to induce the French authorities in Syria and Lebanon to increase pressure on the Palestinians, both the mujahidin and those working in political and other affairs. The authorities began pursuing them, intensifying surveillance of them and confiscating their weapons. They then arrested a number of them in Damascus, foremost among them the committee member Professor Muhammad Izzat Darwaza, and imprisoned them after a military trial. The British consulates in Damascus and Beirut played a prominent role in this latest tragedy.

When the last world war broke out in late September 1939, British pressure on France increased to pursue the Palestinians and put an end to the Palestine revolt, which had robbed Britain of its sleep and disturbed it profoundly. Britain pressed its ally France to

Analysis

This page presents the memoir’s summary of the 1939 White Paper, its limits on immigration and land transfer, and the competing Arab and Jewish responses. It is especially significant for the contrast between the Arab Higher Committee’s rejection and the Jewish Agency’s claim that the policy violated natural rights in an “eternal homeland.” The page then links the continuing revolt to British and French cooperation, arrests in Damascus, and pressure to suppress Palestinian political and military activity. The policy summary, quoted terminology, names, and chronology remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

اليهود من جهة أخرى، وقررت الحكومة البريطانية، بعد محاولات اتصلت خلالها وزارة المستعمرات بالحكومة المصرية لمشاورة الوفود العربية التي عادت من لندن دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وسنت سياسة جديدة لفلسطين اشتمل عليها «كتاب أبيض» صدر في ١٧ مايو ١٩٣٩، وخلاصة هذه السياسة تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين بشرط موافقة العرب واليهود على تشكيلها، وأن ترتبط هذه الحكومة بمعاهدة صداقة مع الحكومة البريطانية وأن يشكل مجلس تشريعي، إذا سمحت الظروف بذلك، وأن تحدد فترة انتقال يعطى خلالها أهل فلسطين نصيباً متزايداً في حكم بلادهم، وأن يسمح «لآخر مرة» بدخول ٧٥ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات، ثم لا يسمح بعد ذلك بهجرة أخرى إلا بموافقة عرب فلسطين، وأن تعالج مشكلة الأراضي بإصدار تشريعات من شأنها منع انتقال الأراضي لليهود أو إباحتها وفقاً لظروف مناطق فلسطين المختلفة.

وعلى أثر صدور الكتاب الأبيض أذاعت اللجنة العربية العليا بياناً انتقدت فيه السياسة والأسس التي اشتمل عليها، كما أن الحكومات العربية المشتركة في المؤتمر لم توافق على هذه السياسة وكذلك أذاعت الوكالة اليهودية بياناً برفضه لأن سياسته بزعمها منافية لحقوق الإنسان الطبيعية في فلسطين «الوطن الأزلي للشعب اليهودي».

وظلت الثورة مستمرة بعد صدور الكتاب الأبيض بضعة أشهر وأعلنت اللجنة المركزية للجهاد وقواد الثورة العزم على متابعة الجهاد إلى أن تعدل الحكومة البريطانية عن سياستها الملتوية وتسلم بحقوق العرب.

وخلال ذلك، وفي صيف عام ١٩٣٩ اشتدت الأزمة الدولية في أوروبا وتقاربت السياستان البريطانية والفرنسية لمقاومة ألمانيا النازية، وانتهزت بريطانيا الفرصة لحمل السلطات الفرنسية في سورية ولبنان على زيادة الضغط على الفلسطينيين المجاهدين منهم والعاملين في الشؤون السياسية وغيرها وأخذت تطاردهم وتشتد في مراقبتهم وتصادر أسلحتهم، ثم اعتقلت عدداً منهم في دمشق وفي طليعتهم عضو اللجنة الأستاذ محمد عزة دروزة وسجنتهم بعد محاكمة عسكرية، وكان للقنصليتين البريطانيتين في دمشق وبيروت دور بارز في هذه المأساة الأخيرة.

ولما نشبت الحرب العالمية الأخيرة في أواخر سبتمبر ١٩٣٩ ازداد الضغط البريطاني على فرنسا لمطاردة الفلسطينيين والقضاء على ثورة فلسطين التي أقضت مضجع بريطانيا وأزعجتها أيما إزعاج، وألحت بريطانيا على حليفتها فرنسا كي