مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 46

Normalized
transcript

تسلمني إليها لاعتقالي في إحدى الجزر النائية، وأعدت السلطة الفرنسية معتقلاً في قلعة (تدمر) في بادية الشام لقادة المجاهدين واعتقلت عدداً منهم فيه، كما أعدت معتقلاً آخر في مدينة «بكفيا» بلبنان للسياسيين من الفلسطينيين، وشددت الحراسة العسكرية علي في دار إقامتي «بالذوق» وأخذت تنتهز الفرصة الملائمة لتلبية طلب الإنكليز تسليمي إليهم.

اشتدت المراقبة علينا بنشوب الحرب العالمية الثانية، وكانت مراقبة مشتركة ظاهرها فرنسي وباطنها إنكليزي، وقد نشطت المخابرات البريطانية في لبنان نشاطاً عظيماً في مراقبتنا وتقصي أخبارنا مستخدمة كثيراً من موظفي حكومة الانتداب الفرنسي في لبنان، ومن بينهم عدد من كبار موظفي الأمن العام، وأحاطتنا بالجواسيس والعيون من كل جانب وسخرت كثيراً من حولنا لمراقبتنا كأصحاب الدكاكين المجاورة والباعة المتجولين، حتى رعاة الغنم.

وقد علمتنا التجارب المريرة الماضية كثيراً من دهاء الإنكليز ومكر اليهود السيء، وخطر دوائر الاستخبارات (المخابرات البريطانية) التي هي في حقيقتها دولة سرية عظيمة تعمل في الخفاء، وفق نظام وخطط مرسومة، وتنفق أموالاً كثيرة، وتستخدم ألوفاً من الموظفين تختارهم من صفوة رجالها، وأذكى عملائها الذين يتفانون في خدمة الإمبراطورية البريطانية وتستخدم بالإضافة إليهم عدداً كبيراً من أصحاب المطامع الشخصية، وطلاب المناصب، والراغبين في الإثراء الذين يحبون المال حباً جماً، ومن المغامرين والموتورين والطامعين والطامحين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، ومن بينهم أمراء ووزراء وسفراء وزعماء.

ولقد عرفت بعض هؤلاء كالبرنس أوتو المطالب بعرش النمسا الذي زار مصر عام ١٩٢٧، ونزل ضيفاً على الأميرة السابقة شويكار، ثم حاول الاتصال بي لإقناعي بالتفاهم مع اليهود ولما عرفت قصده اعتذرت للوسطاء من عدم مقابلته، وعرفت وزيراً مفوضاً لدى إحدى الدول الأوروبية يعمل لصالح المخابرات البريطانية في إحدى عواصم أوروبا، فلما اكتشفت تلك الدولة أمره، أعلنت حكومته بأنه غير مرغوب فيه وطلبت سحبه من بلادها، وتستخدم المخابرات البريطانية عدداً من صغار الناس وذوي المهن الوضيعة، فقد عرفت من بينهم مشعوذاً دجالاً يفتح البخت، وآخر ماسح أحذية كان يقف بباب الحرم القدسي، وثالثاً كان يتسول بباب المسجد الأقصى فيتسقط الأخبار ويسأل الصدقات، ورابعاً كفيف البصر كان يرابط داخل المسجد الأقصى متجسساً على المدرسين والوعاظ ينقل أحاديثهم إلى رؤسائه، ونساء كن يدخلن

English
translation

hand me over to it for detention on a remote island. The French authority prepared a detention center in the citadel of (Palmyra), in the Syrian desert, for the leaders of the mujahidin and detained a number of them there. It also prepared another detention center in the town of “Bikfaya” in Lebanon for Palestinian political figures, tightened the military guard over me at my residence in “al-Zuq,” and began looking for a suitable opportunity to comply with the English demand that I be handed over to them.

Surveillance of us intensified with the outbreak of the Second World War. It was joint surveillance, French on the surface and English underneath. British intelligence became extremely active in Lebanon in watching us and tracking our news, employing many officials of the French Mandate government in Lebanon, including a number of senior General Security officials. It surrounded us with spies and informers on every side and enlisted many of those around us to watch us, such as neighboring shopkeepers and itinerant vendors, even shepherds.

Past bitter experiences had taught us much about English cunning, the Jews’ evil scheming, and the danger of the intelligence services (British intelligence), which are in reality a vast secret state operating in concealment according to an established system and plans. They spend large sums of money and employ thousands of officials selected from their finest men and their cleverest agents, who devote themselves utterly to serving the British Empire. In addition, they employ large numbers of people with personal ambitions, seekers of office, people eager to become rich who love money intensely, adventurers, people nursing grievances, the greedy and the ambitious, great and small, men and women, among them princes, ministers, ambassadors and leaders.

I came to know some of these people, such as Prince Otto, the claimant to the Austrian throne, who visited Egypt in 1927 and stayed as a guest of the former Princess Shweikar. He then tried to contact me to persuade me to reach an understanding with the Jews. When I learned his purpose, I conveyed my apologies to the intermediaries for declining to meet him. I also knew a minister plenipotentiary accredited to a European state who worked for British intelligence in a European capital. When that state discovered his activities, the government declared him unwelcome and requested his withdrawal from its territory. British intelligence also employs people of low status and humble occupations. Among them I knew a charlatan and impostor who told fortunes; another was a shoeshiner who stood at the entrance to the Jerusalem sanctuary; a third begged at the entrance to al-Aqsa Mosque, gleaning news and asking for alms; a fourth was a blind man who remained inside al-Aqsa Mosque, spying on the teachers and preachers and passing their conversations to his superiors; and women who would enter

Analysis

This page records detention arrangements, intensified joint French and British surveillance, and the memoirist’s broad account of British intelligence as a hidden state using officials, informers, and people in ordinary occupations. It is especially significant for the way the narrative expands from personal pursuit to a general theory of imperial intelligence and infiltration around al-Aqsa and Palestinian institutions. The Prince Otto episode and the named examples of alleged informers continue into page 47. These allegations, hostile characterizations, identities, and institutional claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

تسلمني إليها لاعتقالي في إحدى الجزر النائية، وأعدت السلطة الفرنسية معتقلاً في قلعة (تدمر) في بادية الشام لقادة المجاهدين واعتقلت عدداً منهم فيه، كما أعدت معتقلاً آخر في مدينة «بكفيا» بلبنان للسياسيين من الفلسطينيين، وشددت الحراسة العسكرية علي في دار إقامتي «بالذوق» وأخذت تنتهز الفرصة الملائمة لتلبية طلب الإنكليز تسليمي إليهم.

اشتدت المراقبة علينا بنشوب الحرب العالمية الثانية، وكانت مراقبة مشتركة ظاهرها فرنسي وباطنها إنكليزي، وقد نشطت المخابرات البريطانية في لبنان نشاطاً عظيماً في مراقبتنا وتقصي أخبارنا مستخدمة كثيراً من موظفي حكومة الانتداب الفرنسي في لبنان، ومن بينهم عدد من كبار موظفي الأمن العام، وأحاطتنا بالجواسيس والعيون من كل جانب وسخرت كثيراً من حولنا لمراقبتنا كأصحاب الدكاكين المجاورة والباعة المتجولين، حتى رعاة الغنم.

وقد علمتنا التجارب المريرة الماضية كثيراً من دهاء الإنكليز ومكر اليهود السيء، وخطر دوائر الاستخبارات (المخابرات البريطانية) التي هي في حقيقتها دولة سرية عظيمة تعمل في الخفاء، وفق نظام وخطط مرسومة، وتنفق أموالاً كثيرة، وتستخدم ألوفاً من الموظفين تختارهم من صفوة رجالها، وأذكى عملائها الذين يتفانون في خدمة الإمبراطورية البريطانية وتستخدم بالإضافة إليهم عدداً كبيراً من أصحاب المطامع الشخصية، وطلاب المناصب، والراغبين في الإثراء الذين يحبون المال حباً جماً، ومن المغامرين والموتورين والطامعين والطامحين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، ومن بينهم أمراء ووزراء وسفراء وزعماء.

ولقد عرفت بعض هؤلاء كالبرنس أوتو المطالب بعرش النمسا الذي زار مصر عام ١٩٢٧، ونزل ضيفاً على الأميرة السابقة شويكار، ثم حاول الاتصال بي لإقناعي بالتفاهم مع اليهود ولما عرفت قصده اعتذرت للوسطاء من عدم مقابلته، وعرفت وزيراً مفوضاً لدى إحدى الدول الأوروبية يعمل لصالح المخابرات البريطانية في إحدى عواصم أوروبا، فلما اكتشفت تلك الدولة أمره، أعلنت حكومته بأنه غير مرغوب فيه وطلبت سحبه من بلادها، وتستخدم المخابرات البريطانية عدداً من صغار الناس وذوي المهن الوضيعة، فقد عرفت من بينهم مشعوذاً دجالاً يفتح البخت، وآخر ماسح أحذية كان يقف بباب الحرم القدسي، وثالثاً كان يتسول بباب المسجد الأقصى فيتسقط الأخبار ويسأل الصدقات، ورابعاً كفيف البصر كان يرابط داخل المسجد الأقصى متجسساً على المدرسين والوعاظ ينقل أحاديثهم إلى رؤسائه، ونساء كن يدخلن