تسلمني إليها لاعتقالي في إحدى الجزر النائية، وأعدت السلطة الفرنسية معتقلاً في قلعة (تدمر) في بادية الشام لقادة المجاهدين واعتقلت عدداً منهم فيه، كما أعدت معتقلاً آخر في مدينة «بكفيا» بلبنان للسياسيين من الفلسطينيين، وشددت الحراسة العسكرية علي في دار إقامتي «بالذوق» وأخذت تنتهز الفرصة الملائمة لتلبية طلب الإنكليز تسليمي إليهم.
اشتدت المراقبة علينا بنشوب الحرب العالمية الثانية، وكانت مراقبة مشتركة ظاهرها فرنسي وباطنها إنكليزي، وقد نشطت المخابرات البريطانية في لبنان نشاطاً عظيماً في مراقبتنا وتقصي أخبارنا مستخدمة كثيراً من موظفي حكومة الانتداب الفرنسي في لبنان، ومن بينهم عدد من كبار موظفي الأمن العام، وأحاطتنا بالجواسيس والعيون من كل جانب وسخرت كثيراً من حولنا لمراقبتنا كأصحاب الدكاكين المجاورة والباعة المتجولين، حتى رعاة الغنم.
وقد علمتنا التجارب المريرة الماضية كثيراً من دهاء الإنكليز ومكر اليهود السيء، وخطر دوائر الاستخبارات (المخابرات البريطانية) التي هي في حقيقتها دولة سرية عظيمة تعمل في الخفاء، وفق نظام وخطط مرسومة، وتنفق أموالاً كثيرة، وتستخدم ألوفاً من الموظفين تختارهم من صفوة رجالها، وأذكى عملائها الذين يتفانون في خدمة الإمبراطورية البريطانية وتستخدم بالإضافة إليهم عدداً كبيراً من أصحاب المطامع الشخصية، وطلاب المناصب، والراغبين في الإثراء الذين يحبون المال حباً جماً، ومن المغامرين والموتورين والطامعين والطامحين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، ومن بينهم أمراء ووزراء وسفراء وزعماء.
ولقد عرفت بعض هؤلاء كالبرنس أوتو المطالب بعرش النمسا الذي زار مصر عام ١٩٢٧، ونزل ضيفاً على الأميرة السابقة شويكار، ثم حاول الاتصال بي لإقناعي بالتفاهم مع اليهود ولما عرفت قصده اعتذرت للوسطاء من عدم مقابلته، وعرفت وزيراً مفوضاً لدى إحدى الدول الأوروبية يعمل لصالح المخابرات البريطانية في إحدى عواصم أوروبا، فلما اكتشفت تلك الدولة أمره، أعلنت حكومته بأنه غير مرغوب فيه وطلبت سحبه من بلادها، وتستخدم المخابرات البريطانية عدداً من صغار الناس وذوي المهن الوضيعة، فقد عرفت من بينهم مشعوذاً دجالاً يفتح البخت، وآخر ماسح أحذية كان يقف بباب الحرم القدسي، وثالثاً كان يتسول بباب المسجد الأقصى فيتسقط الأخبار ويسأل الصدقات، ورابعاً كفيف البصر كان يرابط داخل المسجد الأقصى متجسساً على المدرسين والوعاظ ينقل أحاديثهم إلى رؤسائه، ونساء كن يدخلن