البيوت شاكيات كثرة العيال وقلة المال، وغير ذلك مما لا يتسع له المجال.
ويتستر رجال المخابرات بالتجارة أو الصحافة، أو السياحة، ويتظاهر بعضهم بالقيام بالمشروعات العمرانية، والثقافية، والعلمية الخالصة، ويتظاهر بعضهم باعتناق الإسلام ليخدع الناس، وقد عرفت كثيراً من هؤلاء كجمال الدين دن الإنكليزي، الذي تظاهر باعتناق الإسلام وأقام بحي الأزهر سنين طويلة وقد زارني عام ١٩٥٢ في بيتي وأعلمني أن ممن اهتدوا على يده، واعتنقوا الإسلام بواسطته، شمس الدين مارساك ونور الدين مارساك وغيرهما، ومن المؤسف أن مثل هذه الخداعات كثيراً ما انطلت على العرب والمسلمين.
ولقد كانت المخابرات البريطانية تتعاون مع المخابرات اليهودية، على العرب، وقد اكتشفنا في صيف عام ١٩٣٨ وكنا في المصيف في الجبل، مؤامرة لنسف بيتنا في الذوق، فاضطررنا لمضاعفة الحراسة، وقبل ذلك في القدس أحبطت مؤامرة يهودية لاغتيالي داخل المسجد الأقصى من قبل بعض رجال الجركس المقيمين في إحدى قرى فلسطين فلما اكتشفنا المؤامرة وأحبطناها، وعلم أهل القرية الجركسية بالأمر، قبضوا على المتآمرين وقضوا عليهم، واكتشفنا مؤامرات كثيرة للاغتيال أو النسف سيأتي ذكرها في أماكنها من المذكرات.
فعلى الأمة العربية أن تعرف أن المخابرات من أخطر الدوائر التي يعتمد عليها الاستعمار بصورة عامة، والاستعمار البريطاني بصورة خاصة، فهي الموجهة لحركة الاستعمار، وهي العين التي يسير بنورها، وهي اليد التي تدير عناصر الطابور الخامس من جواسيس ودعاة ومرجفين ومخربين.
وفي الفترة الأخيرة من أيام إقامتنا بلبنان شددوا المراقبة علينا، وبثوا العيون والأرصاد حولنا وكانوا يخشون أن نفلت من أيديهم، وكثيراً ما كانت قوات الأمن العام تفاجئنا ليلاً بين حين وآخر على أثر وشاية من الإنكليز، كما حدث في مصيفنا في «قرنايل» في أيلول عام ١٩٣٩، إذ داهمتنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل قوات مسلحة من رجال الأمن العام، فأحاطوا بالبيت، لكن حرسنا الخاص المؤلف من عدد من مجاهدي فلسطين الأشداء والمعزز بحرس آخر من رجال «قرنايل» الأشاوس الذين أقاموا حولنا حراسة مسلحة قوية خلال شهور الصيف عملاً بالتقاليد العربية الشريفة التي تقضي بحماية ضيف الحمى والذود عنه، تضافروا على منعهم من دخول البيت رغم تأكيد قائدهم أنه يريد مقابلتي، وكادت تقع ملحمة بين الفريقين، وقد أيقظتني