أصواتهم العالية، فسمحت لقائدهم بالدخول، فلما رآني وسألته عما يريد أجاب بأن مهمته أن يتحقق من وجودي لأن نبأ وصل إلى الحكومة بأني غادرت لبنان، فأرسله رؤساؤه ليستطلع الأمر، ثم انسحب معتذراً.
وقع هذا الحادث بعد أيام من نشوب الحرب، واشتداد الرقابة علينا، وقد أخذ الإنكليز يلحون على حلفائهم الفرنسيين بتسليمي إليهم لنفيي إلى جزيرة «موريشس» في المحيط الهندي، الأمر الذي ضاعف عزيمتي على الخروج من لبنان، ولكن المهمة كانت عسيرة وكان لا بد من اتخاذ الوسائل الكفيلة بالنجاة دون أن يتنبه لها الأعداء المسيطرون.
وقد اضطرنا ضغط المخابرات البريطانية وملاحقتها الشديدة لنا، أن نقوم بدفاع ومقاومة من نفس العمل، فأنشأنا دائرة خاصة لمقاومة التجسس وخصصنا لها المال الضروري، وأفدنا من ذلك فوائد كبيرة ووصلنا إلى نتائج عظيمة، واستطعنا أن نحصل على معلومات دقيقة لما كان يدور بين السلطات البريطانية في لندن وسلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وبين السلطات الفرنسية في لبنان بشأن التدابير التي تقرر اتخاذها لاعتقال رجال اللجنة العربية العليا وغيرهم من زعماء فلسطين المؤيدين للثورة في قرية «بكفيا» (لبنان)، وقادة المجاهدين وضباطهم في «تدمر» (سورية) إلى نهاية الحرب.
في لبنان:
وقد رسمنا خطة العمل لإنقاذ أعضاء اللجنة وغيرهم من العاملين السياسيين، ومن قادة المجاهدين الذين تقرر اعتقالهم، وكنا قد اطلعنا على أسمائهم جميعاً، وعملنا على تهريبهم من لبنان إلى الأقطار المجاورة كالمملكة العربية السعودية والعراق، وتركيا، ونجحنا في خطتنا دون أن يثير انتباه الأعداء.
وقد حدث حادثان طريفان خلال فترة الاستعداد للخروج من لبنان أولهما أنني كنت حددت يوم ٥ أكتوبر ١٩٣٩ لمغادرة لبنان بعد أن أعددت العدة لذلك لكن دولة السيد سامي الصلح، وكان حينئذ رئيساً لمحكمة الاستئناف العليا، فاجأني بدعوة للعشاء في مصيفه بصوفر يوم ٣ تشرين الأول، وعند وصولي وجدت أنه قد دعا أيضاً مدير مخابرات الجيش الفرنسي مسيو (برتران). وفيما نحن نتحدث على المائدة، وجه السيد سامي الحديث إلى المسيو برتران وأخذ يندد بسلوك السلطات الفرنسية نحوي وتشددها معي لما حز في نفوس اللبنانيين ومس كرامتهم، ثم وجه حديثه إلي قائلاً: إنا