مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 48

Normalized
transcript

أصواتهم العالية، فسمحت لقائدهم بالدخول، فلما رآني وسألته عما يريد أجاب بأن مهمته أن يتحقق من وجودي لأن نبأ وصل إلى الحكومة بأني غادرت لبنان، فأرسله رؤساؤه ليستطلع الأمر، ثم انسحب معتذراً.

وقع هذا الحادث بعد أيام من نشوب الحرب، واشتداد الرقابة علينا، وقد أخذ الإنكليز يلحون على حلفائهم الفرنسيين بتسليمي إليهم لنفيي إلى جزيرة «موريشس» في المحيط الهندي، الأمر الذي ضاعف عزيمتي على الخروج من لبنان، ولكن المهمة كانت عسيرة وكان لا بد من اتخاذ الوسائل الكفيلة بالنجاة دون أن يتنبه لها الأعداء المسيطرون.

وقد اضطرنا ضغط المخابرات البريطانية وملاحقتها الشديدة لنا، أن نقوم بدفاع ومقاومة من نفس العمل، فأنشأنا دائرة خاصة لمقاومة التجسس وخصصنا لها المال الضروري، وأفدنا من ذلك فوائد كبيرة ووصلنا إلى نتائج عظيمة، واستطعنا أن نحصل على معلومات دقيقة لما كان يدور بين السلطات البريطانية في لندن وسلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وبين السلطات الفرنسية في لبنان بشأن التدابير التي تقرر اتخاذها لاعتقال رجال اللجنة العربية العليا وغيرهم من زعماء فلسطين المؤيدين للثورة في قرية «بكفيا» (لبنان)، وقادة المجاهدين وضباطهم في «تدمر» (سورية) إلى نهاية الحرب.

في لبنان:

وقد رسمنا خطة العمل لإنقاذ أعضاء اللجنة وغيرهم من العاملين السياسيين، ومن قادة المجاهدين الذين تقرر اعتقالهم، وكنا قد اطلعنا على أسمائهم جميعاً، وعملنا على تهريبهم من لبنان إلى الأقطار المجاورة كالمملكة العربية السعودية والعراق، وتركيا، ونجحنا في خطتنا دون أن يثير انتباه الأعداء.

وقد حدث حادثان طريفان خلال فترة الاستعداد للخروج من لبنان أولهما أنني كنت حددت يوم ٥ أكتوبر ١٩٣٩ لمغادرة لبنان بعد أن أعددت العدة لذلك لكن دولة السيد سامي الصلح، وكان حينئذ رئيساً لمحكمة الاستئناف العليا، فاجأني بدعوة للعشاء في مصيفه بصوفر يوم ٣ تشرين الأول، وعند وصولي وجدت أنه قد دعا أيضاً مدير مخابرات الجيش الفرنسي مسيو (برتران). وفيما نحن نتحدث على المائدة، وجه السيد سامي الحديث إلى المسيو برتران وأخذ يندد بسلوك السلطات الفرنسية نحوي وتشددها معي لما حز في نفوس اللبنانيين ومس كرامتهم، ثم وجه حديثه إلي قائلاً: إنا

English
translation

their loud voices and allowed their commander to enter. When he saw me and I asked what he wanted, he replied that his task was to verify my presence, because news had reached the government that I had left Lebanon, and his superiors had sent him to investigate. He then withdrew, apologizing.

This incident took place a few days after the outbreak of war and the tightening of surveillance over us. The English had begun pressing their French allies to hand me over to them for exile to the island of “Mauritius” in the Indian Ocean. This redoubled my determination to leave Lebanon, but the task was difficult, and we had to take measures that would ensure escape without alerting the enemies in control.

The pressure of British intelligence and its relentless pursuit of us forced us to defend ourselves and resist through work of the same kind. We established a special counterespionage department and allocated the necessary funds to it. We benefited greatly and achieved important results. We were able to obtain precise information about the communications among the British authorities in London, the British Mandate authorities in Palestine and the French authorities in Lebanon concerning the measures decided upon to detain members of the Arab Higher Committee and other Palestinian leaders supporting the revolt in the village of “Bikfaya” (Lebanon), and the leaders and officers of the mujahidin in “Palmyra” (Syria), until the end of the war.

In Lebanon:

We drew up a plan of action to rescue the committee members, other political workers and the leaders of the mujahidin whose detention had been decided upon. We had learned all their names and worked to smuggle them out of Lebanon to neighboring countries such as the Kingdom of Saudi Arabia, Iraq and Turkey. Our plan succeeded without attracting the enemies’ attention.

Two curious incidents occurred during the preparations to leave Lebanon. The first was that I had fixed October 5, 1939, as the date of my departure, having made the necessary preparations, but His Excellency Sayyid Sami al-Sulh, then President of the Higher Court of Appeal, surprised me with an invitation to dinner at his summer residence in Sawfar on October 3. On arriving, I found that he had also invited the director of French army intelligence, Monsieur (Bertrand). As we talked at the table, Sayyid Sami addressed Monsieur Bertrand and began condemning the French authorities’ conduct toward me and their harsh treatment of me, which had wounded the Lebanese and offended their dignity. He then turned to me and said: “I

Analysis

This page records the memoirist’s response to surveillance: a counterespionage department, intelligence gathering, and plans to rescue detainees and move them through neighboring countries. It is especially significant for the claim that information was obtained across British, French, and Mandate authorities and used to organize escapes from Bikfaya and Palmyra detention arrangements. The page also opens Sami al-Sulh’s quoted speech, which continues onto page 49. The operations, names, dates, and intelligence claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

أصواتهم العالية، فسمحت لقائدهم بالدخول، فلما رآني وسألته عما يريد أجاب بأن مهمته أن يتحقق من وجودي لأن نبأ وصل إلى الحكومة بأني غادرت لبنان، فأرسله رؤساؤه ليستطلع الأمر، ثم انسحب معتذراً.

وقع هذا الحادث بعد أيام من نشوب الحرب، واشتداد الرقابة علينا، وقد أخذ الإنكليز يلحون على حلفائهم الفرنسيين بتسليمي إليهم لنفيي إلى جزيرة «موريشس» في المحيط الهندي، الأمر الذي ضاعف عزيمتي على الخروج من لبنان، ولكن المهمة كانت عسيرة وكان لا بد من اتخاذ الوسائل الكفيلة بالنجاة دون أن يتنبه لها الأعداء المسيطرون.

وقد اضطرنا ضغط المخابرات البريطانية وملاحقتها الشديدة لنا، أن نقوم بدفاع ومقاومة من نفس العمل، فأنشأنا دائرة خاصة لمقاومة التجسس وخصصنا لها المال الضروري، وأفدنا من ذلك فوائد كبيرة ووصلنا إلى نتائج عظيمة، واستطعنا أن نحصل على معلومات دقيقة لما كان يدور بين السلطات البريطانية في لندن وسلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وبين السلطات الفرنسية في لبنان بشأن التدابير التي تقرر اتخاذها لاعتقال رجال اللجنة العربية العليا وغيرهم من زعماء فلسطين المؤيدين للثورة في قرية «بكفيا» (لبنان)، وقادة المجاهدين وضباطهم في «تدمر» (سورية) إلى نهاية الحرب.

في لبنان:

وقد رسمنا خطة العمل لإنقاذ أعضاء اللجنة وغيرهم من العاملين السياسيين، ومن قادة المجاهدين الذين تقرر اعتقالهم، وكنا قد اطلعنا على أسمائهم جميعاً، وعملنا على تهريبهم من لبنان إلى الأقطار المجاورة كالمملكة العربية السعودية والعراق، وتركيا، ونجحنا في خطتنا دون أن يثير انتباه الأعداء.

وقد حدث حادثان طريفان خلال فترة الاستعداد للخروج من لبنان أولهما أنني كنت حددت يوم ٥ أكتوبر ١٩٣٩ لمغادرة لبنان بعد أن أعددت العدة لذلك لكن دولة السيد سامي الصلح، وكان حينئذ رئيساً لمحكمة الاستئناف العليا، فاجأني بدعوة للعشاء في مصيفه بصوفر يوم ٣ تشرين الأول، وعند وصولي وجدت أنه قد دعا أيضاً مدير مخابرات الجيش الفرنسي مسيو (برتران). وفيما نحن نتحدث على المائدة، وجه السيد سامي الحديث إلى المسيو برتران وأخذ يندد بسلوك السلطات الفرنسية نحوي وتشددها معي لما حز في نفوس اللبنانيين ومس كرامتهم، ثم وجه حديثه إلي قائلاً: إنا