مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 49

Normalized
transcript

لأسف لأننا لم نستطع أن نقوم في لبنان بما يجب علينا نحوك من العناية، وأرى من الضروري أن تسافر فوراً إلى مصر أو العراق حيث يستطيعون هناك القيام بذلك!! قال هذا بنية حسنة وبباعث الغيرة والمودة، دون أن يكون له أي علم بأني عازم على السفر بعد يومين... وقد سبب لي هذا الحديث حرجاً شديداً لأنه قد يحبط خطتي من أساسها، وينبه إليها رجال المخابرات الفرنسية، ولكني أجبته بما هون عليه الأمر، وانبرى المسيو برتران من ناحيته للدفاع عن حكومته محاولاً التماس العذر لها بسبب ظروف الحرب المشتعلة.

وفي تلك الليلة اضطررت لتبديل خطة السفر وتأجيله أسبوعاً آخر أي إلى مساء ١٣ تشرين الأول.

أما الحادث الآخر: فقد كان المرحوم السيد فؤاد حمزة وكيل خارجية المملكة العربية السعودية دعاني يوم ٦ تشرين الأول للغداء في منزله برأس بيروت مع عدد من المدعوين بينهم السيد حسين العويني، والمسيو باليرو وزير فرنسا المفوض في المملكة السعودية (وكان قبلاً ممثلاً لفرنسا في القدس) وكانت لي به معرفة سابقة فذكر لي أنه سيزورني في «الذوق»، ورأيت مبالغة مني في إخفاء أمر سفري أن أدعوهم إلى الغداء عندي في اليوم التاسع من الشهر فوافقوا على تلبية دعوتي، ثم طرأت مهمة للمسيو باليرو في دمشق فبلغني بواسطة السيد فؤاد حمزة رجاءه تأجيل الدعوة إلى ١٥ أكتوبر، ولم يكن في استطاعتي أن أقول أنني مسافر يوم ١٣، فلما بلغه خبر سفري بعد ذلك دهش وقال: هذا مستحيل، فإنني مدعو عنده بعد غد..

في الساعة السابعة من مساء ١٣ تشرين الأول ١٩٣٩، وبعد عامين كاملين من إقامتي بلبنان، غادرت بيروت إلى بغداد. ومن غريب الصدف أن خروجي من بيروت كان في نفس الساعة واليوم اللذين خرجت فيهما من القدس، وهو الثالث عشر من تشرين الأول، قبل عامين كاملين، ولم أتعمد اختيار اليوم والساعة لمغادرة بيروت ولكنها الصدف والظروف، وكنت متفائلاً بهذه الصدفة ومتوسلاً إلى الله تعالى أن يسهل لي سبيل النجاة في هذه المرة كما سهلها في المرة الأولى.

كان لبنان في ذلك الوقت مركزاً لـ«جيش الشرق» الفرنسي الذي عين لقيادته الجنرال «فيجان»، وكانت بيروت مركز هذه القيادة، ولا يمضي يوم دون أن تمر أمام منزلنا ألوف الجنود وحشود المدافع والمصفحات والدبابات وما إلى ذلك من آلة الحرب، وكانت الطرق بين لبنان وسورية تعج بالجنود، والمخافر مملوءة برجال الشرطة

English
translation

regret that we have been unable in Lebanon to give you the care we owe you, and I consider it necessary for you to travel immediately to Egypt or Iraq, where they can do so!!” He said this with good intentions, prompted by concern and affection, without any knowledge that I intended to leave two days later... His remarks caused me great embarrassment, since they could undermine my plan completely and alert French intelligence to it. But I answered him in a way that eased his concern, while Monsieur Bertrand, for his part, rose to defend his government, trying to excuse it on account of the circumstances of the raging war.

That night I was forced to change the travel plan and postpone departure for another week, until the evening of October 13.

As for the other incident: the late Sayyid Fuad Hamza, Undersecretary for Foreign Affairs of the Kingdom of Saudi Arabia, had invited me to lunch on October 6 at his home in Ras Beirut with a number of guests. Among them were Sayyid Husayn al-Uwayni and Monsieur Palero, France’s Minister Plenipotentiary to the Saudi kingdom (formerly France’s representative in Jerusalem). I had known him before, and he told me he would visit me in “al-Zuq.” To go still further in concealing my departure, I decided to invite them to lunch at my home on the ninth of the month, and they accepted. Then a mission in Damascus arose for Monsieur Palero, and through Sayyid Fuad Hamza he conveyed his request to postpone the invitation until October 15. I could not say that I was leaving on the thirteenth. When news of my departure later reached him, he was astonished and said: “That is impossible, for I am invited to his home the day after tomorrow...”

At seven o’clock on the evening of October 13, 1939, after two full years of residence in Lebanon, I left Beirut for Baghdad. By a strange coincidence, I left Beirut at the very same hour and on the same day on which I had left Jerusalem, October 13, exactly two years earlier. I had not deliberately chosen the day and hour for leaving Beirut; it was a matter of coincidence and circumstances. I took this coincidence as a good omen and implored God Most High to ease my escape this time as He had the first time.

Lebanon was then the base of the French “Army of the East,” to whose command General “Weygand” had been appointed. Beirut was the command’s headquarters. Not a day passed without thousands of soldiers and masses of guns, armored vehicles, tanks and other machinery of war passing in front of our house. The roads between Lebanon and Syria swarmed with soldiers, and the posts were full of policemen

Analysis

This page completes Sami al-Sulh’s quoted warning, records the resulting change in the departure plan, and narrates the memoirist’s exit from Beirut toward Baghdad. It is especially significant for the repeated October 13 departure date, the author’s interpretation of that coincidence as a good omen, and the description of Beirut as a heavily militarized French headquarters. The page ends with the surveillance and police-post sentence continuing onto page 50. The dates, motives, military presence, and personal accounts remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

لأسف لأننا لم نستطع أن نقوم في لبنان بما يجب علينا نحوك من العناية، وأرى من الضروري أن تسافر فوراً إلى مصر أو العراق حيث يستطيعون هناك القيام بذلك!! قال هذا بنية حسنة وبباعث الغيرة والمودة، دون أن يكون له أي علم بأني عازم على السفر بعد يومين... وقد سبب لي هذا الحديث حرجاً شديداً لأنه قد يحبط خطتي من أساسها، وينبه إليها رجال المخابرات الفرنسية، ولكني أجبته بما هون عليه الأمر، وانبرى المسيو برتران من ناحيته للدفاع عن حكومته محاولاً التماس العذر لها بسبب ظروف الحرب المشتعلة.

وفي تلك الليلة اضطررت لتبديل خطة السفر وتأجيله أسبوعاً آخر أي إلى مساء ١٣ تشرين الأول.

أما الحادث الآخر: فقد كان المرحوم السيد فؤاد حمزة وكيل خارجية المملكة العربية السعودية دعاني يوم ٦ تشرين الأول للغداء في منزله برأس بيروت مع عدد من المدعوين بينهم السيد حسين العويني، والمسيو باليرو وزير فرنسا المفوض في المملكة السعودية (وكان قبلاً ممثلاً لفرنسا في القدس) وكانت لي به معرفة سابقة فذكر لي أنه سيزورني في «الذوق»، ورأيت مبالغة مني في إخفاء أمر سفري أن أدعوهم إلى الغداء عندي في اليوم التاسع من الشهر فوافقوا على تلبية دعوتي، ثم طرأت مهمة للمسيو باليرو في دمشق فبلغني بواسطة السيد فؤاد حمزة رجاءه تأجيل الدعوة إلى ١٥ أكتوبر، ولم يكن في استطاعتي أن أقول أنني مسافر يوم ١٣، فلما بلغه خبر سفري بعد ذلك دهش وقال: هذا مستحيل، فإنني مدعو عنده بعد غد..

في الساعة السابعة من مساء ١٣ تشرين الأول ١٩٣٩، وبعد عامين كاملين من إقامتي بلبنان، غادرت بيروت إلى بغداد. ومن غريب الصدف أن خروجي من بيروت كان في نفس الساعة واليوم اللذين خرجت فيهما من القدس، وهو الثالث عشر من تشرين الأول، قبل عامين كاملين، ولم أتعمد اختيار اليوم والساعة لمغادرة بيروت ولكنها الصدف والظروف، وكنت متفائلاً بهذه الصدفة ومتوسلاً إلى الله تعالى أن يسهل لي سبيل النجاة في هذه المرة كما سهلها في المرة الأولى.

كان لبنان في ذلك الوقت مركزاً لـ«جيش الشرق» الفرنسي الذي عين لقيادته الجنرال «فيجان»، وكانت بيروت مركز هذه القيادة، ولا يمضي يوم دون أن تمر أمام منزلنا ألوف الجنود وحشود المدافع والمصفحات والدبابات وما إلى ذلك من آلة الحرب، وكانت الطرق بين لبنان وسورية تعج بالجنود، والمخافر مملوءة برجال الشرطة