لأسف لأننا لم نستطع أن نقوم في لبنان بما يجب علينا نحوك من العناية، وأرى من الضروري أن تسافر فوراً إلى مصر أو العراق حيث يستطيعون هناك القيام بذلك!! قال هذا بنية حسنة وبباعث الغيرة والمودة، دون أن يكون له أي علم بأني عازم على السفر بعد يومين... وقد سبب لي هذا الحديث حرجاً شديداً لأنه قد يحبط خطتي من أساسها، وينبه إليها رجال المخابرات الفرنسية، ولكني أجبته بما هون عليه الأمر، وانبرى المسيو برتران من ناحيته للدفاع عن حكومته محاولاً التماس العذر لها بسبب ظروف الحرب المشتعلة.
وفي تلك الليلة اضطررت لتبديل خطة السفر وتأجيله أسبوعاً آخر أي إلى مساء ١٣ تشرين الأول.
أما الحادث الآخر: فقد كان المرحوم السيد فؤاد حمزة وكيل خارجية المملكة العربية السعودية دعاني يوم ٦ تشرين الأول للغداء في منزله برأس بيروت مع عدد من المدعوين بينهم السيد حسين العويني، والمسيو باليرو وزير فرنسا المفوض في المملكة السعودية (وكان قبلاً ممثلاً لفرنسا في القدس) وكانت لي به معرفة سابقة فذكر لي أنه سيزورني في «الذوق»، ورأيت مبالغة مني في إخفاء أمر سفري أن أدعوهم إلى الغداء عندي في اليوم التاسع من الشهر فوافقوا على تلبية دعوتي، ثم طرأت مهمة للمسيو باليرو في دمشق فبلغني بواسطة السيد فؤاد حمزة رجاءه تأجيل الدعوة إلى ١٥ أكتوبر، ولم يكن في استطاعتي أن أقول أنني مسافر يوم ١٣، فلما بلغه خبر سفري بعد ذلك دهش وقال: هذا مستحيل، فإنني مدعو عنده بعد غد..
في الساعة السابعة من مساء ١٣ تشرين الأول ١٩٣٩، وبعد عامين كاملين من إقامتي بلبنان، غادرت بيروت إلى بغداد. ومن غريب الصدف أن خروجي من بيروت كان في نفس الساعة واليوم اللذين خرجت فيهما من القدس، وهو الثالث عشر من تشرين الأول، قبل عامين كاملين، ولم أتعمد اختيار اليوم والساعة لمغادرة بيروت ولكنها الصدف والظروف، وكنت متفائلاً بهذه الصدفة ومتوسلاً إلى الله تعالى أن يسهل لي سبيل النجاة في هذه المرة كما سهلها في المرة الأولى.
كان لبنان في ذلك الوقت مركزاً لـ«جيش الشرق» الفرنسي الذي عين لقيادته الجنرال «فيجان»، وكانت بيروت مركز هذه القيادة، ولا يمضي يوم دون أن تمر أمام منزلنا ألوف الجنود وحشود المدافع والمصفحات والدبابات وما إلى ذلك من آلة الحرب، وكانت الطرق بين لبنان وسورية تعج بالجنود، والمخافر مملوءة برجال الشرطة