مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 50

Normalized
transcript

وضباط البوليس، والعيون والأرصاد يحصون على الناس أنفاسهم ويرقبون حركاتهم وسكناتهم، وكنا قد تمكنا من ترحيل معظم المجاهدين والعاملين من إخواننا إلى بغداد، وتمكن بعض الذين اعتقلهم الفرنسيون في «تدمر» من الفرار من السجن مجازفين بأرواحهم في الصحراء ووصلوا إلى العراق في أشد حالات الإرهاق والإعياء.

كان منزلي في الذوق من ناحيته الخلفية تعلوه أشجار باسقة ومتصلاً بالمنازل المجاورة التي يقطنها إخواننا. وكان بعض رفاقنا المخلص، وبعض رجال حرسنا، يشاغلون حرس السلطات الفرنسية ويقدمون لهم طعام العشاء، وكان الليل قد أرخى سدوله عندما سرت على قدمي بصحبة رفيق لي مسافة ابتعدنا بها عن المنزل ثم جاوزنا الحي كله مصعدين في الجبل إلى حيث كان ينتظرنا أحد إخواننا المخلصين مع سيارة، فركبناها وتمكنا من اجتياز بعض المخافر وتخطي البعض الآخر ما بين الذوق وبيروت، وبين هذه ودمشق مسافة ١٣٥ كيلومتراً، وفي دمشق كان ينتظرنا رفاق آخرون في سيارة أعدت خصيصاً ومعهم دليل خبير في معابر الصحراء وعندما كنا نجتاز «جسر تورا» خارجين من دمشق أطلق رجال الخفر النار على سيارتنا لأننا لم نطع إشارتهم لنا بالوقوف لكن الله سلم ولم يصب أحد منا بسوء...

وكان سائق سيارتنا يتخطى الأماكن المأهولة والطرق المألوفة وبعد نحو ساعة كانت سيارتنا تجتاز آخر مراحل العمران موغلة شرقاً في الصحراء مسيرة نحو ألف كيلومتر إلى بغداد.

كان سائق سيارتنا ينأى بها عن معالم الطرق التي تسلكها السيارات عادة بين دمشق وبغداد، ولم يكن هنالك طريق معبد، وكانت السلطات الفرنسية قد أعدت، عدا مخافر الحدود، قوة سيارة بالمصفحات تطوف الصحراء لمنع حوادث التسلل والتهريب ونحو ذلك، وقال السائق أنه يعرف ذلك القسم من الطريق جيداً وأشار على الدليل أن يأخذ قسطاً من النوم ليتمكن من إرشاده فيما بعد في القسم الآخر، وكان كل شيء يسير سيراً حسناً عندما شاهد السائق أنواراً بعيدة قال إنها تنبعث من مضارب بعض قبائل البدو الذين يعرفهم، ولم يكد يهرج بالسيارة نحوهم حتى وجدنا أنفسنا وسط مضارب قوة الصحراء وقد أحاط بنا عشرات من الجنود المسلحين، وأخذ قائدهم وهو عربي من «دير الزور» يوجه إلينا عشرات الأسئلة، فانتحلنا صفة تجار الأغنام وادعينا أننا ذاهبون إلى «تدمر» ولكنه لم يقتنع بأقوالنا، وبقينا سواد تلك الليلة (وكانت ليلة أول رمضان سنة ١٣٥٨) نحاول عبثاً إقناع الرجل أن يخلي سبيلنا، ولما أصر على أن يرسل قوة مسلحة ترافقنا إلى «تدمر» لتنظر السلطة في شأننا رأيتني

English
translation

and police officers, while spies and watchers counted people’s every breath and watched their every movement and moment of stillness. We had managed to send most of our brothers among the mujahidin and other workers to Baghdad. Some of those whom the French had detained in “Palmyra” managed to escape from prison, risking their lives in the desert, and reached Iraq in a state of extreme exhaustion and fatigue.

Tall trees rose above the rear of my house in al-Zuq, which was connected to the neighboring houses occupied by our brothers. Some of our devoted companions and members of our guard kept the French authorities’ guards occupied and served them dinner. Night had fallen when I set out on foot with a companion and walked some distance away from the house. We then passed beyond the entire quarter and climbed into the mountains to where one of our devoted brothers was waiting with a car. We got in and managed to pass some posts and bypass others between al-Zuq and Beirut, and between Beirut and Damascus, a distance of 135 kilometers. In Damascus, other companions were waiting for us in a specially prepared car, accompanied by a guide experienced in desert routes. As we crossed “Tura Bridge” on our way out of Damascus, the guards fired at our car because we had not obeyed their signal to stop. But God kept us safe, and none of us was harmed...

Our driver avoided inhabited places and familiar roads. After about an hour, our car was passing the last outposts of settlement and heading eastward deep into the desert on a journey of some thousand kilometers to Baghdad.

Our driver kept the car away from the marked routes usually taken by vehicles between Damascus and Baghdad. There was no paved road. In addition to the frontier posts, the French authorities had set up a mobile force with armored vehicles that patrolled the desert to prevent clandestine crossings, smuggling and similar activities. The driver said he knew that section of the route well and suggested that the guide get some sleep so that he could guide him later along the other section. Everything was going well when the driver saw distant lights, which he said came from the encampments of some Bedouin tribes he knew. He had scarcely turned the car toward them when we found ourselves amid the tents of the desert force, surrounded by dozens of armed soldiers. Their commander, an Arab from “Deir al-Zor,” began putting dozens of questions to us. We posed as sheep traders and claimed that we were going to “Palmyra,” but he was not convinced by our statements. We spent the dark hours of that night (the first night of Ramadan 1358) trying in vain to persuade him to let us go. When he insisted on sending an armed force to escort us to “Palmyra” so that the authorities could look into our case, I found myself

Analysis

This page describes the clandestine movement from al-Zuq through Damascus and into the desert route toward Baghdad. It is especially significant for the organized network of drivers, guides, guards, and escaped detainees, and for the encounter with a mobile desert force during the first night of Ramadan 1358. The memoirist’s disguise as a sheep trader and the checkpoint interrogation end in a sentence continuing onto page 51. Routes, distances, dates, identities, and claims about French patrols remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وضباط البوليس، والعيون والأرصاد يحصون على الناس أنفاسهم ويرقبون حركاتهم وسكناتهم، وكنا قد تمكنا من ترحيل معظم المجاهدين والعاملين من إخواننا إلى بغداد، وتمكن بعض الذين اعتقلهم الفرنسيون في «تدمر» من الفرار من السجن مجازفين بأرواحهم في الصحراء ووصلوا إلى العراق في أشد حالات الإرهاق والإعياء.

كان منزلي في الذوق من ناحيته الخلفية تعلوه أشجار باسقة ومتصلاً بالمنازل المجاورة التي يقطنها إخواننا. وكان بعض رفاقنا المخلص، وبعض رجال حرسنا، يشاغلون حرس السلطات الفرنسية ويقدمون لهم طعام العشاء، وكان الليل قد أرخى سدوله عندما سرت على قدمي بصحبة رفيق لي مسافة ابتعدنا بها عن المنزل ثم جاوزنا الحي كله مصعدين في الجبل إلى حيث كان ينتظرنا أحد إخواننا المخلصين مع سيارة، فركبناها وتمكنا من اجتياز بعض المخافر وتخطي البعض الآخر ما بين الذوق وبيروت، وبين هذه ودمشق مسافة ١٣٥ كيلومتراً، وفي دمشق كان ينتظرنا رفاق آخرون في سيارة أعدت خصيصاً ومعهم دليل خبير في معابر الصحراء وعندما كنا نجتاز «جسر تورا» خارجين من دمشق أطلق رجال الخفر النار على سيارتنا لأننا لم نطع إشارتهم لنا بالوقوف لكن الله سلم ولم يصب أحد منا بسوء...

وكان سائق سيارتنا يتخطى الأماكن المأهولة والطرق المألوفة وبعد نحو ساعة كانت سيارتنا تجتاز آخر مراحل العمران موغلة شرقاً في الصحراء مسيرة نحو ألف كيلومتر إلى بغداد.

كان سائق سيارتنا ينأى بها عن معالم الطرق التي تسلكها السيارات عادة بين دمشق وبغداد، ولم يكن هنالك طريق معبد، وكانت السلطات الفرنسية قد أعدت، عدا مخافر الحدود، قوة سيارة بالمصفحات تطوف الصحراء لمنع حوادث التسلل والتهريب ونحو ذلك، وقال السائق أنه يعرف ذلك القسم من الطريق جيداً وأشار على الدليل أن يأخذ قسطاً من النوم ليتمكن من إرشاده فيما بعد في القسم الآخر، وكان كل شيء يسير سيراً حسناً عندما شاهد السائق أنواراً بعيدة قال إنها تنبعث من مضارب بعض قبائل البدو الذين يعرفهم، ولم يكد يهرج بالسيارة نحوهم حتى وجدنا أنفسنا وسط مضارب قوة الصحراء وقد أحاط بنا عشرات من الجنود المسلحين، وأخذ قائدهم وهو عربي من «دير الزور» يوجه إلينا عشرات الأسئلة، فانتحلنا صفة تجار الأغنام وادعينا أننا ذاهبون إلى «تدمر» ولكنه لم يقتنع بأقوالنا، وبقينا سواد تلك الليلة (وكانت ليلة أول رمضان سنة ١٣٥٨) نحاول عبثاً إقناع الرجل أن يخلي سبيلنا، ولما أصر على أن يرسل قوة مسلحة ترافقنا إلى «تدمر» لتنظر السلطة في شأننا رأيتني