وضباط البوليس، والعيون والأرصاد يحصون على الناس أنفاسهم ويرقبون حركاتهم وسكناتهم، وكنا قد تمكنا من ترحيل معظم المجاهدين والعاملين من إخواننا إلى بغداد، وتمكن بعض الذين اعتقلهم الفرنسيون في «تدمر» من الفرار من السجن مجازفين بأرواحهم في الصحراء ووصلوا إلى العراق في أشد حالات الإرهاق والإعياء.
كان منزلي في الذوق من ناحيته الخلفية تعلوه أشجار باسقة ومتصلاً بالمنازل المجاورة التي يقطنها إخواننا. وكان بعض رفاقنا المخلص، وبعض رجال حرسنا، يشاغلون حرس السلطات الفرنسية ويقدمون لهم طعام العشاء، وكان الليل قد أرخى سدوله عندما سرت على قدمي بصحبة رفيق لي مسافة ابتعدنا بها عن المنزل ثم جاوزنا الحي كله مصعدين في الجبل إلى حيث كان ينتظرنا أحد إخواننا المخلصين مع سيارة، فركبناها وتمكنا من اجتياز بعض المخافر وتخطي البعض الآخر ما بين الذوق وبيروت، وبين هذه ودمشق مسافة ١٣٥ كيلومتراً، وفي دمشق كان ينتظرنا رفاق آخرون في سيارة أعدت خصيصاً ومعهم دليل خبير في معابر الصحراء وعندما كنا نجتاز «جسر تورا» خارجين من دمشق أطلق رجال الخفر النار على سيارتنا لأننا لم نطع إشارتهم لنا بالوقوف لكن الله سلم ولم يصب أحد منا بسوء...
وكان سائق سيارتنا يتخطى الأماكن المأهولة والطرق المألوفة وبعد نحو ساعة كانت سيارتنا تجتاز آخر مراحل العمران موغلة شرقاً في الصحراء مسيرة نحو ألف كيلومتر إلى بغداد.
كان سائق سيارتنا ينأى بها عن معالم الطرق التي تسلكها السيارات عادة بين دمشق وبغداد، ولم يكن هنالك طريق معبد، وكانت السلطات الفرنسية قد أعدت، عدا مخافر الحدود، قوة سيارة بالمصفحات تطوف الصحراء لمنع حوادث التسلل والتهريب ونحو ذلك، وقال السائق أنه يعرف ذلك القسم من الطريق جيداً وأشار على الدليل أن يأخذ قسطاً من النوم ليتمكن من إرشاده فيما بعد في القسم الآخر، وكان كل شيء يسير سيراً حسناً عندما شاهد السائق أنواراً بعيدة قال إنها تنبعث من مضارب بعض قبائل البدو الذين يعرفهم، ولم يكد يهرج بالسيارة نحوهم حتى وجدنا أنفسنا وسط مضارب قوة الصحراء وقد أحاط بنا عشرات من الجنود المسلحين، وأخذ قائدهم وهو عربي من «دير الزور» يوجه إلينا عشرات الأسئلة، فانتحلنا صفة تجار الأغنام وادعينا أننا ذاهبون إلى «تدمر» ولكنه لم يقتنع بأقوالنا، وبقينا سواد تلك الليلة (وكانت ليلة أول رمضان سنة ١٣٥٨) نحاول عبثاً إقناع الرجل أن يخلي سبيلنا، ولما أصر على أن يرسل قوة مسلحة ترافقنا إلى «تدمر» لتنظر السلطة في شأننا رأيتني