مضطراً للمجازفة فانتحيت بالرجل جانباً، وعرفته بنفسي وذكرت له الأسباب التي تضطرني للسفر خلسة ومتنكراً من سورية ولبنان وهما تحت الحكم الفرنسي، إلى العراق، فبهت الرجل وسقط في يده، وكان عربياً شهماً كريماً، فلم يلبث بعد تردد وحيرة أن سهل لنا سبيل السفر وأطلق سراحنا مشكوراً، وقد عرض نفسه للخطر ووظيفته للضياع في سبيل القضية التي نعمل لأجلها.
ومن غرائب الصادفات في هذه الرحلة أن صاحب السيارة التي حملتنا من دمشق حتى الصحراء، كان شهماً كريماً وضع نفسه وسيارته الخاصة في خدمة القضية، منذ نشوب ثورة فلسطين إلى منتهاها دون أي أجر، هو البطل المرحوم السيد محمود الطبال.. من مدينة «دير الزور».
كما أن قائد جند الصحراء الذي لم يستطع المال إغراءه، ولكن المروءة والشهامة أسلستا قياده وهو «السرجان صالح» كان أيضاً من «دير الزور» فما أغرب هذه المصادفة، وما أطيب هذه البلدة «دير الزور».
ولما تنسمنا الحرية مع نسيم صباح أول رمضان المبارك أطلق السائق العنان للسيارة طائراً بها عرض الفلاة، متجنباً مضارب البدو، وليس لنا من رفيق إلا طير الجو ووحش البيداء مرددين قول القائل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير
في العراق:
وصلت بغداد يوم ١٥ تشرين الأول ١٩٣٩ فنزلت في بيت أحد الأصدقاء دون أن تعلم الحكومة العراقية بوصولي ومكثت في حاجة ملحة للراحة والنوم الذي حرمت منه بضع ليال، وفي تلك الفترة كان الأخ المرحوم أمين التميمي الذي سبقنا إلى بغداد قد قابل بعض رجال الحكومة العراقية وقادة الجيش وجس نبضهم بشأن قدومي إلى العراق وموقفهم من الإنكليز واطمأن إليه.
وفي ضحوة اليوم التالي ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى البلاط الملكي وكان سيادة رشيد عالي الكيلاني رئيساً للديوان، فاستقبلنا بترحاب عظيم، وبعد دقائق قابلنا سمو الوصي الأمير عبد الإله الذي رحب بنا وأبلغ رئيس الوزارة السيد نوري السعيد بوصولنا ثم استقبلنا نوري السعيد في دار رئاسة الوزراء، وبادرني بالسؤال عن الطريق الذي سلكته للوصول إلى بغداد دون أن تعلم الحكومة، وكيف ساعدني الفرنسيون