مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 51

Normalized
transcript

مضطراً للمجازفة فانتحيت بالرجل جانباً، وعرفته بنفسي وذكرت له الأسباب التي تضطرني للسفر خلسة ومتنكراً من سورية ولبنان وهما تحت الحكم الفرنسي، إلى العراق، فبهت الرجل وسقط في يده، وكان عربياً شهماً كريماً، فلم يلبث بعد تردد وحيرة أن سهل لنا سبيل السفر وأطلق سراحنا مشكوراً، وقد عرض نفسه للخطر ووظيفته للضياع في سبيل القضية التي نعمل لأجلها.

ومن غرائب الصادفات في هذه الرحلة أن صاحب السيارة التي حملتنا من دمشق حتى الصحراء، كان شهماً كريماً وضع نفسه وسيارته الخاصة في خدمة القضية، منذ نشوب ثورة فلسطين إلى منتهاها دون أي أجر، هو البطل المرحوم السيد محمود الطبال.. من مدينة «دير الزور».

كما أن قائد جند الصحراء الذي لم يستطع المال إغراءه، ولكن المروءة والشهامة أسلستا قياده وهو «السرجان صالح» كان أيضاً من «دير الزور» فما أغرب هذه المصادفة، وما أطيب هذه البلدة «دير الزور».

ولما تنسمنا الحرية مع نسيم صباح أول رمضان المبارك أطلق السائق العنان للسيارة طائراً بها عرض الفلاة، متجنباً مضارب البدو، وليس لنا من رفيق إلا طير الجو ووحش البيداء مرددين قول القائل:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير

في العراق:

وصلت بغداد يوم ١٥ تشرين الأول ١٩٣٩ فنزلت في بيت أحد الأصدقاء دون أن تعلم الحكومة العراقية بوصولي ومكثت في حاجة ملحة للراحة والنوم الذي حرمت منه بضع ليال، وفي تلك الفترة كان الأخ المرحوم أمين التميمي الذي سبقنا إلى بغداد قد قابل بعض رجال الحكومة العراقية وقادة الجيش وجس نبضهم بشأن قدومي إلى العراق وموقفهم من الإنكليز واطمأن إليه.

وفي ضحوة اليوم التالي ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى البلاط الملكي وكان سيادة رشيد عالي الكيلاني رئيساً للديوان، فاستقبلنا بترحاب عظيم، وبعد دقائق قابلنا سمو الوصي الأمير عبد الإله الذي رحب بنا وأبلغ رئيس الوزارة السيد نوري السعيد بوصولنا ثم استقبلنا نوري السعيد في دار رئاسة الوزراء، وبادرني بالسؤال عن الطريق الذي سلكته للوصول إلى بغداد دون أن تعلم الحكومة، وكيف ساعدني الفرنسيون

English
translation

compelled to take a risk, so I took the man aside, introduced myself and explained the reasons forcing me to travel secretly and in disguise from Syria and Lebanon, both under French rule, to Iraq. The man was astonished and at a loss. He was a chivalrous and generous Arab, and after some hesitation and bewilderment he soon facilitated our journey and set us free, earning our gratitude. He had exposed himself to danger and risked losing his post for the sake of the cause for which we were working.

One of the strange coincidences of this journey was that the owner of the car that carried us from Damascus into the desert was a chivalrous and generous man who had placed himself and his own car at the service of the cause from the outbreak of the Palestine revolt to its end, without any payment: the hero, the late Sayyid Mahmud al-Tabbal, from the city of “Deir al-Zor.”

The commander of the desert troops, whom money could not tempt but whom honor and chivalry persuaded, “Sergeant Salih,” was also from “Deir al-Zor.” What a strange coincidence, and what a fine town “Deir al-Zor” is!

As we breathed freedom with the morning breeze of the first day of blessed Ramadan, the driver gave the car free rein, flying across the open desert and avoiding Bedouin encampments. We had no companions but the birds of the air and the beasts of the wilderness, and repeated the poet’s words:

The wolf howled, and I took comfort in the wolf when it howled; a human voice sounded, and I nearly flew away.

In Iraq:

I reached Baghdad on October 15, 1939, and stayed at a friend’s house without the Iraqi government knowing of my arrival. I remained in urgent need of rest and sleep, of which I had been deprived for several nights. During that time, our late brother Amin al-Tamimi, who had preceded us to Baghdad, had met some Iraqi government officials and army commanders and sounded them out about my coming to Iraq and their attitude toward the English, and was reassured by what he learned.

Late the following morning, I went with some friends to the royal palace. His Excellency Rashid Ali al-Kaylani was Chief of the Royal Court and received us with great warmth. A few minutes later we met His Highness the Regent, Emir Abd al-Ilah, who welcomed us and informed the Prime Minister, Sayyid Nuri al-Said, of our arrival. Nuri al-Said then received us at the Prime Minister’s Office and immediately asked me what route I had taken to reach Baghdad without the government’s knowledge, and how the French had helped me

Analysis

This page completes the desert escape and records the arrival in Baghdad, including the narrator’s account of assistance from a desert commander and a driver from Deir al-Zor. It is especially significant for the memoir’s use of chivalry, honor, and poetic language to frame the escape, followed by the reception from Iraqi officials and the royal court. The page ends with a question about how the journey was accomplished, answered on page 52. The names, motives, political attitudes, and travel account remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

مضطراً للمجازفة فانتحيت بالرجل جانباً، وعرفته بنفسي وذكرت له الأسباب التي تضطرني للسفر خلسة ومتنكراً من سورية ولبنان وهما تحت الحكم الفرنسي، إلى العراق، فبهت الرجل وسقط في يده، وكان عربياً شهماً كريماً، فلم يلبث بعد تردد وحيرة أن سهل لنا سبيل السفر وأطلق سراحنا مشكوراً، وقد عرض نفسه للخطر ووظيفته للضياع في سبيل القضية التي نعمل لأجلها.

ومن غرائب الصادفات في هذه الرحلة أن صاحب السيارة التي حملتنا من دمشق حتى الصحراء، كان شهماً كريماً وضع نفسه وسيارته الخاصة في خدمة القضية، منذ نشوب ثورة فلسطين إلى منتهاها دون أي أجر، هو البطل المرحوم السيد محمود الطبال.. من مدينة «دير الزور».

كما أن قائد جند الصحراء الذي لم يستطع المال إغراءه، ولكن المروءة والشهامة أسلستا قياده وهو «السرجان صالح» كان أيضاً من «دير الزور» فما أغرب هذه المصادفة، وما أطيب هذه البلدة «دير الزور».

ولما تنسمنا الحرية مع نسيم صباح أول رمضان المبارك أطلق السائق العنان للسيارة طائراً بها عرض الفلاة، متجنباً مضارب البدو، وليس لنا من رفيق إلا طير الجو ووحش البيداء مرددين قول القائل:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير

في العراق:

وصلت بغداد يوم ١٥ تشرين الأول ١٩٣٩ فنزلت في بيت أحد الأصدقاء دون أن تعلم الحكومة العراقية بوصولي ومكثت في حاجة ملحة للراحة والنوم الذي حرمت منه بضع ليال، وفي تلك الفترة كان الأخ المرحوم أمين التميمي الذي سبقنا إلى بغداد قد قابل بعض رجال الحكومة العراقية وقادة الجيش وجس نبضهم بشأن قدومي إلى العراق وموقفهم من الإنكليز واطمأن إليه.

وفي ضحوة اليوم التالي ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى البلاط الملكي وكان سيادة رشيد عالي الكيلاني رئيساً للديوان، فاستقبلنا بترحاب عظيم، وبعد دقائق قابلنا سمو الوصي الأمير عبد الإله الذي رحب بنا وأبلغ رئيس الوزارة السيد نوري السعيد بوصولنا ثم استقبلنا نوري السعيد في دار رئاسة الوزراء، وبادرني بالسؤال عن الطريق الذي سلكته للوصول إلى بغداد دون أن تعلم الحكومة، وكيف ساعدني الفرنسيون