مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 52

Normalized
transcript

على الخروج من لبنان إلى العراق فأكدت له أن الفرنسيين لا يعرفون شيئاً عن رحلتي ولو عرفوا لحالوا دون سفري، ورغم ما بدر من نوري باشا من حسن الاستقبال والترحيب فقد ظهرت على محياه علامات القلق لوصولي، وقد توالت علينا الدعوات من سمو الوصي ورئيس الوزراء والوزراء وأكرموا وفادتنا وغمرونا بظاهر اللطف والكرم.

وكان قد سبقني بالوصول إلى بغداد نحو مائتين من قواد الثورة وكبار العاملين المجاهدين الفلسطينيين وقوبلوا أحسن مقابلة من إخوانهم العراقيين ومن السلطات العراقية التي سهلت لهم أمر إقامتهم مع عائلاتهم وكفلت شؤون معيشتهم الضرورية، وكان العراق يلهب غيرة على قضية فلسطين وحماسة لها وعطفاً على أهلها ومجاهديها، وقد استقر رأينا على أن لا يتدخل الفلسطينيون خلال إقامتهم بالعراق في الشؤون الحزبية أو السياسة المحلية وأن لا يتسببوا في أي حرج أو إزعاج للسلطات العراقية، وهذا وفقاً للخطة التي التزمناها في كل قطر حللنا به من الأقطار العربية، حتى أنني وإخواني اعتذرنا من عدم تلبية الدعوات الكريمة التي وجهت إلينا من الهيئات والجمعيات وعلية القوم في البصرة والموصل وغيرها من كبريات المدن العراقية.

لكن الإنكليز ساورهم قلق شديد من وصولي وإخواني المجاهدين إلى العراق، وكانت السفارة البريطانية في بغداد تبادر بالاحتجاج لحكومة العراق على كل حركة من حركاتي، حتى حضوري الحفلات الحكومية أو الشعبية، وعلى عادة الإنكليز فقد أحاطتنا دوائر مخابراتهم بالجواسيس والرقباء وأخذت تتربص بنا الدوائر.

وكان في وزارة الداخلية العراقية مستشار بريطاني واسع النفوذ هو مستر «ادمونس»، وقد أخبرني المرحوم اللواء أمين باشا العمري، وكان قائد الفرقة الأولى حينئذ، أن ادمونس هذا يدبر خطة سرية لاختطافي على حين غرة بقوة من الجند، ثم اعتقالي خارج العراق، فلم أستغرب الخبر لأن للإنكليز سوابق في مثل هذه الأعمال فقد اختطفوا المرحوم ياسين باشا الهاشمي عندما كان رئيساً لمجلس الشورى الحربي بدمشق عام ١٩٢٠ أيام الحكومة العربية الأولى لسورية في عهد الملك فيصل الأول وذهبوا به إلى معسكرات الجيش البريطاني في صرفند (بفلسطين) واعتقلوه مدة من الزمن.

وقبل ذلك اختطف الإنكليز في العراق الزعيم العراقي المشهور السيد طالب باشا النقيب الذي كان وزيراً للداخلية، فقد دعاه المندوب السامي البريطاني لشرب الشاي

English
translation

leave Lebanon for Iraq. I assured him that the French knew nothing of my journey and that, had they known, they would have prevented my departure. Despite Nuri Pasha’s warm reception and welcome, signs of anxiety at my arrival appeared on his face. Invitations from His Highness the Regent, the Prime Minister and the ministers followed one after another. They honored us as guests and showered us with outward kindness and generosity.

Some two hundred leaders of the revolt and leading Palestinian mujahidin active in the cause had preceded me to Baghdad. They were most warmly received by their Iraqi brothers and by the Iraqi authorities, who facilitated their residence with their families and provided for their basic living needs. Iraq burned with zeal and enthusiasm for the Palestine cause and sympathy for its people and mujahidin. We agreed that during their stay in Iraq the Palestinians should not interfere in party affairs or local politics, nor cause the Iraqi authorities any embarrassment or trouble. This was in keeping with the course we followed in every Arab country where we stayed. My brothers and I even apologized for declining the kind invitations extended to us by bodies, associations and leading figures in Basra, Mosul and other major Iraqi cities.

But the English were deeply troubled by my arrival in Iraq with my fellow mujahidin. The British embassy in Baghdad promptly protested to the Iraqi government over every move I made, even my attendance at official or public gatherings. As was the English custom, their intelligence services surrounded us with spies and watchers and began lying in wait for misfortune to befall us.

There was a British adviser of considerable influence in the Iraqi Ministry of the Interior, Mr. “Edmonds.” The late Major General Amin Pasha al-Umari, then commander of the First Division, told me that this Edmonds was secretly planning to abduct me by surprise with a force of soldiers and then detain me outside Iraq. I was not surprised by the news, for the English had precedents for such acts. They had abducted the late Yasin Pasha al-Hashimi when he was President of the Military Consultative Council in Damascus in 1920, during Syria’s first Arab government under King Faisal I, taken him to the British army camps at Sarafand (in Palestine), and detained him for a time.

Before that, the English had abducted in Iraq the renowned Iraqi leader Sayyid Talib Pasha al-Naqib, who was Minister of the Interior. The British High Commissioner had invited him to tea

Analysis

This page describes the Palestinian community’s organized residence in Iraq, its decision to avoid local political interference, and escalating British concern about the narrator’s arrival. It is especially significant for the alleged abduction plans attributed to a British adviser and for the memoir’s use of earlier Iraqi and Syrian abductions as precedent. The page ends with the tea invitation that continues onto page 53. The reception, numbers, political arrangements, identities, and abduction claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

على الخروج من لبنان إلى العراق فأكدت له أن الفرنسيين لا يعرفون شيئاً عن رحلتي ولو عرفوا لحالوا دون سفري، ورغم ما بدر من نوري باشا من حسن الاستقبال والترحيب فقد ظهرت على محياه علامات القلق لوصولي، وقد توالت علينا الدعوات من سمو الوصي ورئيس الوزراء والوزراء وأكرموا وفادتنا وغمرونا بظاهر اللطف والكرم.

وكان قد سبقني بالوصول إلى بغداد نحو مائتين من قواد الثورة وكبار العاملين المجاهدين الفلسطينيين وقوبلوا أحسن مقابلة من إخوانهم العراقيين ومن السلطات العراقية التي سهلت لهم أمر إقامتهم مع عائلاتهم وكفلت شؤون معيشتهم الضرورية، وكان العراق يلهب غيرة على قضية فلسطين وحماسة لها وعطفاً على أهلها ومجاهديها، وقد استقر رأينا على أن لا يتدخل الفلسطينيون خلال إقامتهم بالعراق في الشؤون الحزبية أو السياسة المحلية وأن لا يتسببوا في أي حرج أو إزعاج للسلطات العراقية، وهذا وفقاً للخطة التي التزمناها في كل قطر حللنا به من الأقطار العربية، حتى أنني وإخواني اعتذرنا من عدم تلبية الدعوات الكريمة التي وجهت إلينا من الهيئات والجمعيات وعلية القوم في البصرة والموصل وغيرها من كبريات المدن العراقية.

لكن الإنكليز ساورهم قلق شديد من وصولي وإخواني المجاهدين إلى العراق، وكانت السفارة البريطانية في بغداد تبادر بالاحتجاج لحكومة العراق على كل حركة من حركاتي، حتى حضوري الحفلات الحكومية أو الشعبية، وعلى عادة الإنكليز فقد أحاطتنا دوائر مخابراتهم بالجواسيس والرقباء وأخذت تتربص بنا الدوائر.

وكان في وزارة الداخلية العراقية مستشار بريطاني واسع النفوذ هو مستر «ادمونس»، وقد أخبرني المرحوم اللواء أمين باشا العمري، وكان قائد الفرقة الأولى حينئذ، أن ادمونس هذا يدبر خطة سرية لاختطافي على حين غرة بقوة من الجند، ثم اعتقالي خارج العراق، فلم أستغرب الخبر لأن للإنكليز سوابق في مثل هذه الأعمال فقد اختطفوا المرحوم ياسين باشا الهاشمي عندما كان رئيساً لمجلس الشورى الحربي بدمشق عام ١٩٢٠ أيام الحكومة العربية الأولى لسورية في عهد الملك فيصل الأول وذهبوا به إلى معسكرات الجيش البريطاني في صرفند (بفلسطين) واعتقلوه مدة من الزمن.

وقبل ذلك اختطف الإنكليز في العراق الزعيم العراقي المشهور السيد طالب باشا النقيب الذي كان وزيراً للداخلية، فقد دعاه المندوب السامي البريطاني لشرب الشاي