على الخروج من لبنان إلى العراق فأكدت له أن الفرنسيين لا يعرفون شيئاً عن رحلتي ولو عرفوا لحالوا دون سفري، ورغم ما بدر من نوري باشا من حسن الاستقبال والترحيب فقد ظهرت على محياه علامات القلق لوصولي، وقد توالت علينا الدعوات من سمو الوصي ورئيس الوزراء والوزراء وأكرموا وفادتنا وغمرونا بظاهر اللطف والكرم.
وكان قد سبقني بالوصول إلى بغداد نحو مائتين من قواد الثورة وكبار العاملين المجاهدين الفلسطينيين وقوبلوا أحسن مقابلة من إخوانهم العراقيين ومن السلطات العراقية التي سهلت لهم أمر إقامتهم مع عائلاتهم وكفلت شؤون معيشتهم الضرورية، وكان العراق يلهب غيرة على قضية فلسطين وحماسة لها وعطفاً على أهلها ومجاهديها، وقد استقر رأينا على أن لا يتدخل الفلسطينيون خلال إقامتهم بالعراق في الشؤون الحزبية أو السياسة المحلية وأن لا يتسببوا في أي حرج أو إزعاج للسلطات العراقية، وهذا وفقاً للخطة التي التزمناها في كل قطر حللنا به من الأقطار العربية، حتى أنني وإخواني اعتذرنا من عدم تلبية الدعوات الكريمة التي وجهت إلينا من الهيئات والجمعيات وعلية القوم في البصرة والموصل وغيرها من كبريات المدن العراقية.
لكن الإنكليز ساورهم قلق شديد من وصولي وإخواني المجاهدين إلى العراق، وكانت السفارة البريطانية في بغداد تبادر بالاحتجاج لحكومة العراق على كل حركة من حركاتي، حتى حضوري الحفلات الحكومية أو الشعبية، وعلى عادة الإنكليز فقد أحاطتنا دوائر مخابراتهم بالجواسيس والرقباء وأخذت تتربص بنا الدوائر.
وكان في وزارة الداخلية العراقية مستشار بريطاني واسع النفوذ هو مستر «ادمونس»، وقد أخبرني المرحوم اللواء أمين باشا العمري، وكان قائد الفرقة الأولى حينئذ، أن ادمونس هذا يدبر خطة سرية لاختطافي على حين غرة بقوة من الجند، ثم اعتقالي خارج العراق، فلم أستغرب الخبر لأن للإنكليز سوابق في مثل هذه الأعمال فقد اختطفوا المرحوم ياسين باشا الهاشمي عندما كان رئيساً لمجلس الشورى الحربي بدمشق عام ١٩٢٠ أيام الحكومة العربية الأولى لسورية في عهد الملك فيصل الأول وذهبوا به إلى معسكرات الجيش البريطاني في صرفند (بفلسطين) واعتقلوه مدة من الزمن.
وقبل ذلك اختطف الإنكليز في العراق الزعيم العراقي المشهور السيد طالب باشا النقيب الذي كان وزيراً للداخلية، فقد دعاه المندوب السامي البريطاني لشرب الشاي