مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 54

Normalized
transcript

١٩١٦، باستقلال الأقطار العربية، وقسموا الوطن العربي فيما بينهم ومنحوا اليهود فلسطين، فكان العراق شديد النقمة على بريطانيا وحلفائها متمنياً النصر لأعدائهم عملاً بالقاعدة المأثورة «عدو عدوك صديقك»، كما أن الألمان في تاريخهم لم يعتدوا على العرب ولم يسيئوا إليهم، فكانوا يستمعون بآذانهم وقلوبهم إلى إذاعة برلين وهي تعرب عن أطيب الأماني للعرب ولكنها في الوقت نفسه تنكر على الحكومة العراقية مسارعة رئيسها نوري باشا السعيد إلى قطع علاقاتها السياسية بألمانيا دون مبرر بمجرد إعلان الحلفاء الحرب على ألمانيا يوم ٣ سبتمبر عام ١٩٣٩، وأنه بالإضافة إلى ذلك أمر بالقبض على الرعايا الألمان المقيمين بالعراق وسلمهم إلى السلطات البريطانية حيث اعتقلتهم في الهند إلى نهاية الحرب، وكانت إذاعة برلين تكرر الشكاوى باستمرار وتدلل بها على أن العراق لا يتمتع باستقلال صحيح، كان العراقيون ولا سيما عناصرهم الوطنية والمثقفة وفي مقدمتهم قادة الجيش العراقي يتأثرون كثيراً من سرد هذه الحقائق الأليمة وينحون باللوم على حكومة نوري السعيد، ويرون أن صالح العراق والعرب في أن لا يمكنوا الإنكليز وحلفاءهم من استغلالهم في هذه الحرب العالمية الثانية كما استغلوهم في الحرب الماضية ثم غدروا بهم، وأن الخطة المثلى هي الوقوف عند حدود المعاهدة العراقية المعقودة عام ١٩٣٠، التي نصت على أنه ليس لبريطانيا أن تحشد جيشها في العراق ولا أن تجعل منه ساحة حرب، ولا أن تلزم العراق بدخول الحرب إلى جانبها أو قطع العلاقات مع أعدائها، بينما كان نوري السعيد وأصحابه يرون عكس هذا الرأي، ويلحون على دخول الحرب إلى جانب الإنكليز وإجابتهم إلى كل ما يطلبون.

لا أود الإسهاب في سرد ما وقع في العراق من حوادث، لذلك أقتصر على ذكر بعض الحوادث التي شاهدتها بنفسي أو ساهمت فيها بشيء من جهدي كالحوادث الآتي ذكرها:

كان الجيش العراقي على باب معركة دموية داخلية عندما استقالت وزارة نوري باشا السعيد في فبراير سنة ١٩٤١، وكان المرشح لتأليف الوزارة حينئذ هو السيد رشيد عالي الكيلاني رئيس الديوان الملكي، وحدث لهذه المناسبة خلاف شديد بين فريقين من قادة الجيش، إذ كان فريق منهم يرى إدخال نوري باشا السعيد وطه باشا الهاشمي في الوزارة بينما كان فريق آخر يعارض في ذلك، واشتد النزاع بينهما إلى درجة وقف عندها كل فريق منهما بسلاحه، الأول في معسكر الرشيد بالرصافة، والآخر في معسكر الوشاش بالكرخ.

English
translation

1916 for the independence of the Arab countries, divided the Arab homeland among themselves and granted Palestine to the Jews. Iraq therefore felt intense resentment toward Britain and its allies and wished victory to their enemies, following the familiar maxim, “Your enemy’s enemy is your friend.” Moreover, the Germans had never in their history attacked the Arabs or wronged them. The Iraqis therefore listened with their ears and hearts to Berlin radio as it expressed its warmest wishes for the Arabs. At the same time, however, it reproached the Iraqi government because its Prime Minister, Nuri Pasha al-Said, had hastened without justification to sever diplomatic relations with Germany as soon as the Allies declared war on Germany on September 3, 1939. In addition, he had ordered the arrest of German nationals residing in Iraq and handed them over to the British authorities, who detained them in India until the end of the war. Berlin radio continually repeated these complaints, citing them as proof that Iraq did not enjoy genuine independence. The Iraqis, especially their nationalist and educated elements, foremost among them the commanders of the Iraqi army, were deeply affected by the recounting of these painful facts and blamed Nuri al-Said’s government. They believed that the interests of Iraq and the Arabs required them not to allow the English and their allies to exploit them in this Second World War as they had exploited them in the previous war and then betrayed them. The best course, they held, was to abide by the limits of the Iraqi treaty concluded in 1930, which stipulated that Britain had no right to mass its army in Iraq, turn it into a battlefield, or oblige Iraq to enter the war on its side or sever relations with its enemies. Nuri al-Said and his associates, however, held the opposite view and insisted on entering the war on the side of the English and granting everything they requested.

I do not wish to dwell at length on the events that took place in Iraq, so I shall confine myself to some events that I witnessed personally or in which I played some part, such as those described below:

The Iraqi army was on the brink of a bloody internal battle when Nuri Pasha al-Said’s cabinet resigned in February 1941. The candidate to form the cabinet at that time was Sayyid Rashid Ali al-Kaylani, Chief of the Royal Court. On this occasion, a bitter disagreement arose between two groups of army commanders: one group wanted Nuri Pasha al-Said and Taha Pasha al-Hashimi included in the cabinet, while another opposed this. The dispute grew so intense that each group took up positions with its weapons, the first at al-Rashid Camp in al-Rusafa and the other at al-Washash Camp in al-Karkh.

Analysis

This page completes the treaty and political argument about Iraqi neutrality, then shifts to the February 1941 crisis inside the Iraqi army. It is especially significant for the memoir’s framing of Iraq’s wartime choices as a conflict between anti-imperial nationalism and cooperation with Britain, followed by the armed split between rival military camps. The page ends with a complete sentence and the next page develops the confrontation. The treaty summary, German claims, political judgments, and military chronology remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

١٩١٦، باستقلال الأقطار العربية، وقسموا الوطن العربي فيما بينهم ومنحوا اليهود فلسطين، فكان العراق شديد النقمة على بريطانيا وحلفائها متمنياً النصر لأعدائهم عملاً بالقاعدة المأثورة «عدو عدوك صديقك»، كما أن الألمان في تاريخهم لم يعتدوا على العرب ولم يسيئوا إليهم، فكانوا يستمعون بآذانهم وقلوبهم إلى إذاعة برلين وهي تعرب عن أطيب الأماني للعرب ولكنها في الوقت نفسه تنكر على الحكومة العراقية مسارعة رئيسها نوري باشا السعيد إلى قطع علاقاتها السياسية بألمانيا دون مبرر بمجرد إعلان الحلفاء الحرب على ألمانيا يوم ٣ سبتمبر عام ١٩٣٩، وأنه بالإضافة إلى ذلك أمر بالقبض على الرعايا الألمان المقيمين بالعراق وسلمهم إلى السلطات البريطانية حيث اعتقلتهم في الهند إلى نهاية الحرب، وكانت إذاعة برلين تكرر الشكاوى باستمرار وتدلل بها على أن العراق لا يتمتع باستقلال صحيح، كان العراقيون ولا سيما عناصرهم الوطنية والمثقفة وفي مقدمتهم قادة الجيش العراقي يتأثرون كثيراً من سرد هذه الحقائق الأليمة وينحون باللوم على حكومة نوري السعيد، ويرون أن صالح العراق والعرب في أن لا يمكنوا الإنكليز وحلفاءهم من استغلالهم في هذه الحرب العالمية الثانية كما استغلوهم في الحرب الماضية ثم غدروا بهم، وأن الخطة المثلى هي الوقوف عند حدود المعاهدة العراقية المعقودة عام ١٩٣٠، التي نصت على أنه ليس لبريطانيا أن تحشد جيشها في العراق ولا أن تجعل منه ساحة حرب، ولا أن تلزم العراق بدخول الحرب إلى جانبها أو قطع العلاقات مع أعدائها، بينما كان نوري السعيد وأصحابه يرون عكس هذا الرأي، ويلحون على دخول الحرب إلى جانب الإنكليز وإجابتهم إلى كل ما يطلبون.

لا أود الإسهاب في سرد ما وقع في العراق من حوادث، لذلك أقتصر على ذكر بعض الحوادث التي شاهدتها بنفسي أو ساهمت فيها بشيء من جهدي كالحوادث الآتي ذكرها:

كان الجيش العراقي على باب معركة دموية داخلية عندما استقالت وزارة نوري باشا السعيد في فبراير سنة ١٩٤١، وكان المرشح لتأليف الوزارة حينئذ هو السيد رشيد عالي الكيلاني رئيس الديوان الملكي، وحدث لهذه المناسبة خلاف شديد بين فريقين من قادة الجيش، إذ كان فريق منهم يرى إدخال نوري باشا السعيد وطه باشا الهاشمي في الوزارة بينما كان فريق آخر يعارض في ذلك، واشتد النزاع بينهما إلى درجة وقف عندها كل فريق منهما بسلاحه، الأول في معسكر الرشيد بالرصافة، والآخر في معسكر الوشاش بالكرخ.