كان ذلك ليلة ١٨ فبراير، ثم أسفر الصراع عن إقالة كل من الفريق حسين فوزي باشا رئيس أركان الجيش، واللواء أمين باشا العمري قائد الفرقة الأولى، وعلى أثر ذلك رفض السيد رشيد عالي الكيلاني تأليف الوزارة فألفها مرة أخرى نوري السعيد، فقلقت لهذا الحادث كثيراً وذهبنا ضحى يوم ١٩ فبراير إلى البلاط الملكي فوجدنا فيه عدداً كبيراً من زعماء العراق ووزرائه يبحثون السيد رشيد عالي فيما وقع.
وفي مساء ذلك اليوم زرت أنا والمرحوم أمين بك التميمي (١) نوري السعيد في بيته، فبسط لنا تفاصيل الحادث، ولما سألناه عن سبب استقالة وزارته، قال أن الإنكليز ينصحوننا ألا نطيل عمر الوزارة أكثر من عام، لأن كثيراً من العناصر التي لا تحقق الوزارة رغباتها ومطالبها تحقد عليها وتتكتل ضدها، فينبغي فسح المجال لوزارة أخرى تعقد عليها الآمال.. وهكذا دواليك.
ثم عتب علينا نوري باشا لأننا لم نتقدم لحسم الخلاف بين إخواننا رجال العراق، ولما أجبته بأن خطتنا هي أن لا نتدخل في الشؤون المحلية والحزبية، قال إن هذه هي شؤون في صميم القضية العربية ولاسيما في ظروف الحرب هذه وانتهى الحديث بنا إلى ضرورة السعي لجمع كلمة الزعماء والأحزاب في هذه الظروف العصيبة، والوصول إلى صلة وتفاهم وتعاون بينهم، وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل جميع الأحزاب، ويختار سمو الوصي رئيسها، وأن توضع اتفاقية في هذه المقترحات يوقع عليها جميع الرؤساء السابقين وتودع لدى الوصي لتنفيذها.
وعلى أثر ذلك زرنا رؤساء الوزارات السابقين زعماء الأحزاب وحدثناهم في شأن هذه المقترحات كما قابلت رئيس الديوان السيد رشيد عالي فسمو الوصي الذي ارتاح إليها وشجع على تحقيقها وبذلنا بعد ذلك مساعي كثيرة لدى الرؤساء لتصفية الجو، وكلل الله المساعي بالنجاح فاجتمع أولئك الرؤساء وهم السادة: رشيد عالي الكيلاني، ناجي السويدي، نوري السعيد، علي جودت الأيوبي، جميل المدفعي، توفيق السويدي، ناجي شوكت، والسيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان، ووقعوا الاتفاقية التي سلمتها أثر ذلك إلى الوصي فقبلها شاكراً.
وعلى أثر ذلك صفا الجو في العراق مدة من الزمن وأطلق سراح الوزيرين السابقين
(١) أمين عادل التميمي: ١٨٩٢ - ١٩٤٤ من مواليد نابلس وأحد قادة الحركة الوطنية الفلسطينية. توفي منفياً من قبل الإنكليز في روديسيا عام ١٩٤٤.