مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 55

Normalized
transcript

كان ذلك ليلة ١٨ فبراير، ثم أسفر الصراع عن إقالة كل من الفريق حسين فوزي باشا رئيس أركان الجيش، واللواء أمين باشا العمري قائد الفرقة الأولى، وعلى أثر ذلك رفض السيد رشيد عالي الكيلاني تأليف الوزارة فألفها مرة أخرى نوري السعيد، فقلقت لهذا الحادث كثيراً وذهبنا ضحى يوم ١٩ فبراير إلى البلاط الملكي فوجدنا فيه عدداً كبيراً من زعماء العراق ووزرائه يبحثون السيد رشيد عالي فيما وقع.

وفي مساء ذلك اليوم زرت أنا والمرحوم أمين بك التميمي (١) نوري السعيد في بيته، فبسط لنا تفاصيل الحادث، ولما سألناه عن سبب استقالة وزارته، قال أن الإنكليز ينصحوننا ألا نطيل عمر الوزارة أكثر من عام، لأن كثيراً من العناصر التي لا تحقق الوزارة رغباتها ومطالبها تحقد عليها وتتكتل ضدها، فينبغي فسح المجال لوزارة أخرى تعقد عليها الآمال.. وهكذا دواليك.

ثم عتب علينا نوري باشا لأننا لم نتقدم لحسم الخلاف بين إخواننا رجال العراق، ولما أجبته بأن خطتنا هي أن لا نتدخل في الشؤون المحلية والحزبية، قال إن هذه هي شؤون في صميم القضية العربية ولاسيما في ظروف الحرب هذه وانتهى الحديث بنا إلى ضرورة السعي لجمع كلمة الزعماء والأحزاب في هذه الظروف العصيبة، والوصول إلى صلة وتفاهم وتعاون بينهم، وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل جميع الأحزاب، ويختار سمو الوصي رئيسها، وأن توضع اتفاقية في هذه المقترحات يوقع عليها جميع الرؤساء السابقين وتودع لدى الوصي لتنفيذها.

وعلى أثر ذلك زرنا رؤساء الوزارات السابقين زعماء الأحزاب وحدثناهم في شأن هذه المقترحات كما قابلت رئيس الديوان السيد رشيد عالي فسمو الوصي الذي ارتاح إليها وشجع على تحقيقها وبذلنا بعد ذلك مساعي كثيرة لدى الرؤساء لتصفية الجو، وكلل الله المساعي بالنجاح فاجتمع أولئك الرؤساء وهم السادة: رشيد عالي الكيلاني، ناجي السويدي، نوري السعيد، علي جودت الأيوبي، جميل المدفعي، توفيق السويدي، ناجي شوكت، والسيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان، ووقعوا الاتفاقية التي سلمتها أثر ذلك إلى الوصي فقبلها شاكراً.

وعلى أثر ذلك صفا الجو في العراق مدة من الزمن وأطلق سراح الوزيرين السابقين

(١) أمين عادل التميمي: ١٨٩٢ - ١٩٤٤ من مواليد نابلس وأحد قادة الحركة الوطنية الفلسطينية. توفي منفياً من قبل الإنكليز في روديسيا عام ١٩٤٤.

English
translation

This was on the night of February 18. The conflict then resulted in the dismissal of both Lieutenant General Husayn Fawzi Pasha, Chief of the Army General Staff, and Major General Amin Pasha al-Umari, commander of the First Division. Following this, Sayyid Rashid Ali al-Kaylani refused to form the cabinet, so Nuri al-Said formed it once again. I was deeply troubled by this incident. Late on the morning of February 19, we went to the royal court and found a large number of Iraq’s leaders and ministers there discussing what had happened with Sayyid Rashid Ali.

That evening, the late Amin Bey al-Tamimi (1) and I visited Nuri al-Said at his home. He explained the incident to us in detail. When we asked him why his cabinet had resigned, he said that the English advised them not to prolong a cabinet’s life beyond a year, because many of those whose wishes and demands the cabinet did not fulfill came to resent it and banded together against it. Room should therefore be made for another cabinet on which hopes could be pinned.. and so on, time after time.

Nuri Pasha then reproached us for not having stepped forward to settle the disagreement among our Iraqi brothers. When I replied that our policy was not to interfere in local and party affairs, he said that these matters lay at the heart of the Arab cause, especially under these wartime conditions. Our conversation ended with agreement on the need to work to unite the leaders and parties in these difficult circumstances, establish contact, understanding and cooperation among them, and form a coalition cabinet representing all parties, with its head chosen by His Highness the Regent. An agreement embodying these proposals was to be drawn up, signed by all the former prime ministers and deposited with the Regent for implementation.

We then visited the former prime ministers who led the parties and discussed these proposals with them. I also met the Chief of the Royal Court, Sayyid Rashid Ali, and then His Highness the Regent, who was pleased with the proposals and encouraged their implementation. We subsequently made extensive efforts with the leaders to clear the air. God crowned our efforts with success, and those leaders met: Sayyids Rashid Ali al-Kaylani, Naji al-Suwaydi, Nuri al-Said, Ali Jawdat al-Ayyubi, Jamil al-Midfai, Tawfiq al-Suwaydi, Naji Shawkat, and Sayyid Muhammad al-Sadr, President of the Senate. They signed the agreement, which I then handed to the Regent, who accepted it with thanks.

After this, the atmosphere in Iraq cleared for a time, and the two former ministers

(1) Amin Adil al-Tamimi: 1892–1944. Born in Nablus and one of the leaders of the Palestinian national movement. He died in 1944 in Rhodesia, where he had been exiled by the English.

Analysis

This page records the narrator’s efforts to mediate an Iraqi cabinet crisis and build a coalition agreement among former prime ministers and party leaders. It is especially significant for the memoir’s claim that Palestine was treated as part of the Arab cause and that noninterference in Iraqi politics gave way to active mediation during wartime. The printed footnote identifies Amin Adil al-Tamimi and records his later exile and death. The names, negotiations, and political account remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

كان ذلك ليلة ١٨ فبراير، ثم أسفر الصراع عن إقالة كل من الفريق حسين فوزي باشا رئيس أركان الجيش، واللواء أمين باشا العمري قائد الفرقة الأولى، وعلى أثر ذلك رفض السيد رشيد عالي الكيلاني تأليف الوزارة فألفها مرة أخرى نوري السعيد، فقلقت لهذا الحادث كثيراً وذهبنا ضحى يوم ١٩ فبراير إلى البلاط الملكي فوجدنا فيه عدداً كبيراً من زعماء العراق ووزرائه يبحثون السيد رشيد عالي فيما وقع.

وفي مساء ذلك اليوم زرت أنا والمرحوم أمين بك التميمي (١) نوري السعيد في بيته، فبسط لنا تفاصيل الحادث، ولما سألناه عن سبب استقالة وزارته، قال أن الإنكليز ينصحوننا ألا نطيل عمر الوزارة أكثر من عام، لأن كثيراً من العناصر التي لا تحقق الوزارة رغباتها ومطالبها تحقد عليها وتتكتل ضدها، فينبغي فسح المجال لوزارة أخرى تعقد عليها الآمال.. وهكذا دواليك.

ثم عتب علينا نوري باشا لأننا لم نتقدم لحسم الخلاف بين إخواننا رجال العراق، ولما أجبته بأن خطتنا هي أن لا نتدخل في الشؤون المحلية والحزبية، قال إن هذه هي شؤون في صميم القضية العربية ولاسيما في ظروف الحرب هذه وانتهى الحديث بنا إلى ضرورة السعي لجمع كلمة الزعماء والأحزاب في هذه الظروف العصيبة، والوصول إلى صلة وتفاهم وتعاون بينهم، وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل جميع الأحزاب، ويختار سمو الوصي رئيسها، وأن توضع اتفاقية في هذه المقترحات يوقع عليها جميع الرؤساء السابقين وتودع لدى الوصي لتنفيذها.

وعلى أثر ذلك زرنا رؤساء الوزارات السابقين زعماء الأحزاب وحدثناهم في شأن هذه المقترحات كما قابلت رئيس الديوان السيد رشيد عالي فسمو الوصي الذي ارتاح إليها وشجع على تحقيقها وبذلنا بعد ذلك مساعي كثيرة لدى الرؤساء لتصفية الجو، وكلل الله المساعي بالنجاح فاجتمع أولئك الرؤساء وهم السادة: رشيد عالي الكيلاني، ناجي السويدي، نوري السعيد، علي جودت الأيوبي، جميل المدفعي، توفيق السويدي، ناجي شوكت، والسيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان، ووقعوا الاتفاقية التي سلمتها أثر ذلك إلى الوصي فقبلها شاكراً.

وعلى أثر ذلك صفا الجو في العراق مدة من الزمن وأطلق سراح الوزيرين السابقين

(١) أمين عادل التميمي: ١٨٩٢ - ١٩٤٤ من مواليد نابلس وأحد قادة الحركة الوطنية الفلسطينية. توفي منفياً من قبل الإنكليز في روديسيا عام ١٩٤٤.