المسؤولين في البلاد العربية وهي تتلخص في ضرورة التعاون مع إنكلترا في هذه الحرب وإرجاء المطالب القومية إلى ما بعد إنهائها لأنه لا يجمل بنا أن نطالبها بشيء خلال الحرب! وقد أجبت دونافان بأن إنكلترا لا تعطي شيئاً من تلقاء نفسها لا في السلم ولا في الحرب وأن العرب سيعملون جاهدين على تحقيق مطالبهم في جميع الظروف والحالات.
وكان لانتصارات ألمانيا المتتالية، ولهزائم بريطانيا وحلفائها المتلاحقة، تأثير عظيم على العراق وسائر العرب الذين كانت هذه التطورات الحربية تنعش آمالهم، وقد وقر في نفوسهم أن بريطانيا وحلفاءها من المستعمرين هم سبب البلاء وأساس الداء فيما نزل بالأمة العربية من نكبات.
وأصبحوا يعتقدون أن كل ضعف يصيب بريطانيا وحلفاءها هو قوة لهم، وأن أعداءها هم أصدقاؤهم ولم يقتصر تأثير هذه التطورات على الناقمين منهم على الاستعمار، بل تناول أيضاً أنصار بريطانيا وأصدقاءها من بعض النواحي.
فقد حدثني نوري السعيد بعد عودته من مصر، وكان حينئذ وزيراً للخارجية في الوزارة الكيلانية، عن نتيجة رحلته إلى القاهرة، ومقابلته للجنرال ويفل القائد العام البريطاني، وغيره من المسؤولين البريطانيين، عسكريين ومدنيين، كاللورد كيلرن السفير البريطاني، أنهم كانوا في حالة قلق واضطراب، ولما حادثهم بشأن القضية العربية كان العسكريون منهم يحيلونه على المدنيين، وكان هؤلاء أيضاً لا يجيبونه جواباً شافياً، مما جعله يعتقد أن سوء الحالة الراهنة في بريطانيا والقذائف الألمانية المستمرة على بلادهم أحرجها وحيرها وأذهلها فلا تكاد تبين سبيلها.
وقد حدثني بعد ذلك في بيته بجانب الكرخ خلال جلسة طويلة مستطلعاً رأيي في عودة العرب إلى تركيا وربط أنفسهم بها مرة أخرى، فأعربت عن اعتقادي، بأن تركيا الحاضرة قد تباعدت كثيراً عن العرب وقطعت الروابط التي كانت تربطها بهم.
وحدث بعد ذلك أن زارني طه باشا الهاشمي، وحدثني ملمحاً بفكرة الاتصال بألمانيا، وأن يكون ذلك بواسطة المنظمات الفلسطينية، إذ من غير المناسب أن تقوم بذلك الدول المرتبطة مع بريطانيا بمعاهدات كالعراق، ثم أسر إلي أن نوري السعيد يرى هذا الرأي، وأن يتم ذلك الاتصال بواسطتي، فأجبته: نحن الفلسطينيين لا نملك الأسباب والوسائل لذلك، والواقع أنني لم أكن مطمئناً لبعض العناصر التي كانت معنية بهذا الأمر.