مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 59

Normalized
transcript

المسؤولين في البلاد العربية وهي تتلخص في ضرورة التعاون مع إنكلترا في هذه الحرب وإرجاء المطالب القومية إلى ما بعد إنهائها لأنه لا يجمل بنا أن نطالبها بشيء خلال الحرب! وقد أجبت دونافان بأن إنكلترا لا تعطي شيئاً من تلقاء نفسها لا في السلم ولا في الحرب وأن العرب سيعملون جاهدين على تحقيق مطالبهم في جميع الظروف والحالات.

وكان لانتصارات ألمانيا المتتالية، ولهزائم بريطانيا وحلفائها المتلاحقة، تأثير عظيم على العراق وسائر العرب الذين كانت هذه التطورات الحربية تنعش آمالهم، وقد وقر في نفوسهم أن بريطانيا وحلفاءها من المستعمرين هم سبب البلاء وأساس الداء فيما نزل بالأمة العربية من نكبات.

وأصبحوا يعتقدون أن كل ضعف يصيب بريطانيا وحلفاءها هو قوة لهم، وأن أعداءها هم أصدقاؤهم ولم يقتصر تأثير هذه التطورات على الناقمين منهم على الاستعمار، بل تناول أيضاً أنصار بريطانيا وأصدقاءها من بعض النواحي.

فقد حدثني نوري السعيد بعد عودته من مصر، وكان حينئذ وزيراً للخارجية في الوزارة الكيلانية، عن نتيجة رحلته إلى القاهرة، ومقابلته للجنرال ويفل القائد العام البريطاني، وغيره من المسؤولين البريطانيين، عسكريين ومدنيين، كاللورد كيلرن السفير البريطاني، أنهم كانوا في حالة قلق واضطراب، ولما حادثهم بشأن القضية العربية كان العسكريون منهم يحيلونه على المدنيين، وكان هؤلاء أيضاً لا يجيبونه جواباً شافياً، مما جعله يعتقد أن سوء الحالة الراهنة في بريطانيا والقذائف الألمانية المستمرة على بلادهم أحرجها وحيرها وأذهلها فلا تكاد تبين سبيلها.

وقد حدثني بعد ذلك في بيته بجانب الكرخ خلال جلسة طويلة مستطلعاً رأيي في عودة العرب إلى تركيا وربط أنفسهم بها مرة أخرى، فأعربت عن اعتقادي، بأن تركيا الحاضرة قد تباعدت كثيراً عن العرب وقطعت الروابط التي كانت تربطها بهم.

وحدث بعد ذلك أن زارني طه باشا الهاشمي، وحدثني ملمحاً بفكرة الاتصال بألمانيا، وأن يكون ذلك بواسطة المنظمات الفلسطينية، إذ من غير المناسب أن تقوم بذلك الدول المرتبطة مع بريطانيا بمعاهدات كالعراق، ثم أسر إلي أن نوري السعيد يرى هذا الرأي، وأن يتم ذلك الاتصال بواسطتي، فأجبته: نحن الفلسطينيين لا نملك الأسباب والوسائل لذلك، والواقع أنني لم أكن مطمئناً لبعض العناصر التي كانت معنية بهذا الأمر.

English
translation

the officials in the Arab countries, the substance of which was the need to cooperate with England in this war and postpone national demands until after it ended, because it would not be fitting for us to demand anything of it during the war! I replied to Donovan that England gave nothing of its own accord, either in peace or in war, and that the Arabs would strive to achieve their demands under all circumstances and conditions.

Germany’s successive victories and the repeated defeats of Britain and its allies had a profound effect on Iraq and the other Arabs, whose hopes these military developments revived. The conviction had taken root in their minds that Britain and its colonialist allies were the source of the affliction and the root of the disease behind the calamities that had befallen the Arab nation.

They came to believe that every weakening of Britain and its allies strengthened them, and that Britain’s enemies were their friends. The effect of these developments was not confined to those who resented colonialism; in some respects it also extended to Britain’s supporters and friends.

After returning from Egypt, Nuri al-Said, who was then Foreign Minister in the al-Kaylani cabinet, told me about the outcome of his journey to Cairo and his meetings with General Wavell, the British Commander-in-Chief, and other British military and civilian officials, such as Lord Killearn, the British ambassador. He said they were anxious and unsettled. When he spoke to them about the Arab cause, the military men referred him to the civilians, who also gave him no satisfactory answer. This led him to believe that Britain’s worsening situation and the continuous German bombardment of their country had placed it in a predicament, bewildered it and stunned it, so that it could scarcely discern its way.

Later, during a long conversation at his home on the al-Karkh side, he asked my opinion about the Arabs returning to Turkey and binding themselves to it once more. I expressed my belief that present-day Turkey had moved far away from the Arabs and severed the ties that had bound it to them.

After that, Taha Pasha al-Hashimi visited me and spoke to me, hinting at the idea of making contact with Germany through Palestinian organizations, since it was inappropriate for states bound to Britain by treaties, such as Iraq, to do so. He then confided to me that Nuri al-Said shared this view and that the contact should be made through me. I replied: We Palestinians do not possess the means or resources for that. In fact, I did not feel at ease with some of the parties involved in this matter.

Analysis

This page completes the reported message from Donovan and records the narrator’s reply rejecting a delay in Arab national demands. It is especially significant for the memoir’s account of wartime Arab sentiment, British military anxiety, the question of renewed ties with Turkey, and a proposed German contact through Palestinian organizations. The page presents unnamed political elements as a reason for caution. The messages, meetings, attitudes, and political claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

المسؤولين في البلاد العربية وهي تتلخص في ضرورة التعاون مع إنكلترا في هذه الحرب وإرجاء المطالب القومية إلى ما بعد إنهائها لأنه لا يجمل بنا أن نطالبها بشيء خلال الحرب! وقد أجبت دونافان بأن إنكلترا لا تعطي شيئاً من تلقاء نفسها لا في السلم ولا في الحرب وأن العرب سيعملون جاهدين على تحقيق مطالبهم في جميع الظروف والحالات.

وكان لانتصارات ألمانيا المتتالية، ولهزائم بريطانيا وحلفائها المتلاحقة، تأثير عظيم على العراق وسائر العرب الذين كانت هذه التطورات الحربية تنعش آمالهم، وقد وقر في نفوسهم أن بريطانيا وحلفاءها من المستعمرين هم سبب البلاء وأساس الداء فيما نزل بالأمة العربية من نكبات.

وأصبحوا يعتقدون أن كل ضعف يصيب بريطانيا وحلفاءها هو قوة لهم، وأن أعداءها هم أصدقاؤهم ولم يقتصر تأثير هذه التطورات على الناقمين منهم على الاستعمار، بل تناول أيضاً أنصار بريطانيا وأصدقاءها من بعض النواحي.

فقد حدثني نوري السعيد بعد عودته من مصر، وكان حينئذ وزيراً للخارجية في الوزارة الكيلانية، عن نتيجة رحلته إلى القاهرة، ومقابلته للجنرال ويفل القائد العام البريطاني، وغيره من المسؤولين البريطانيين، عسكريين ومدنيين، كاللورد كيلرن السفير البريطاني، أنهم كانوا في حالة قلق واضطراب، ولما حادثهم بشأن القضية العربية كان العسكريون منهم يحيلونه على المدنيين، وكان هؤلاء أيضاً لا يجيبونه جواباً شافياً، مما جعله يعتقد أن سوء الحالة الراهنة في بريطانيا والقذائف الألمانية المستمرة على بلادهم أحرجها وحيرها وأذهلها فلا تكاد تبين سبيلها.

وقد حدثني بعد ذلك في بيته بجانب الكرخ خلال جلسة طويلة مستطلعاً رأيي في عودة العرب إلى تركيا وربط أنفسهم بها مرة أخرى، فأعربت عن اعتقادي، بأن تركيا الحاضرة قد تباعدت كثيراً عن العرب وقطعت الروابط التي كانت تربطها بهم.

وحدث بعد ذلك أن زارني طه باشا الهاشمي، وحدثني ملمحاً بفكرة الاتصال بألمانيا، وأن يكون ذلك بواسطة المنظمات الفلسطينية، إذ من غير المناسب أن تقوم بذلك الدول المرتبطة مع بريطانيا بمعاهدات كالعراق، ثم أسر إلي أن نوري السعيد يرى هذا الرأي، وأن يتم ذلك الاتصال بواسطتي، فأجبته: نحن الفلسطينيين لا نملك الأسباب والوسائل لذلك، والواقع أنني لم أكن مطمئناً لبعض العناصر التي كانت معنية بهذا الأمر.