وبعد ذلك اشتد الصراع بين المخلصين من رجال العراق الداعين إلى الحياد والتزام حدود المعاهدة العراقية البريطانية، والمشفقين على العراق والعرب أن يسخروا وتستغل بلادهم في سبيل الاستعمار، وبين الإنكليز وأنصارهم الذين كانوا يحاولون تسخير العراق والعرب لصالح بريطانيا، دون أي تأكيد منها لصالحهم أو ضمان لاستقلالهم وحريتهم.
وفي غضون تلك الفترة قدم بغداد الكولونيل «نيوكمب» الذي عرف بصلته هو وزميله «لورانس» بالثورة العربية الأولى التي حمل لواءها المغفور له الملك حسين بن علي شريف مكة على أساس اعتراف بريطانيا باستقلال جميع البلاد العربية بموجب عهود مكماهون المقطوعة للحسين والتي نقضتها بريطانيا قبل أن يجف مدادها، جاء «نيوكمب» مندوباً من قبل اللورد لويد وزير المستعمرات للاتصال بالزعماء الفلسطينيين والعراقيين، والبحث معهم في القضايا العربية عامة وقضية فلسطين خاصة، وحملهم على التعاون مع بريطانيا وحلفائها، واتصل نيوكمب بوزير الخارجية نوري باشا الذي دعاني وبعض أعضاء اللجنة العربية لبحث مهمته، وتتلخص في أن يعلن الفلسطينيون اعترافهم بالكتاب الأبيض ويتعاونوا مع الإنكليز على أساس السياسة التي حددها ذلك الكتاب.
لم أقبل نيوكمب ولكن مساعيه لم تسفر عن نتيجة لأن بريطانيا عجزت حتى عن تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض لمقاومة اليهود لها.
ولهذه المناسبة أثار أحرار العرب في العراق فكرة الوحدة العربية ضالتهم التي كانوا ينشدونها باستمرار وقد لمست منهم منذ وصولي إلى بغداد الشعور بالحاجة إليها والرغبة في تحقيقها، وكانوا يرون أن الحرب العالمية الثانية قد تكون مواتية للعمل على تحقيقها، وأنه ينبغي البدء بالعمل على إزالة ما بين المملكة العربية السعودية والعراق من جفاء، وكان الخلاف في ذلك الحين قائماً على الحدود، وشؤون بعض القبائل التي تقطن كلتا المملكتين، من عشائر شمر، وطلبوا مني أن أساهم بما أستطيع في هذا الأمر الذي سبق أن عرضه وفدنا على المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٣٧، فرحب به وشجعنا على المضي فيه، وعهد جلالته إلي حينئذ بمحادثة الحكومة العراقية بشأنه، فاستعنت بكل من السيد رشيد عالي الكيلاني، وطه باشا الهاشمي اللذين قاما بمساع حثيثة لدى سمو الوصي وأعضاء الوزارة، ثم أرسل وفد عراقي لمقابلة الملك عبد العزيز فعمل على تصفية المشاكل وإزالة الخلاف.