مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 60

Normalized
transcript

وبعد ذلك اشتد الصراع بين المخلصين من رجال العراق الداعين إلى الحياد والتزام حدود المعاهدة العراقية البريطانية، والمشفقين على العراق والعرب أن يسخروا وتستغل بلادهم في سبيل الاستعمار، وبين الإنكليز وأنصارهم الذين كانوا يحاولون تسخير العراق والعرب لصالح بريطانيا، دون أي تأكيد منها لصالحهم أو ضمان لاستقلالهم وحريتهم.

وفي غضون تلك الفترة قدم بغداد الكولونيل «نيوكمب» الذي عرف بصلته هو وزميله «لورانس» بالثورة العربية الأولى التي حمل لواءها المغفور له الملك حسين بن علي شريف مكة على أساس اعتراف بريطانيا باستقلال جميع البلاد العربية بموجب عهود مكماهون المقطوعة للحسين والتي نقضتها بريطانيا قبل أن يجف مدادها، جاء «نيوكمب» مندوباً من قبل اللورد لويد وزير المستعمرات للاتصال بالزعماء الفلسطينيين والعراقيين، والبحث معهم في القضايا العربية عامة وقضية فلسطين خاصة، وحملهم على التعاون مع بريطانيا وحلفائها، واتصل نيوكمب بوزير الخارجية نوري باشا الذي دعاني وبعض أعضاء اللجنة العربية لبحث مهمته، وتتلخص في أن يعلن الفلسطينيون اعترافهم بالكتاب الأبيض ويتعاونوا مع الإنكليز على أساس السياسة التي حددها ذلك الكتاب.

لم أقبل نيوكمب ولكن مساعيه لم تسفر عن نتيجة لأن بريطانيا عجزت حتى عن تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض لمقاومة اليهود لها.

ولهذه المناسبة أثار أحرار العرب في العراق فكرة الوحدة العربية ضالتهم التي كانوا ينشدونها باستمرار وقد لمست منهم منذ وصولي إلى بغداد الشعور بالحاجة إليها والرغبة في تحقيقها، وكانوا يرون أن الحرب العالمية الثانية قد تكون مواتية للعمل على تحقيقها، وأنه ينبغي البدء بالعمل على إزالة ما بين المملكة العربية السعودية والعراق من جفاء، وكان الخلاف في ذلك الحين قائماً على الحدود، وشؤون بعض القبائل التي تقطن كلتا المملكتين، من عشائر شمر، وطلبوا مني أن أساهم بما أستطيع في هذا الأمر الذي سبق أن عرضه وفدنا على المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٣٧، فرحب به وشجعنا على المضي فيه، وعهد جلالته إلي حينئذ بمحادثة الحكومة العراقية بشأنه، فاستعنت بكل من السيد رشيد عالي الكيلاني، وطه باشا الهاشمي اللذين قاما بمساع حثيثة لدى سمو الوصي وأعضاء الوزارة، ثم أرسل وفد عراقي لمقابلة الملك عبد العزيز فعمل على تصفية المشاكل وإزالة الخلاف.

English
translation

After that, the struggle intensified between the sincere men of Iraq who called for neutrality and adherence to the limits of the Anglo-Iraqi Treaty, and feared that Iraq and the Arabs would be pressed into service and their countries exploited for colonialism, and the English and their supporters, who were trying to make Iraq and the Arabs serve Britain’s interests without any assurance from it in their favor or any guarantee of their independence and freedom.

During that period, Colonel “Newcombe” arrived in Baghdad. He was known for his connection, together with his colleague “Lawrence,” to the first Arab Revolt, whose banner the late King Husayn ibn Ali, Sharif of Mecca, had raised on the basis of Britain’s recognition of the independence of all the Arab countries under McMahon’s pledges to Husayn, which Britain broke before their ink had dried. “Newcombe” came as the representative of Lord Lloyd, the Colonial Secretary, to contact Palestinian and Iraqi leaders, discuss Arab issues in general and the Palestine cause in particular, and induce them to cooperate with Britain and its allies. Newcombe contacted the Foreign Minister, Nuri Pasha, who invited me and some members of the Arab Committee to discuss his mission. In essence, it called on the Palestinians to declare their acceptance of the White Paper and cooperate with the English on the basis of the policy it set out.

I did not receive Newcombe, but his efforts produced no result because Britain was unable even to implement the White Paper’s policy owing to Jewish opposition to it.

On this occasion, the Arab advocates of freedom in Iraq raised the idea of Arab unity, the elusive goal they continually sought. Since my arrival in Baghdad, I had sensed their feeling of need for it and their desire to achieve it. They believed the Second World War might offer a favorable opportunity to work toward it, and that a start should be made by removing the estrangement between the Kingdom of Saudi Arabia and Iraq. The dispute at that time concerned the border and the affairs of some of the Shammar tribes living in both kingdoms. They asked me to contribute what I could to this matter, which our delegation had previously presented to the late King Abd al-Aziz Al Saud in 1937. He had welcomed it and encouraged us to proceed, and His Majesty had then entrusted me with discussing it with the Iraqi government. I sought the help of both Sayyid Rashid Ali al-Kaylani and Taha Pasha al-Hashimi, who made strenuous efforts with His Highness the Regent and the members of the cabinet. An Iraqi delegation was then sent to meet King Abd al-Aziz and worked to resolve the problems and remove the disagreement.

Analysis

This page describes the intensifying Iraqi conflict, Newcombe’s effort to secure Palestinian acceptance of the White Paper, and the narrator’s work toward Saudi-Iraqi reconciliation. It is especially significant for the memoir’s use of McMahon’s pledges and alleged British betrayal to frame Arab unity and independence. The page closes the mediation account without a grammatical continuation. The envoy’s mission, treaty history, border dispute, and political claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وبعد ذلك اشتد الصراع بين المخلصين من رجال العراق الداعين إلى الحياد والتزام حدود المعاهدة العراقية البريطانية، والمشفقين على العراق والعرب أن يسخروا وتستغل بلادهم في سبيل الاستعمار، وبين الإنكليز وأنصارهم الذين كانوا يحاولون تسخير العراق والعرب لصالح بريطانيا، دون أي تأكيد منها لصالحهم أو ضمان لاستقلالهم وحريتهم.

وفي غضون تلك الفترة قدم بغداد الكولونيل «نيوكمب» الذي عرف بصلته هو وزميله «لورانس» بالثورة العربية الأولى التي حمل لواءها المغفور له الملك حسين بن علي شريف مكة على أساس اعتراف بريطانيا باستقلال جميع البلاد العربية بموجب عهود مكماهون المقطوعة للحسين والتي نقضتها بريطانيا قبل أن يجف مدادها، جاء «نيوكمب» مندوباً من قبل اللورد لويد وزير المستعمرات للاتصال بالزعماء الفلسطينيين والعراقيين، والبحث معهم في القضايا العربية عامة وقضية فلسطين خاصة، وحملهم على التعاون مع بريطانيا وحلفائها، واتصل نيوكمب بوزير الخارجية نوري باشا الذي دعاني وبعض أعضاء اللجنة العربية لبحث مهمته، وتتلخص في أن يعلن الفلسطينيون اعترافهم بالكتاب الأبيض ويتعاونوا مع الإنكليز على أساس السياسة التي حددها ذلك الكتاب.

لم أقبل نيوكمب ولكن مساعيه لم تسفر عن نتيجة لأن بريطانيا عجزت حتى عن تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض لمقاومة اليهود لها.

ولهذه المناسبة أثار أحرار العرب في العراق فكرة الوحدة العربية ضالتهم التي كانوا ينشدونها باستمرار وقد لمست منهم منذ وصولي إلى بغداد الشعور بالحاجة إليها والرغبة في تحقيقها، وكانوا يرون أن الحرب العالمية الثانية قد تكون مواتية للعمل على تحقيقها، وأنه ينبغي البدء بالعمل على إزالة ما بين المملكة العربية السعودية والعراق من جفاء، وكان الخلاف في ذلك الحين قائماً على الحدود، وشؤون بعض القبائل التي تقطن كلتا المملكتين، من عشائر شمر، وطلبوا مني أن أساهم بما أستطيع في هذا الأمر الذي سبق أن عرضه وفدنا على المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٣٧، فرحب به وشجعنا على المضي فيه، وعهد جلالته إلي حينئذ بمحادثة الحكومة العراقية بشأنه، فاستعنت بكل من السيد رشيد عالي الكيلاني، وطه باشا الهاشمي اللذين قاما بمساع حثيثة لدى سمو الوصي وأعضاء الوزارة، ثم أرسل وفد عراقي لمقابلة الملك عبد العزيز فعمل على تصفية المشاكل وإزالة الخلاف.