ومن طريف ما عرفته بعد عودة الوفد، أن مستر «دومفيل» مدير المخابرات البريطانية، دس نفسه خلسة في الطائرة، للتجسس على الوفد وإقامة العراقيل في سبيل مساعيه لوحدة العرب وجمع كلمتهم.
وقد كان لدومفيل هذا نشاط كبير في العراق وبيوت عديدة في مختلف أحياء بغداد يستقبل كل صنف من الناس في بيت منها، وكان يجيد اللغة العربية باللهجة العراقية، ولم يقتصر نشاطه على العراق بل عمل في فلسطين بضع سنين كما عمل في لبنان ومصر، ولقد عرفته في فلسطين، إذ زارني مرتين بواسطة الأستاذ عيسى البندك في ديوان المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس، متحلاً صفة مراسل جريدة الديلي اكسبريس وقدم إلي أسئلة عديدة بشأن قضية فلسطين أجبت عليها، وفي المرة الثانية جلس بالقرب من مكتبي وكان عليه بعض الرسائل فجعل يعن النظر فيها ويتابع سطورها، مما استرعى انتباهي، ولكن زيارته الثالثة والأخيرة فضحت أمره إذ جاء لمقابلتي مع الأستاذ عيسى أيضاً، وكان عندي بعض الزائرين فطلب منه الموظف المختص أن ينتظر في غرفة الاستقبال، ولكنه دخل غرفة سكرتير المجلس المجاورة لغرفتي، وانتهز فرصة خلوها فبادر يقلب الأوراق والملفات ليطلع على ما يهمه منها، وبينما كان منهمكاً في ذلك دخل فجأة سكرتير المجلس، وكان حينئذ الأستاذ جمال الحسيني، فأوسعه تأنيباً وتقريعاً وطرده، فخرج دون أن يقابلني، ثم ظهر بعد ذلك أنه المستر دومفيل مدير مخابرات الجيش البريطاني.
وبعد أن جئت إلى مصر وأوروبا قدم دومفيل لزيارتي في بيتي بحلمية الزيتون، وهنأني بعودتي من أوروبا، ولما قال لي: نحن الإنكليز لا نلومك على خصومتك لنا، بل نحترمك لأننا نعلم أنك إنما تعمل في سبيل بلادك، ولكننا نلومك على ذهابك إلى ألمانيا وتعاونك معها، فإن هذا خطأ كبير، فرددت عليه بقولي إنه يكون خطأ بل خيانة لو صدر عن إنكليزي، أما صدوره عن عربي أنزلت بريطانيا في وطنه من الظلم ما لم يعرف التاريخ له مثيلاً فلا يكون خطأ بل هو صواب وسداد.. فأفحم.
وأغرب ما حدث من دومفيل هذا أنه بعد ما قضى في أعمال المخابرات البريطانية في لبنان مدة من الزمن جاء إلى مصر عام ١٩٥٠ في حالة كئيبة وملابس رثة مدعياً أن الإنكليز أقالوه من منصبه لفرط ميله إلى العرب... وأنه أصبح في بؤس شديد، وأقام في غرفة حقيرة على سطح إحدى العمارات في مصر الجديدة ليوهم الناس بصحة مزاعمه، وكان يقترض ثمن فنجان القهوة من بعض معارفه.