مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 61

Normalized
transcript

ومن طريف ما عرفته بعد عودة الوفد، أن مستر «دومفيل» مدير المخابرات البريطانية، دس نفسه خلسة في الطائرة، للتجسس على الوفد وإقامة العراقيل في سبيل مساعيه لوحدة العرب وجمع كلمتهم.

وقد كان لدومفيل هذا نشاط كبير في العراق وبيوت عديدة في مختلف أحياء بغداد يستقبل كل صنف من الناس في بيت منها، وكان يجيد اللغة العربية باللهجة العراقية، ولم يقتصر نشاطه على العراق بل عمل في فلسطين بضع سنين كما عمل في لبنان ومصر، ولقد عرفته في فلسطين، إذ زارني مرتين بواسطة الأستاذ عيسى البندك في ديوان المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس، متحلاً صفة مراسل جريدة الديلي اكسبريس وقدم إلي أسئلة عديدة بشأن قضية فلسطين أجبت عليها، وفي المرة الثانية جلس بالقرب من مكتبي وكان عليه بعض الرسائل فجعل يعن النظر فيها ويتابع سطورها، مما استرعى انتباهي، ولكن زيارته الثالثة والأخيرة فضحت أمره إذ جاء لمقابلتي مع الأستاذ عيسى أيضاً، وكان عندي بعض الزائرين فطلب منه الموظف المختص أن ينتظر في غرفة الاستقبال، ولكنه دخل غرفة سكرتير المجلس المجاورة لغرفتي، وانتهز فرصة خلوها فبادر يقلب الأوراق والملفات ليطلع على ما يهمه منها، وبينما كان منهمكاً في ذلك دخل فجأة سكرتير المجلس، وكان حينئذ الأستاذ جمال الحسيني، فأوسعه تأنيباً وتقريعاً وطرده، فخرج دون أن يقابلني، ثم ظهر بعد ذلك أنه المستر دومفيل مدير مخابرات الجيش البريطاني.

وبعد أن جئت إلى مصر وأوروبا قدم دومفيل لزيارتي في بيتي بحلمية الزيتون، وهنأني بعودتي من أوروبا، ولما قال لي: نحن الإنكليز لا نلومك على خصومتك لنا، بل نحترمك لأننا نعلم أنك إنما تعمل في سبيل بلادك، ولكننا نلومك على ذهابك إلى ألمانيا وتعاونك معها، فإن هذا خطأ كبير، فرددت عليه بقولي إنه يكون خطأ بل خيانة لو صدر عن إنكليزي، أما صدوره عن عربي أنزلت بريطانيا في وطنه من الظلم ما لم يعرف التاريخ له مثيلاً فلا يكون خطأ بل هو صواب وسداد.. فأفحم.

وأغرب ما حدث من دومفيل هذا أنه بعد ما قضى في أعمال المخابرات البريطانية في لبنان مدة من الزمن جاء إلى مصر عام ١٩٥٠ في حالة كئيبة وملابس رثة مدعياً أن الإنكليز أقالوه من منصبه لفرط ميله إلى العرب... وأنه أصبح في بؤس شديد، وأقام في غرفة حقيرة على سطح إحدى العمارات في مصر الجديدة ليوهم الناس بصحة مزاعمه، وكان يقترض ثمن فنجان القهوة من بعض معارفه.

English
translation

One of the curious things I learned after the delegation returned was that Mr. “Domville,” director of British intelligence, had secretly slipped aboard the plane to spy on the delegation and place obstacles in the way of its efforts to unite the Arabs and bring them together.

This Domville was very active in Iraq and had numerous houses in different districts of Baghdad, receiving each kind of visitor in a separate house. He spoke Arabic fluently in the Iraqi dialect. His activities were not confined to Iraq: he also worked in Palestine for several years, as well as in Lebanon and Egypt. I had known him in Palestine, where he visited me twice through Ustadh Isa al-Bandak at the offices of the Supreme Muslim Council in Jerusalem, posing as a correspondent for the Daily Express. He put many questions to me about the Palestine cause, which I answered. On the second occasion he sat near my desk, on which there were some letters, and began scrutinizing them and following their lines, which caught my attention. But his third and final visit exposed him. He came to see me, again with Ustadh Isa, while I had some visitors. The official concerned asked him to wait in the reception room, but he entered the office of the Council’s secretary next to mine. Taking advantage of its being empty, he immediately began turning over papers and files to examine whatever interested him. While he was engrossed in this, the Council’s secretary, then Ustadh Jamal al-Husayni, suddenly entered, severely rebuked and reprimanded him, and threw him out. He left without seeing me. It later emerged that he was Mr. Domville, director of British army intelligence.

After I had come to Egypt and Europe, Domville came to visit me at my home in Hilmiyyat al-Zaytun and congratulated me on my return from Europe. He said to me: We English do not blame you for your hostility toward us; rather, we respect you because we know that you work only for your country’s sake. But we blame you for going to Germany and cooperating with it, for that was a grave mistake. I replied that it would be a mistake, indeed treason, if done by an Englishman. But for an Arab upon whose homeland Britain had inflicted injustice unparalleled in history, it was no mistake, but right and sound conduct.. He was silenced.

The strangest thing this Domville did was to come to Egypt in 1950, after spending some time working for British intelligence in Lebanon, in a miserable state and shabby clothes. He claimed that the English had dismissed him from his post because of his excessive sympathy for the Arabs... and that he had fallen into dire poverty. He lodged in a wretched room on the roof of a building in Heliopolis to make people believe his claims, and would borrow the price of a cup of coffee from some of his acquaintances.

Analysis

This page presents the memoirist’s extended account of Domville as a British intelligence operative working across Iraq, Palestine, Lebanon, and Egypt. It is especially significant for the alleged surveillance of the Supreme Muslim Council, the narrator’s defense of cooperation with Germany as an Arab response to British rule, and the later story of Domville’s claimed poverty and dismissal. These episodes are personal testimony and accusation, not independently verified evidence; names, dates, motives, and intelligence roles remain source-owned.

Raw transcript

ومن طريف ما عرفته بعد عودة الوفد، أن مستر «دومفيل» مدير المخابرات البريطانية، دس نفسه خلسة في الطائرة، للتجسس على الوفد وإقامة العراقيل في سبيل مساعيه لوحدة العرب وجمع كلمتهم.

وقد كان لدومفيل هذا نشاط كبير في العراق وبيوت عديدة في مختلف أحياء بغداد يستقبل كل صنف من الناس في بيت منها، وكان يجيد اللغة العربية باللهجة العراقية، ولم يقتصر نشاطه على العراق بل عمل في فلسطين بضع سنين كما عمل في لبنان ومصر، ولقد عرفته في فلسطين، إذ زارني مرتين بواسطة الأستاذ عيسى البندك في ديوان المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس، متحلاً صفة مراسل جريدة الديلي اكسبريس وقدم إلي أسئلة عديدة بشأن قضية فلسطين أجبت عليها، وفي المرة الثانية جلس بالقرب من مكتبي وكان عليه بعض الرسائل فجعل يعن النظر فيها ويتابع سطورها، مما استرعى انتباهي، ولكن زيارته الثالثة والأخيرة فضحت أمره إذ جاء لمقابلتي مع الأستاذ عيسى أيضاً، وكان عندي بعض الزائرين فطلب منه الموظف المختص أن ينتظر في غرفة الاستقبال، ولكنه دخل غرفة سكرتير المجلس المجاورة لغرفتي، وانتهز فرصة خلوها فبادر يقلب الأوراق والملفات ليطلع على ما يهمه منها، وبينما كان منهمكاً في ذلك دخل فجأة سكرتير المجلس، وكان حينئذ الأستاذ جمال الحسيني، فأوسعه تأنيباً وتقريعاً وطرده، فخرج دون أن يقابلني، ثم ظهر بعد ذلك أنه المستر دومفيل مدير مخابرات الجيش البريطاني.

وبعد أن جئت إلى مصر وأوروبا قدم دومفيل لزيارتي في بيتي بحلمية الزيتون، وهنأني بعودتي من أوروبا، ولما قال لي: نحن الإنكليز لا نلومك على خصومتك لنا، بل نحترمك لأننا نعلم أنك إنما تعمل في سبيل بلادك، ولكننا نلومك على ذهابك إلى ألمانيا وتعاونك معها، فإن هذا خطأ كبير، فرددت عليه بقولي إنه يكون خطأ بل خيانة لو صدر عن إنكليزي، أما صدوره عن عربي أنزلت بريطانيا في وطنه من الظلم ما لم يعرف التاريخ له مثيلاً فلا يكون خطأ بل هو صواب وسداد.. فأفحم.

وأغرب ما حدث من دومفيل هذا أنه بعد ما قضى في أعمال المخابرات البريطانية في لبنان مدة من الزمن جاء إلى مصر عام ١٩٥٠ في حالة كئيبة وملابس رثة مدعياً أن الإنكليز أقالوه من منصبه لفرط ميله إلى العرب... وأنه أصبح في بؤس شديد، وأقام في غرفة حقيرة على سطح إحدى العمارات في مصر الجديدة ليوهم الناس بصحة مزاعمه، وكان يقترض ثمن فنجان القهوة من بعض معارفه.