ولما بلغني خبره وحالة فقره وعوزه قلت: إنها قديمة ومعروفة سبقه إليها مستر سترلنج مدير المخابرات البريطانية الشهير في سورية فقد لجأ إلى حلب إلى المغفور له سعد الله الجابري رئيس الوزارة السورية حينئذ وكان في مثل حالة دومفيل في ملابسه المهلهلة وفي غرفته الحقيرة على السطح، وزاد عليه بأنه كان يصطحب امرأته وكانت في مثل حالته البائسة، والتمس من السيد الجابري عملاً لامرأته، فأشفق عليه وأمر بتعيينها ممرضة في مستشفى ليعيشا من مرتبها الضئيل.
ثم تبين فيما بعد أن هذا البائس سترلنج كان يعمل مديراً للمخابرات البريطانية في بادية الشام وبادية العراق ويتصل بالعشائر السورية والعراقية ويعمل على إثارة الفتن بينها، وعلى تسخيرها بواسطة من يستطيع اشتراءهم من شيوخها ورؤسائها، وينفق في سبيل ذلك عن سعة أموالاً وفيرة، ولما فضح أمره هجر حلب إلى دمشق وأخذ يقوم فيها بمهمته ولكنه في حالة أخرى من اليسر والبذخ، إلى أن ضاقت به سورية ذرعاً، وأطلق عليه بعض الوطنيين النار فجرح جروحاً بالغة غادر سورية على إثرها إلى غير رجعة.
ولعل قصة سترلنج لم تكن قد وصلت إلى القاهرة عندما استطاع دومفيل أن يخدع الناس وما أكثر من تنطلي عليهم مثل هذه الحيل بيننا معشر العرب.
تتابعت الأحداث الخطيرة في العراق وبرز في ميدانه فريقان يختصمان، أما أحدهما فالإنكليز وأتباعهم الذين ربطوا مصائرهم بهم، والإنكليز يعرفون قيمة العراق الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية وما فيه من ثروات عظيمة فهم يطمعون في الاستيلاء عليها، ويرغبون في تسخير العراق واستغلاله لصالحهم في الحرب والسلم، وأما الآخر فصفوة الأحرار المخلصين الذين يقدرون هذا القطر العربي الذي كانت عاصمته بغداد مركز الخلافة الإسلامية في دولة العباسيين، التي بلغ العراق خلالها شأناً عظيماً من العمران والحضارة، والذي ذكر المؤرخون عنه أن المسافر من بغداد إلى «الرقة» والمسافة بينهما تزيد على خمسمائة كيلومتر، كان لا يسير إلا في ظلال الأشجار الباسقة، والذي تبلغ مساحة أراضيه اليوم نحو (١٧٤) ألف ميل مربع، أي قرابة ضعف مساحة بريطانيا بما فيها اسكتلندا وويلز وشمال إيرلندة، وقد قدر المهندس العالمي الشهير «ويلكوكس» أن فيه من الأراضي الخصبة نحو ثمانية عشر مليون فدان، يستطيع ريها في يسر وسهولة من نهري دجلة والفرات وروافدهما العديدة، أضف إلى ذلك ما يتدفق فيه من نفط غزير، تسرب أكثر خيراته إلى خزائن الشركات الاستعمارية، وهذه الشركات تحاول أن تستحوذ على ثروة أخرى تضارع ثروة البترول