مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 62

Normalized
transcript

ولما بلغني خبره وحالة فقره وعوزه قلت: إنها قديمة ومعروفة سبقه إليها مستر سترلنج مدير المخابرات البريطانية الشهير في سورية فقد لجأ إلى حلب إلى المغفور له سعد الله الجابري رئيس الوزارة السورية حينئذ وكان في مثل حالة دومفيل في ملابسه المهلهلة وفي غرفته الحقيرة على السطح، وزاد عليه بأنه كان يصطحب امرأته وكانت في مثل حالته البائسة، والتمس من السيد الجابري عملاً لامرأته، فأشفق عليه وأمر بتعيينها ممرضة في مستشفى ليعيشا من مرتبها الضئيل.

ثم تبين فيما بعد أن هذا البائس سترلنج كان يعمل مديراً للمخابرات البريطانية في بادية الشام وبادية العراق ويتصل بالعشائر السورية والعراقية ويعمل على إثارة الفتن بينها، وعلى تسخيرها بواسطة من يستطيع اشتراءهم من شيوخها ورؤسائها، وينفق في سبيل ذلك عن سعة أموالاً وفيرة، ولما فضح أمره هجر حلب إلى دمشق وأخذ يقوم فيها بمهمته ولكنه في حالة أخرى من اليسر والبذخ، إلى أن ضاقت به سورية ذرعاً، وأطلق عليه بعض الوطنيين النار فجرح جروحاً بالغة غادر سورية على إثرها إلى غير رجعة.

ولعل قصة سترلنج لم تكن قد وصلت إلى القاهرة عندما استطاع دومفيل أن يخدع الناس وما أكثر من تنطلي عليهم مثل هذه الحيل بيننا معشر العرب.

تتابعت الأحداث الخطيرة في العراق وبرز في ميدانه فريقان يختصمان، أما أحدهما فالإنكليز وأتباعهم الذين ربطوا مصائرهم بهم، والإنكليز يعرفون قيمة العراق الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية وما فيه من ثروات عظيمة فهم يطمعون في الاستيلاء عليها، ويرغبون في تسخير العراق واستغلاله لصالحهم في الحرب والسلم، وأما الآخر فصفوة الأحرار المخلصين الذين يقدرون هذا القطر العربي الذي كانت عاصمته بغداد مركز الخلافة الإسلامية في دولة العباسيين، التي بلغ العراق خلالها شأناً عظيماً من العمران والحضارة، والذي ذكر المؤرخون عنه أن المسافر من بغداد إلى «الرقة» والمسافة بينهما تزيد على خمسمائة كيلومتر، كان لا يسير إلا في ظلال الأشجار الباسقة، والذي تبلغ مساحة أراضيه اليوم نحو (١٧٤) ألف ميل مربع، أي قرابة ضعف مساحة بريطانيا بما فيها اسكتلندا وويلز وشمال إيرلندة، وقد قدر المهندس العالمي الشهير «ويلكوكس» أن فيه من الأراضي الخصبة نحو ثمانية عشر مليون فدان، يستطيع ريها في يسر وسهولة من نهري دجلة والفرات وروافدهما العديدة، أضف إلى ذلك ما يتدفق فيه من نفط غزير، تسرب أكثر خيراته إلى خزائن الشركات الاستعمارية، وهذه الشركات تحاول أن تستحوذ على ثروة أخرى تضارع ثروة البترول

English
translation

When I heard of him and his poverty and need, I said: This is an old and familiar trick, in which he was preceded by Mr. Stirling, the well-known director of British intelligence in Syria. He had sought refuge in Aleppo with the late Saad Allah al-Jabiri, then the Syrian Prime Minister, and was in much the same condition as Domville, with his tattered clothes and wretched rooftop room. He went further by bringing his wife, who was in the same miserable state. He asked Sayyid al-Jabiri to find work for his wife, and al-Jabiri took pity on him and ordered that she be appointed as a nurse in a hospital so that they could live on her meager salary.

It later emerged that this destitute Stirling was working as director of British intelligence in the Syrian and Iraqi deserts, making contact with Syrian and Iraqi tribes, stirring up strife among them, and pressing them into service through whichever of their sheikhs and leaders he could buy, spending lavish sums for that purpose. When he was exposed, he left Aleppo for Damascus and began carrying out his mission there, but now in circumstances of ease and extravagance. Eventually Syria could bear him no longer, and some patriots opened fire on him, wounding him severely. He then left Syria, never to return.

Perhaps Stirling’s story had not reached Cairo when Domville managed to deceive people. How many among us Arabs fall for such tricks!

Grave events followed one another in Iraq, and two contending camps emerged there. One consisted of the English and their followers, who had tied their destinies to them. The English knew Iraq’s economic, geographical and strategic value and its great riches, and coveted possession of them. They wished to press Iraq into service and exploit it to their advantage in war and peace. The other camp consisted of the finest sincere advocates of freedom, who appreciated this Arab country, whose capital, Baghdad, had been the seat of the Islamic caliphate under the Abbasid dynasty, during which Iraq had attained great heights of development and civilization. Historians said that a traveler from Baghdad to “Raqqa,” a distance of more than five hundred kilometers, would travel entirely in the shade of towering trees. Its land area today is some 174,000 square miles, nearly twice the area of Britain including Scotland, Wales and Northern Ireland. The internationally renowned engineer “Willcocks” estimated that it contained some eighteen million feddans of fertile land that could readily and easily be irrigated from the Tigris, the Euphrates and their many tributaries. Add to this the abundant oil flowing there, most of whose benefits have drained into the coffers of the colonial companies. These companies are trying to take possession of another resource that rivals the oil wealth

Analysis

This page develops a parallel intelligence anecdote about Stirling and then shifts to a broad economic and historical account of Iraq. It is especially significant for the contrast between the memoir’s allegations of British manipulation of tribes and its argument that Iraq’s geography, agriculture, oil, and Abbasid history made it strategically valuable to colonial companies. The final sentence continues onto page 63. The allegations, measurements, attribution to Willcocks, and historical framing remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ولما بلغني خبره وحالة فقره وعوزه قلت: إنها قديمة ومعروفة سبقه إليها مستر سترلنج مدير المخابرات البريطانية الشهير في سورية فقد لجأ إلى حلب إلى المغفور له سعد الله الجابري رئيس الوزارة السورية حينئذ وكان في مثل حالة دومفيل في ملابسه المهلهلة وفي غرفته الحقيرة على السطح، وزاد عليه بأنه كان يصطحب امرأته وكانت في مثل حالته البائسة، والتمس من السيد الجابري عملاً لامرأته، فأشفق عليه وأمر بتعيينها ممرضة في مستشفى ليعيشا من مرتبها الضئيل.

ثم تبين فيما بعد أن هذا البائس سترلنج كان يعمل مديراً للمخابرات البريطانية في بادية الشام وبادية العراق ويتصل بالعشائر السورية والعراقية ويعمل على إثارة الفتن بينها، وعلى تسخيرها بواسطة من يستطيع اشتراءهم من شيوخها ورؤسائها، وينفق في سبيل ذلك عن سعة أموالاً وفيرة، ولما فضح أمره هجر حلب إلى دمشق وأخذ يقوم فيها بمهمته ولكنه في حالة أخرى من اليسر والبذخ، إلى أن ضاقت به سورية ذرعاً، وأطلق عليه بعض الوطنيين النار فجرح جروحاً بالغة غادر سورية على إثرها إلى غير رجعة.

ولعل قصة سترلنج لم تكن قد وصلت إلى القاهرة عندما استطاع دومفيل أن يخدع الناس وما أكثر من تنطلي عليهم مثل هذه الحيل بيننا معشر العرب.

تتابعت الأحداث الخطيرة في العراق وبرز في ميدانه فريقان يختصمان، أما أحدهما فالإنكليز وأتباعهم الذين ربطوا مصائرهم بهم، والإنكليز يعرفون قيمة العراق الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية وما فيه من ثروات عظيمة فهم يطمعون في الاستيلاء عليها، ويرغبون في تسخير العراق واستغلاله لصالحهم في الحرب والسلم، وأما الآخر فصفوة الأحرار المخلصين الذين يقدرون هذا القطر العربي الذي كانت عاصمته بغداد مركز الخلافة الإسلامية في دولة العباسيين، التي بلغ العراق خلالها شأناً عظيماً من العمران والحضارة، والذي ذكر المؤرخون عنه أن المسافر من بغداد إلى «الرقة» والمسافة بينهما تزيد على خمسمائة كيلومتر، كان لا يسير إلا في ظلال الأشجار الباسقة، والذي تبلغ مساحة أراضيه اليوم نحو (١٧٤) ألف ميل مربع، أي قرابة ضعف مساحة بريطانيا بما فيها اسكتلندا وويلز وشمال إيرلندة، وقد قدر المهندس العالمي الشهير «ويلكوكس» أن فيه من الأراضي الخصبة نحو ثمانية عشر مليون فدان، يستطيع ريها في يسر وسهولة من نهري دجلة والفرات وروافدهما العديدة، أضف إلى ذلك ما يتدفق فيه من نفط غزير، تسرب أكثر خيراته إلى خزائن الشركات الاستعمارية، وهذه الشركات تحاول أن تستحوذ على ثروة أخرى تضارع ثروة البترول