١٨ أبريل سنة ١٩٤١، تم نزول الفرقة المذكورة في البصرة، ولما طالبت السلطات العراقية السفارة البريطانية باحترام نصوص المعاهدة، واحترام تعهداتها وتأكيداتها القاطعة بخروج الفرقة الهندية من العراق كان الجواب على ذلك أن استقدمت بريطانيا قوة عسكرية أخرى أنزلتها في ميناء البصرة يوم ٢٩ أبريل.
ولما احتجت الحكومة العراقية على هذا العمل بشدة، كان جواب بريطانيا أن أمرت قواتها باحتلال البصرة، وعينت لها حاكماً عسكرياً بريطانياً، وأرسلت جانباً من قواتها المدرعة إلى مطار الحبانية العسكري الذي كان في يد الإنكليز، وهو لا يبعد عن بغداد بأكثر من ثمانين ميلاً، فعل الإنكليز ذلك قبل أن يقع بينهم وبين القوات العراقية أي اصطدام.
وهكذا قدمت بريطانيا دليلاً جديداً على نكثها بالعهود والمواثيق، وأن المعاهدات في نظرها ليست أكثر من قصاصات ورق لا قيمة لها إلا بمقدار ما تفيده منها.
وقد سمعت من الأستاذ أنطونيوس، قبل وقوع الحرب بين العراق وبريطانيا، تقديراً وثناء على الحكومة العراقية ورجال جيشها، وإعجاباً بموقفهم السلمي وتقديراً لجهودي المتواضعة في هذا السبيل، ثم بلغني فيما بعد عندما كنت في فرنسا وطلبت بعض الدول المعادية بتقديمي إلى محكمة «نورمبرج» لمحاكمتي كمجرم حرب، أن الأستاذ جورج أنطونيوس كان قدم تقريراً وافياً عن حوادث العراق خلال الأزمة المذكورة وما تلاها من مواقف وحوادث، وأنه أورد في تقريره دلائل قاطعة على نيات السلطات العراقية السلمية، وأنها لم تكن تسعى إلى الحرب بل كانت تحاول اجتنابها (وسيأتي ذكر هذا التقرير والحوادث التي يشير إليها في مكان آخر من هذه المذكرات).
وعندما جئت مصر بعد عودتي من فرنسا، اجتمعت بالدكتور فاضل الجمالي في دار المفوضية العراقية بالقاهرة عام ١٩٤٧، وسألته بحضور كل من المغفور له السيد تحسين العسكري وزير العراق المفوض حينئذ، والأستاذ السيد رجائي الحسيني (١) عن مبلغ علمه بتقرير أنطونيوس هذا فقال: «نعم سمعت بهذا التقرير وأعلم أن الحكومة العراقية طلبت مراراً من الحكومة البريطانية الحصول على نسخة منه، ولكنها لم تستجب إلى الطلب حتى الآن».
(١) رجائي الحسيني: من القدس، سياسي نشط في الحركة الوطنية الفلسطينية، وزير في حكومة عموم فلسطين ١٩٤٨.