مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 68

Normalized
transcript

في الطائرة إلى الاطلاع على حقيبة أوراقه ثم سلمها بما فيها من الوثائق السرية واتفاقيات الأسلحة، إلى السفارة البريطانية في بغداد...

وفيما بعد طالبت إحدى الحكومات العراقية، بريطانيا بإصرار بتسليح الجيش العراقي، ولما يئست منها، اشترت بعض الطائرات الحربية من الولايات المتحدة الأمريكية بعد مطل وتسويف طويل، وأخيراً وصلت الطائرات الحربية المطاردة من أمريكا إلى مطار بغداد واستقبلت بحفاوة وابتهاج ولكن الدهشة عقدت الألسن عندما ظهر أن هذه الطائرات لم تكن تحمل أي سلاح.. ووعدت أمريكا أن ترسل الأسلحة الخاصة بهذه الطائرات في أمد قصير، ولكن انقضى الأمد القصير والأمد الطويل وبقيت الطائرات دون سلاح، فلا هي أجدت في الحرب ولا صلحت للنقل.

ومن طريف ما فعلته بريطانيا في العراق خلال الحرب، أنها وضعت يدها على مصنعين لصنع البنادق والذخيرة، كانت الحكومة العراقية أنشأتهما بعد جهود حثيثة، واستولت عليها بصفة الاستعارة، وبعد أن استغلتهما مدة الحرب لم تلبث أن قضت عليهما وعفت على آثارهما.

وهذا الحادث يذكرني بمثيل له في مصر فإن بريطانيا التي تعهدت لمصر في معاهدة ١٩٣٦، بتسليح جيشها ودعمه، واضطرت إلى تسليح فرقة واحدة منه قبيل الحرب العالمية الثانية، عادت خلال الحرب فاستعادت من الحكومة المصرية هذا السلاح واستردت بالشمال ما أعطته باليمين، رغم انقضاء سنين طويلة على معاهدة بريطانيا مع العراق ومصر بتسليح جيشيهما، فإنها لم تف بعهودها.

وكما أن موقف المستعمرين كان واحداً من حيث مقاومتهم لتسليح العراق فإن موقفهم كان واحداً أيضاً من حيث قيامهم بضغط اقتصادي شديد على الحكومات الوطنية، فإنهم في العراق قاموا بمثل ذلك الضغط إذ امتنعوا عن شراء التمر، وهو عماد ثروة العراق، بقصد إيجاد أزمات اقتصادية وفتن داخلية وزعزعة المركز المالي العراقي، لكن الحكومة العراقية في ذلك الحين، استطاعت أن تعقد صفقات موفقة مع اليابان لبيع التمر والقطن، وبأسعار أعلى مما كانت تدفعه بريطانيا، وهكذا انفرجت الأزمة وباءت سياسة الضغط الاستعماري بالفشل.

ولعل فيما أوردته عبرة للمخدوعين من العرب والمسلمين، الذين لا يزالون يجرون وراء سراب الاستعمار، يمنون أنفسهم ويخدعون شعوبهم، بالوصول إلى القوة

English
translation

to inspect his document case aboard the plane, then handed it, with its secret documents and arms agreements, to the British embassy in Baghdad...

Later, one of the Iraqi governments pressed Britain insistently to arm the Iraqi army. When it lost hope in Britain, it bought some warplanes from the United States of America after lengthy delays and procrastination. At last the fighter planes arrived from America at Baghdad airport and were received with enthusiasm and rejoicing. But astonishment struck everyone speechless when it emerged that these planes carried no weapons.. America promised to send their weapons shortly, but both a short and a long time passed and the planes remained unarmed, useful neither in war nor for transport.

One of the curious things Britain did in Iraq during the war was to take possession of two factories for making rifles and ammunition, which the Iraqi government had established after strenuous efforts. Britain took them over as a loan. After exploiting them throughout the war, it proceeded to destroy them and obliterate their traces.

This incident reminds me of a similar one in Egypt. Britain, which had pledged in the treaty of 1936 to arm and support Egypt’s army, and had been obliged to arm one of its divisions shortly before the Second World War, took those weapons back from the Egyptian government during the war, taking back with its left hand what it had given with its right. Although many years had passed since Britain’s treaties with Iraq and Egypt to arm their armies, it had not fulfilled its pledges.

Just as the colonialists took the same stance in opposing Iraq’s armament, they also took the same stance in exerting severe economic pressure on national governments. They applied such pressure in Iraq by refusing to buy dates, the mainstay of Iraq’s wealth, intending to create economic crises and internal strife and undermine Iraq’s financial position. But the Iraqi government at that time managed to conclude successful deals with Japan to sell dates and cotton at prices higher than Britain had paid. Thus the crisis eased, and the policy of colonial pressure failed.

Perhaps what I have recounted offers a lesson to those deluded Arabs and Muslims who still chase the mirage of colonialism, beguiling themselves and deceiving their peoples with hopes of attaining strength

Analysis

This page continues the armament argument through claims about unarmed American aircraft, British seizure and destruction of Iraqi weapons factories, and economic pressure through refusal to buy Iraqi dates. It is especially significant for the memoir’s parallel between Iraq and Egypt and for its explanation of how colonial pressure is said to operate through military supply and markets. The stray Defense Party footnote was removed after direct witness inspection and does not belong to this page. The final sentence continues onto page 69; all claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

في الطائرة إلى الاطلاع على حقيبة أوراقه ثم سلمها بما فيها من الوثائق السرية واتفاقيات الأسلحة، إلى السفارة البريطانية في بغداد...

وفيما بعد طالبت إحدى الحكومات العراقية، بريطانيا بإصرار بتسليح الجيش العراقي، ولما يئست منها، اشترت بعض الطائرات الحربية من الولايات المتحدة الأمريكية بعد مطل وتسويف طويل، وأخيراً وصلت الطائرات الحربية المطاردة من أمريكا إلى مطار بغداد واستقبلت بحفاوة وابتهاج ولكن الدهشة عقدت الألسن عندما ظهر أن هذه الطائرات لم تكن تحمل أي سلاح.. ووعدت أمريكا أن ترسل الأسلحة الخاصة بهذه الطائرات في أمد قصير، ولكن انقضى الأمد القصير والأمد الطويل وبقيت الطائرات دون سلاح، فلا هي أجدت في الحرب ولا صلحت للنقل.

ومن طريف ما فعلته بريطانيا في العراق خلال الحرب، أنها وضعت يدها على مصنعين لصنع البنادق والذخيرة، كانت الحكومة العراقية أنشأتهما بعد جهود حثيثة، واستولت عليها بصفة الاستعارة، وبعد أن استغلتهما مدة الحرب لم تلبث أن قضت عليهما وعفت على آثارهما.

وهذا الحادث يذكرني بمثيل له في مصر فإن بريطانيا التي تعهدت لمصر في معاهدة ١٩٣٦، بتسليح جيشها ودعمه، واضطرت إلى تسليح فرقة واحدة منه قبيل الحرب العالمية الثانية، عادت خلال الحرب فاستعادت من الحكومة المصرية هذا السلاح واستردت بالشمال ما أعطته باليمين، رغم انقضاء سنين طويلة على معاهدة بريطانيا مع العراق ومصر بتسليح جيشيهما، فإنها لم تف بعهودها.

وكما أن موقف المستعمرين كان واحداً من حيث مقاومتهم لتسليح العراق فإن موقفهم كان واحداً أيضاً من حيث قيامهم بضغط اقتصادي شديد على الحكومات الوطنية، فإنهم في العراق قاموا بمثل ذلك الضغط إذ امتنعوا عن شراء التمر، وهو عماد ثروة العراق، بقصد إيجاد أزمات اقتصادية وفتن داخلية وزعزعة المركز المالي العراقي، لكن الحكومة العراقية في ذلك الحين، استطاعت أن تعقد صفقات موفقة مع اليابان لبيع التمر والقطن، وبأسعار أعلى مما كانت تدفعه بريطانيا، وهكذا انفرجت الأزمة وباءت سياسة الضغط الاستعماري بالفشل.

ولعل فيما أوردته عبرة للمخدوعين من العرب والمسلمين، الذين لا يزالون يجرون وراء سراب الاستعمار، يمنون أنفسهم ويخدعون شعوبهم، بالوصول إلى القوة