في الطائرة إلى الاطلاع على حقيبة أوراقه ثم سلمها بما فيها من الوثائق السرية واتفاقيات الأسلحة، إلى السفارة البريطانية في بغداد...
وفيما بعد طالبت إحدى الحكومات العراقية، بريطانيا بإصرار بتسليح الجيش العراقي، ولما يئست منها، اشترت بعض الطائرات الحربية من الولايات المتحدة الأمريكية بعد مطل وتسويف طويل، وأخيراً وصلت الطائرات الحربية المطاردة من أمريكا إلى مطار بغداد واستقبلت بحفاوة وابتهاج ولكن الدهشة عقدت الألسن عندما ظهر أن هذه الطائرات لم تكن تحمل أي سلاح.. ووعدت أمريكا أن ترسل الأسلحة الخاصة بهذه الطائرات في أمد قصير، ولكن انقضى الأمد القصير والأمد الطويل وبقيت الطائرات دون سلاح، فلا هي أجدت في الحرب ولا صلحت للنقل.
ومن طريف ما فعلته بريطانيا في العراق خلال الحرب، أنها وضعت يدها على مصنعين لصنع البنادق والذخيرة، كانت الحكومة العراقية أنشأتهما بعد جهود حثيثة، واستولت عليها بصفة الاستعارة، وبعد أن استغلتهما مدة الحرب لم تلبث أن قضت عليهما وعفت على آثارهما.
وهذا الحادث يذكرني بمثيل له في مصر فإن بريطانيا التي تعهدت لمصر في معاهدة ١٩٣٦، بتسليح جيشها ودعمه، واضطرت إلى تسليح فرقة واحدة منه قبيل الحرب العالمية الثانية، عادت خلال الحرب فاستعادت من الحكومة المصرية هذا السلاح واستردت بالشمال ما أعطته باليمين، رغم انقضاء سنين طويلة على معاهدة بريطانيا مع العراق ومصر بتسليح جيشيهما، فإنها لم تف بعهودها.
وكما أن موقف المستعمرين كان واحداً من حيث مقاومتهم لتسليح العراق فإن موقفهم كان واحداً أيضاً من حيث قيامهم بضغط اقتصادي شديد على الحكومات الوطنية، فإنهم في العراق قاموا بمثل ذلك الضغط إذ امتنعوا عن شراء التمر، وهو عماد ثروة العراق، بقصد إيجاد أزمات اقتصادية وفتن داخلية وزعزعة المركز المالي العراقي، لكن الحكومة العراقية في ذلك الحين، استطاعت أن تعقد صفقات موفقة مع اليابان لبيع التمر والقطن، وبأسعار أعلى مما كانت تدفعه بريطانيا، وهكذا انفرجت الأزمة وباءت سياسة الضغط الاستعماري بالفشل.
ولعل فيما أوردته عبرة للمخدوعين من العرب والمسلمين، الذين لا يزالون يجرون وراء سراب الاستعمار، يمنون أنفسهم ويخدعون شعوبهم، بالوصول إلى القوة