التي تواترت عنها الأخبار دالة على عظيم الفطنة وشديد الحذر. وبدأ حينئذ أن طه باشا قد اقتنع بقولي وبعد بضعة أشهر زف إلي البشرى بأنه استطاع أن يرصد في ميزانية وزارة الدفاع ألفاً أو ألفين من الدنانير لإنشاء إدارة مخابرات.. فلما سمعت منه هذا المبلغ الضئيل أيقنت أنه لم يدرك أهمية هذا الأمر ومبلغ خطورته!
ولكن رجالاً آخرين من العراقيين المسؤولين أدركوا أهمية المخابرات واستطاعوا بذلك أن يكشفوا جانباً من خطط الأعداء وأسرارهم. فمن ذلك الحادثة الطريفة الآتية:
التقطت المخابرات العراقية مساء الخميس أول مايو سنة ١٩٤١ محادثة تليفونية بين المعسكر البريطاني في الحبانية والسفارة البريطانية في بغداد جاء فيها «إن المستر بيلي سيعقد زواجه على مس كورنواليس غداً» وبيلي هذا كان مفتشاً بريطانياً في دائرة مصلحة البريد والتلغرافات، ومس كورنواليس هي ابنة السفير البريطاني الذي تم تعيينه أثناء الحوادث الأخيرة وكانت العبارة التي التقطت هي: Will Engage ومعناها عقد زواج في الظاهر، ولكن لها معنى آخر في الاصطلاح العسكري هو «الالتحام أو الهجوم». فانتبهت القيادة العراقية إلى المقصود من تلك العبارة، واتخذت الحيطة، ولم تؤخذ على غرة، وبالفعل فقد قام الإنكليز بهجوم مفاجئ على الجيش العراقي، في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي الجمعة ٢ مايو دون أي إنذار.
ومن الحق أن نقول أن الغفلة عن أهمية المخابرات كانت عامة في أكثر الأقطار العربية، وقد ذكرت في مناسبة سابقة بعض أعمال دومفيل، وأنه تولى أعمال مدير مخابرات الطيران في الجيش المصري في العهد السابق، وأذكر الآن ما هو أدهى من ذلك، فقد قابلت في ٢٤ نوفمبر سنة ١٩٥١ وزير الحربية المصرية بالنيابة أثناء اشتداد الأزمة بين مصر والإنكليز في قناة السويس بعد إلغاء معاهدة عام ١٩٣٦. وعرضت عليه استعداد الفلسطينيين للقيام بما يجب عليهم حيال مصر العزيزة في ذلك الموقف. وجرى خلال تلك المقابلة بحث عن المخابرات الأجنبية والطابور الخامس، فأسر إلي الوزير ما أدهشني، وهو أن المدير العام لمخابرات الجيش المصري، كان حتى الأسبوع الماضي إنكليزياً، وأن الوزير أخرجه قبل أسبوع فقط.
استطاع الطابور الخامس، الذي ذكرت طرفاً من جهوده الخطيرة آنفاً أن يصيب العراق بأذى كبير. وقد انضم إليه بعض الخائنين الذين ربطوا أنفسهم بعجلة السياسة البريطانية وعملوا لصالح الاستعمار، واستطاعوا إغراء بعض النفعيين والانتهازيين ومن التف حولهم، وبذلك قدموا أعظم مساعدة للجيش البريطاني، الذي كان له في العراق