مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 72

Normalized
transcript

قاعدتان عسكريتان، إحداهما الحبانية بالقرب من بغداد والأخرى «الشعيبة» بالقرب من البصرة، وفقاً للمعاهدة العراقية البريطانية التي حددت عدده وأماكنه. ولكن الإنكليز لم يأبهوا بما نصت عليه المعاهدة، وأخذوا رغم احتجاجات السلطات العراقية المتتالية، يزيدون جيشهم بأعداد كبيرة تدفقت من الهند وغيرها، من القوات المعززة بالمصفحات والدبابات والمدافع الضخمة وقوات الطيران، التي لم يكن ما يماثلها لدى العراق، الذي لم يكن ينوي الحرب، بل كان همه منحصرأً في الحياد واحترام نصوص المعاهدة. وقد تمكن الإنكليز بعد احتلال البصرة بجيشهم وأسطولهم من إمداد قواتهم في الحبانية بقوات كثيرة مؤلفة من وحدات آلية فيها المصفحات والمدافع بقيادة الجنرال كنجستون، ترافقها وحدات أخرى.

وكانت الحكومة العراقية قد بذلت جهدها للحصول على أسلحة للجيش من بعض الدول الصديقة، فوصلها بعض الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية، رغم المسافات الشاسعة ومقاومة الطائرات الإنكليزية لها، في طريقها إلى العراق، وكان لوصولها أثر كبير في تقوية النفوس وإنعاش الأمل ولكن لم يكن لها الأثر الفعال المنتظر ولم يمكن الانتفاع بها في المعركة ضد الإنكليز، لأن العراق الذي يتدفق البترول من أرضه، قد حرمته الشركات الاستعمارية من إنشاء مصفاة للبترول الخاص بالطائرات، فكان يستورد بعض حاجة القوة الجوية العراقية من «عبادان» في إيران، فلما وقعت الواقعة بين العراق وإنكلترا، لم يكن في استطاعة العراق تموين طائراته ولا الطائرات الأخرى القادمة لمساعدته من ألمانيا وإيطاليا بالبنزين الخاص بها، وهكذا ظلت معطلة عن العمل تقريباً. وحدث نحو ذلك من الأحداث التي أدت إلى نتائج محزنة لا محيص عنها في كل صدام يقع بين إمبراطورية جبارة باغية ودولة صغيرة ناشئة مسالمة.

وفي ١٩ مايو قامت القوات البريطانية في الحبانية، بهجوم شديد على الوحدات العراقية المدافعة عن «الفلوجة» واحتلتها، وقد حاولت بعض القوات العراقية استردادها بهجوم قامت به يوم ٢١ مايو وكادت تنجح ودخلت الفلوجة بالفعل، ولكنها لم تستطع الاستيلاء على المدينة، لعدم وجود قوة آلية وطائرات تعزز وحدات الجيش، وهكذا مني هذا الهجوم بالفشل.

وفي ٢٧ مايو زحفت القوات البريطانية على بغداد، فلقيت مقاومة استمرت حتى مساء ٢٩ منه، إذ قررت الحكومة العراقية وقادة الجيش الانسحاب من بغداد إلى المناطق الجبلية في شمال العراق، لاستئناف الدفاع عنها. ولكن الدسائس الاستعمارية بالإضافة إلى تفوق القوات البريطانية الكبيرة وعدم الحصول على مدد، لم تمكن الجيش

English
translation

two military bases, one at Habbaniya near Baghdad and the other at “Shuayba” near Basra, under the Anglo-Iraqi Treaty, which specified its numbers and locations. But the English paid no heed to the treaty’s provisions. Despite the Iraqi authorities’ repeated protests, they began greatly increasing their army with forces pouring in from India and elsewhere, reinforced with armored cars, tanks, heavy guns and air forces whose like Iraq did not possess. Iraq had no intention of going to war; its sole concern was neutrality and respect for the treaty’s terms. After occupying Basra with their army and fleet, the English were able to reinforce their troops at Habbaniya with large forces made up of mechanized units with armored cars and guns under General Kingstone, accompanied by other units.

The Iraqi government had made every effort to obtain arms for the army from friendly countries. Some German and Italian warplanes reached it despite the vast distances and opposition from English aircraft on their way to Iraq. Their arrival did much to strengthen morale and revive hope, but they did not have the effective impact expected and could not be put to use in the battle against the English. Although oil flowed from Iraq’s soil, the colonial companies had denied it the establishment of a refinery for aviation fuel. Iraq therefore imported some of its air force’s requirements from “Abadan” in Iran. When the conflict between Iraq and England broke out, Iraq could not supply either its own aircraft or those arriving from Germany and Italy to help it with the special gasoline they required. Thus they remained almost entirely out of action. Other such incidents occurred, leading to the sad outcomes inevitable in any clash between a mighty, aggressive empire and a small, newly established, peaceful state.

On May 19, the British forces at Habbaniya launched a fierce attack on the Iraqi units defending “Fallujah” and occupied it. Some Iraqi forces tried to recapture it in an attack on May 21 and nearly succeeded, actually entering Fallujah. But they could not take the city because there were no mechanized forces or aircraft to reinforce the army units. Thus this attack ended in failure.

On May 27, the British forces advanced on Baghdad and encountered resistance that continued until the evening of the 29th, when the Iraqi government and army commanders decided to withdraw from Baghdad to the mountainous regions of northern Iraq to resume its defense. But colonial intrigues, together with the superiority of the large British forces and the lack of reinforcements, did not allow the army

Analysis

This page details British bases, troop reinforcement, Iraqi fuel shortages, and the battles at Fallujah and Baghdad. It is especially significant for the memoir’s argument that colonial control operated through treaty interpretation, military superiority, and denial of aviation fuel infrastructure. The page ends with the Iraqi withdrawal sentence continuing onto page 73. Dates, troop movements, technical claims, commanders, and causal explanations remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

قاعدتان عسكريتان، إحداهما الحبانية بالقرب من بغداد والأخرى «الشعيبة» بالقرب من البصرة، وفقاً للمعاهدة العراقية البريطانية التي حددت عدده وأماكنه. ولكن الإنكليز لم يأبهوا بما نصت عليه المعاهدة، وأخذوا رغم احتجاجات السلطات العراقية المتتالية، يزيدون جيشهم بأعداد كبيرة تدفقت من الهند وغيرها، من القوات المعززة بالمصفحات والدبابات والمدافع الضخمة وقوات الطيران، التي لم يكن ما يماثلها لدى العراق، الذي لم يكن ينوي الحرب، بل كان همه منحصرأً في الحياد واحترام نصوص المعاهدة. وقد تمكن الإنكليز بعد احتلال البصرة بجيشهم وأسطولهم من إمداد قواتهم في الحبانية بقوات كثيرة مؤلفة من وحدات آلية فيها المصفحات والمدافع بقيادة الجنرال كنجستون، ترافقها وحدات أخرى.

وكانت الحكومة العراقية قد بذلت جهدها للحصول على أسلحة للجيش من بعض الدول الصديقة، فوصلها بعض الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية، رغم المسافات الشاسعة ومقاومة الطائرات الإنكليزية لها، في طريقها إلى العراق، وكان لوصولها أثر كبير في تقوية النفوس وإنعاش الأمل ولكن لم يكن لها الأثر الفعال المنتظر ولم يمكن الانتفاع بها في المعركة ضد الإنكليز، لأن العراق الذي يتدفق البترول من أرضه، قد حرمته الشركات الاستعمارية من إنشاء مصفاة للبترول الخاص بالطائرات، فكان يستورد بعض حاجة القوة الجوية العراقية من «عبادان» في إيران، فلما وقعت الواقعة بين العراق وإنكلترا، لم يكن في استطاعة العراق تموين طائراته ولا الطائرات الأخرى القادمة لمساعدته من ألمانيا وإيطاليا بالبنزين الخاص بها، وهكذا ظلت معطلة عن العمل تقريباً. وحدث نحو ذلك من الأحداث التي أدت إلى نتائج محزنة لا محيص عنها في كل صدام يقع بين إمبراطورية جبارة باغية ودولة صغيرة ناشئة مسالمة.

وفي ١٩ مايو قامت القوات البريطانية في الحبانية، بهجوم شديد على الوحدات العراقية المدافعة عن «الفلوجة» واحتلتها، وقد حاولت بعض القوات العراقية استردادها بهجوم قامت به يوم ٢١ مايو وكادت تنجح ودخلت الفلوجة بالفعل، ولكنها لم تستطع الاستيلاء على المدينة، لعدم وجود قوة آلية وطائرات تعزز وحدات الجيش، وهكذا مني هذا الهجوم بالفشل.

وفي ٢٧ مايو زحفت القوات البريطانية على بغداد، فلقيت مقاومة استمرت حتى مساء ٢٩ منه، إذ قررت الحكومة العراقية وقادة الجيش الانسحاب من بغداد إلى المناطق الجبلية في شمال العراق، لاستئناف الدفاع عنها. ولكن الدسائس الاستعمارية بالإضافة إلى تفوق القوات البريطانية الكبيرة وعدم الحصول على مدد، لم تمكن الجيش