قاعدتان عسكريتان، إحداهما الحبانية بالقرب من بغداد والأخرى «الشعيبة» بالقرب من البصرة، وفقاً للمعاهدة العراقية البريطانية التي حددت عدده وأماكنه. ولكن الإنكليز لم يأبهوا بما نصت عليه المعاهدة، وأخذوا رغم احتجاجات السلطات العراقية المتتالية، يزيدون جيشهم بأعداد كبيرة تدفقت من الهند وغيرها، من القوات المعززة بالمصفحات والدبابات والمدافع الضخمة وقوات الطيران، التي لم يكن ما يماثلها لدى العراق، الذي لم يكن ينوي الحرب، بل كان همه منحصرأً في الحياد واحترام نصوص المعاهدة. وقد تمكن الإنكليز بعد احتلال البصرة بجيشهم وأسطولهم من إمداد قواتهم في الحبانية بقوات كثيرة مؤلفة من وحدات آلية فيها المصفحات والمدافع بقيادة الجنرال كنجستون، ترافقها وحدات أخرى.
وكانت الحكومة العراقية قد بذلت جهدها للحصول على أسلحة للجيش من بعض الدول الصديقة، فوصلها بعض الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية، رغم المسافات الشاسعة ومقاومة الطائرات الإنكليزية لها، في طريقها إلى العراق، وكان لوصولها أثر كبير في تقوية النفوس وإنعاش الأمل ولكن لم يكن لها الأثر الفعال المنتظر ولم يمكن الانتفاع بها في المعركة ضد الإنكليز، لأن العراق الذي يتدفق البترول من أرضه، قد حرمته الشركات الاستعمارية من إنشاء مصفاة للبترول الخاص بالطائرات، فكان يستورد بعض حاجة القوة الجوية العراقية من «عبادان» في إيران، فلما وقعت الواقعة بين العراق وإنكلترا، لم يكن في استطاعة العراق تموين طائراته ولا الطائرات الأخرى القادمة لمساعدته من ألمانيا وإيطاليا بالبنزين الخاص بها، وهكذا ظلت معطلة عن العمل تقريباً. وحدث نحو ذلك من الأحداث التي أدت إلى نتائج محزنة لا محيص عنها في كل صدام يقع بين إمبراطورية جبارة باغية ودولة صغيرة ناشئة مسالمة.
وفي ١٩ مايو قامت القوات البريطانية في الحبانية، بهجوم شديد على الوحدات العراقية المدافعة عن «الفلوجة» واحتلتها، وقد حاولت بعض القوات العراقية استردادها بهجوم قامت به يوم ٢١ مايو وكادت تنجح ودخلت الفلوجة بالفعل، ولكنها لم تستطع الاستيلاء على المدينة، لعدم وجود قوة آلية وطائرات تعزز وحدات الجيش، وهكذا مني هذا الهجوم بالفشل.
وفي ٢٧ مايو زحفت القوات البريطانية على بغداد، فلقيت مقاومة استمرت حتى مساء ٢٩ منه، إذ قررت الحكومة العراقية وقادة الجيش الانسحاب من بغداد إلى المناطق الجبلية في شمال العراق، لاستئناف الدفاع عنها. ولكن الدسائس الاستعمارية بالإضافة إلى تفوق القوات البريطانية الكبيرة وعدم الحصول على مدد، لم تمكن الجيش