مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 79

Normalized
transcript

وقاوم الظلم البريطاني في ثورته الرائعة التي كبدت الإنكليز خسائر فادحة، وسجلت صفحات خالدة في وقائع الرميثة، وأبو صخير، والحلة، والدغارة، وبعقوبة، وكركوك وغيرها التي أرغمت السلطات البريطانية على تبديل سياستها الاستعمارية وتشكيل حكومة وطنية في العراق.

لقد استطاع الاستعمار أن يقلب الوضع، بمساعدة أفراد معدودين من أتباعه الظاهرين والمستترين، الذين تظاهر بعضهم بالوطنية المتطرفة، وارتدوا لباساً مزيفاً من الحماسة المصطنعة، ليفتحوا له الثغرات، ويهيئوا له الوسائل والمبررات، ويحبطوا خطة الأمة التي وضعتها للخلاص من قيود الاستعباد والاستعمار.

ولقد عرفت شخصاً من هؤلاء استطاع أن يفسد عملية كانت ناجحة، ويحبط صفقة خطيرة عقدتها دولة عربية مع إحدى شركات بيع الأسلحة عام ١٩٥٣، عندما كانت أبواب الجبهة الشرقية لا تزال موصدة في وجوه الدول العربية، فقد استطاع وزير مفوض لإحدى الدول العربية - عرف بولائه للمستعمرين الذين بوأوه هذا المنصب - أن يخدع القائمين بأمر الصفقة، وأن يحبط المشروع، وإليكم تفصيل ذلك:

في يوم الأربعاء ١٤ يناير سنة ١٩٥٣ زارني في منزلي الضابط الألماني الشهير «أوتو سكورزيني»، الذي قام بعملية اختطاف موسوليني يوم ١٢ سبتمبر عام ١٩٤٣ بطائرة صغيرة، من الحصن القائم على قمة جبل «ساسو» بإيطاليا، وهو جبل شاهق صعب المرتقى، بمغامرة فذة تحدثت عنها الصحف والعالم طويلاً في ذلك الحين، وحدثني سكورزيني حديثاً طويلاً عن اعتقالاته ومتاعبه التي لقيها بعد احتلال الحلفاء لألمانيا، وكيف خلص من أيديهم وسافر إلى إحدى البلاد الأوروبية، وعمل فيها موظفاً في إحدى شركات إنتاج الأسلحة، وأنه كان مكلفاً بالإشراف على إتمام الصفقات وشحن الأسلحة التي تبيعها تلك الشركة وكانت إحدى الدول العربية قد تمكنت من عقد صفقة مع شركة سكورزيني المذكورة لاستيراد كمية من مختلف الأسلحة كانت في أشد الحاجة إليها، وكان الوزير المفوض، لإحدى الدول العربية، بصفته العربية وما تظاهر به من شدة الغيرة على صالح الدول العربية والمقت الشديد للاستعمار قد استطاع أن يخدع القائمين بأمر الصفقة ويطلع على سرها ويبلغه فوراً إلى المراجع الأجنبية الاستعمارية، التي تدخلت وضغطت فأحبطت المشروع، وهكذا فشلت صفقة السلاح، وطار سكورزيني إلى عاصمة الدولة العربية المتعاقدة على الصفقة، ليبحث مع أولي الأمر فيها عن الأسباب المؤدية إلى كشف سر تلك الصفقة التي كان سكورزيني وشركته يعتقدون أنها في طي الكتمان، وزاد سكورزيني على

English
translation

and had resisted British oppression in its magnificent revolution, which inflicted heavy losses on the English and recorded immortal pages in the battles of Rumaytha, Abu Sukhayr, Hilla, Daghara, Baquba, Kirkuk and elsewhere, forcing the British authorities to change their colonial policy and form a national government in Iraq.

Colonialism managed to reverse the situation with the help of a handful of its overt and covert followers. Some of them professed extreme patriotism and donned a false garb of feigned enthusiasm so as to open breaches for it, provide it with the means and pretexts, and thwart the nation’s plan to free itself from the bonds of subjugation and colonialism.

I knew one such person who managed to ruin an operation that had been proceeding successfully and frustrate an important deal concluded by an Arab state with an arms-selling company in 1953, when the doors of the Eastern front were still closed to the Arab states. A minister plenipotentiary of one of the Arab states, known for his loyalty to the colonialists who had placed him in that position, managed to deceive those in charge of the deal and thwart the project. Here are the details:

On Wednesday, January 14, 1953, the famous German officer “Otto Skorzeny” visited me at my home. He had carried out the abduction of Mussolini on September 12, 1943, in a small aircraft from the fortress atop Mount “Sasso” in Italy, a lofty mountain difficult to climb, in an extraordinary exploit that the press and the world discussed at length at the time. Skorzeny spoke to me at length about his detentions and the troubles he had encountered after the Allies occupied Germany, how he escaped their hands and traveled to a European country, and how he worked there as an employee of an arms-manufacturing company. He was assigned to supervise the completion of deals and the shipment of the arms the company sold. One of the Arab states had managed to conclude a deal with the aforementioned Skorzeny company to import a quantity of various weapons that it desperately needed. The minister plenipotentiary of one of the Arab states, by virtue of his being Arab and his professed fervent concern for the interests of the Arab states and intense hatred of colonialism, had managed to deceive those handling the deal, learn its secret and immediately report it to the foreign colonial authorities. They intervened and exerted pressure, thwarting the project. Thus the arms deal failed, and Skorzeny flew to the capital of the Arab state that had contracted the deal to discuss with those in authority there how the secret of the deal—which Skorzeny and his company believed was being kept confidential—had been exposed. Skorzeny added to

Analysis

This page completes the memoir’s account of the 1919 Iraqi revolt and turns to a 1953 arms deal that the narrator says was defeated by a minister plenipotentiary who secretly informed colonial authorities. It is especially significant for linking the narrator’s history of anti-British resistance to a later claim about covert political obstruction and for introducing Otto Skorzeny as the reported intermediary in the arms transaction. The page leaves the Arab state, diplomat, company, and several foreign authorities unnamed, while presenting Skorzeny’s wartime record as context for the story. These identities, dates, motives, and causal claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وقاوم الظلم البريطاني في ثورته الرائعة التي كبدت الإنكليز خسائر فادحة، وسجلت صفحات خالدة في وقائع الرميثة، وأبو صخير، والحلة، والدغارة، وبعقوبة، وكركوك وغيرها التي أرغمت السلطات البريطانية على تبديل سياستها الاستعمارية وتشكيل حكومة وطنية في العراق.

لقد استطاع الاستعمار أن يقلب الوضع، بمساعدة أفراد معدودين من أتباعه الظاهرين والمستترين، الذين تظاهر بعضهم بالوطنية المتطرفة، وارتدوا لباساً مزيفاً من الحماسة المصطنعة، ليفتحوا له الثغرات، ويهيئوا له الوسائل والمبررات، ويحبطوا خطة الأمة التي وضعتها للخلاص من قيود الاستعباد والاستعمار.

ولقد عرفت شخصاً من هؤلاء استطاع أن يفسد عملية كانت ناجحة، ويحبط صفقة خطيرة عقدتها دولة عربية مع إحدى شركات بيع الأسلحة عام ١٩٥٣، عندما كانت أبواب الجبهة الشرقية لا تزال موصدة في وجوه الدول العربية، فقد استطاع وزير مفوض لإحدى الدول العربية - عرف بولائه للمستعمرين الذين بوأوه هذا المنصب - أن يخدع القائمين بأمر الصفقة، وأن يحبط المشروع، وإليكم تفصيل ذلك:

في يوم الأربعاء ١٤ يناير سنة ١٩٥٣ زارني في منزلي الضابط الألماني الشهير «أوتو سكورزيني»، الذي قام بعملية اختطاف موسوليني يوم ١٢ سبتمبر عام ١٩٤٣ بطائرة صغيرة، من الحصن القائم على قمة جبل «ساسو» بإيطاليا، وهو جبل شاهق صعب المرتقى، بمغامرة فذة تحدثت عنها الصحف والعالم طويلاً في ذلك الحين، وحدثني سكورزيني حديثاً طويلاً عن اعتقالاته ومتاعبه التي لقيها بعد احتلال الحلفاء لألمانيا، وكيف خلص من أيديهم وسافر إلى إحدى البلاد الأوروبية، وعمل فيها موظفاً في إحدى شركات إنتاج الأسلحة، وأنه كان مكلفاً بالإشراف على إتمام الصفقات وشحن الأسلحة التي تبيعها تلك الشركة وكانت إحدى الدول العربية قد تمكنت من عقد صفقة مع شركة سكورزيني المذكورة لاستيراد كمية من مختلف الأسلحة كانت في أشد الحاجة إليها، وكان الوزير المفوض، لإحدى الدول العربية، بصفته العربية وما تظاهر به من شدة الغيرة على صالح الدول العربية والمقت الشديد للاستعمار قد استطاع أن يخدع القائمين بأمر الصفقة ويطلع على سرها ويبلغه فوراً إلى المراجع الأجنبية الاستعمارية، التي تدخلت وضغطت فأحبطت المشروع، وهكذا فشلت صفقة السلاح، وطار سكورزيني إلى عاصمة الدولة العربية المتعاقدة على الصفقة، ليبحث مع أولي الأمر فيها عن الأسباب المؤدية إلى كشف سر تلك الصفقة التي كان سكورزيني وشركته يعتقدون أنها في طي الكتمان، وزاد سكورزيني على