وقاوم الظلم البريطاني في ثورته الرائعة التي كبدت الإنكليز خسائر فادحة، وسجلت صفحات خالدة في وقائع الرميثة، وأبو صخير، والحلة، والدغارة، وبعقوبة، وكركوك وغيرها التي أرغمت السلطات البريطانية على تبديل سياستها الاستعمارية وتشكيل حكومة وطنية في العراق.
لقد استطاع الاستعمار أن يقلب الوضع، بمساعدة أفراد معدودين من أتباعه الظاهرين والمستترين، الذين تظاهر بعضهم بالوطنية المتطرفة، وارتدوا لباساً مزيفاً من الحماسة المصطنعة، ليفتحوا له الثغرات، ويهيئوا له الوسائل والمبررات، ويحبطوا خطة الأمة التي وضعتها للخلاص من قيود الاستعباد والاستعمار.
ولقد عرفت شخصاً من هؤلاء استطاع أن يفسد عملية كانت ناجحة، ويحبط صفقة خطيرة عقدتها دولة عربية مع إحدى شركات بيع الأسلحة عام ١٩٥٣، عندما كانت أبواب الجبهة الشرقية لا تزال موصدة في وجوه الدول العربية، فقد استطاع وزير مفوض لإحدى الدول العربية - عرف بولائه للمستعمرين الذين بوأوه هذا المنصب - أن يخدع القائمين بأمر الصفقة، وأن يحبط المشروع، وإليكم تفصيل ذلك:
في يوم الأربعاء ١٤ يناير سنة ١٩٥٣ زارني في منزلي الضابط الألماني الشهير «أوتو سكورزيني»، الذي قام بعملية اختطاف موسوليني يوم ١٢ سبتمبر عام ١٩٤٣ بطائرة صغيرة، من الحصن القائم على قمة جبل «ساسو» بإيطاليا، وهو جبل شاهق صعب المرتقى، بمغامرة فذة تحدثت عنها الصحف والعالم طويلاً في ذلك الحين، وحدثني سكورزيني حديثاً طويلاً عن اعتقالاته ومتاعبه التي لقيها بعد احتلال الحلفاء لألمانيا، وكيف خلص من أيديهم وسافر إلى إحدى البلاد الأوروبية، وعمل فيها موظفاً في إحدى شركات إنتاج الأسلحة، وأنه كان مكلفاً بالإشراف على إتمام الصفقات وشحن الأسلحة التي تبيعها تلك الشركة وكانت إحدى الدول العربية قد تمكنت من عقد صفقة مع شركة سكورزيني المذكورة لاستيراد كمية من مختلف الأسلحة كانت في أشد الحاجة إليها، وكان الوزير المفوض، لإحدى الدول العربية، بصفته العربية وما تظاهر به من شدة الغيرة على صالح الدول العربية والمقت الشديد للاستعمار قد استطاع أن يخدع القائمين بأمر الصفقة ويطلع على سرها ويبلغه فوراً إلى المراجع الأجنبية الاستعمارية، التي تدخلت وضغطت فأحبطت المشروع، وهكذا فشلت صفقة السلاح، وطار سكورزيني إلى عاصمة الدولة العربية المتعاقدة على الصفقة، ليبحث مع أولي الأمر فيها عن الأسباب المؤدية إلى كشف سر تلك الصفقة التي كان سكورزيني وشركته يعتقدون أنها في طي الكتمان، وزاد سكورزيني على