ذلك قوله أنه بعد وصوله العاصمة بيومين ونزوله في أحد فنادقها، فوجئ بابن ذلك الوزير المفوض يصل إلى الفندق ويستأجر الغرفة المجاورة لغرفته.. ويتعقبه، مما جعله يوقن من حقيقة الدور الذي مثله أبوه في هذه القصة.
في إيران:
خرجنا من بغداد نحو منتصف ليل ٢٩ مايو سنة ١٩٤١، وفي النفس حسرات، وفقاً للقرار الذي اتخذ في هذا اليوم، بالانسحاب إلى المنطقة الجبلية في شمال العراق، للتحصن فيها ومواصلة القتال، ونقلت الحكومة العراقية خزانة ماليتها إلى تلك المنطقة بصحبة وزير المالية ورئيس أركان الجيش اللواء أمين زكي، وأعدت الحكومة العراقية قطاراً خاصاً رافقنا فيه رئيس الوزارة السيد رشيد عالي وسائر الوزراء، وبعض الضباط والمرافقين، وعدد من رجال الجهاد والوطنية من فلسطينيين وعراقيين وسوريين.
ولما وصلنا صباح ٣٠ مايو إلى مدينة (خانقين) آخر الحدود العراقية، أردنا أن نتابع سفرنا إلى «الموصل»، ولكننا أبلغنا هناك أن الجسور (الكباري) القائمة على طريق الموصل قد نسفتها الطائرات البريطانية، وأن لا مناص من دخول الحدود الإيرانية خوفاً من الوقوع في أسر القوات البريطانية، وأن في الإمكان بعد ذلك العودة إلى شمالي العراق ثانية من طريق «راوندوز»، باعتبار إيران دولة جارة وصديقة، وأن للحكومة الألمانية فيها نفوذاً كبيراً حينئذ، ولم يلبث أن ظهر بعد ذلك أن نبأ نسف الجسور مغلوطاً ومن إشاعات الطابور الخامس، كما أن نبأ النفوذ الألماني في إيران كان مبالغاً فيه، ولذلك لم يعد في الإمكان بعد دخولنا إيران تنفيذ الخطة، بالرغم من حسن استقبال السلطات الإيرانية للقادمين من العراق، وقد نقلتنا السلطات الإيرانية إلى بلدة «قصر شيرين»، ومنها إلى «كرمانشاه» ثم إلى مدينة همذان (التي ينسب إليها بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات) ومنها إلى «قزوين» فطهران، وكان يرافقنا عقيد في الجيش الإيراني أصبح فيما بعد جنرالاً هو الجنرال «عبد الله مسعود»، وكان وصولنا إلى طهران يوم ٣ يونيو فنزلنا بفندق «الفردوسي» بعض الوقت ثم استأجرت بيت «محمد علي مجد» في محلة «ولي آباد»، وكنا، كما أسلفت، نعتقد أن الحكومة الإيرانية موالية لألمانيا، وأن في إيران مئات من رجال البعثات الألمانية، فنية، وعسكرية واقتصادية، ولكننا بعد وصولنا إلى طهران شعرنا أن تبدلاً حدث في الوضع بسبب الخلاف الذي ظهرت بوادره بين ألمانيا وروسيا، ورأينا الحكومة الإيرانية تطالبنا بأدب واحترام، بأن نلتزم شروط اللاجئين السياسيين، وأن لا نقوم بأي نشاط سياسي.