مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 81

Normalized
transcript

لم يكن دخولي إيران للمرة الأولى، بل سبقت لي زيارتان إليها كانت أولاهما عام ١٩٢٤ عن طريق البصرة، إلى المحمرة، والناصرية، والأهواز التي تسمى الآن بـ (خوزستان). وكانت الزيارة الثانية عام ١٩٣٣، أثر زيارتي والمرحوم محمد علي علوبة باشا الهند موفدين من المؤتمر الإسلامي، فبعد ما قضينا في الهند خمسة أشهر عاد المرحوم علوبة (باشا) بحراً إلى مصر، وعدت بالسيارة من الهند إلى أفغانستان ثم إلى لوجستان فإيران، فالعراق، فشرق الأردن، ففلسطين في رحلة استغرقت أكثر من شهر قطعت فيها آلاف الكيلومترات، ودخلت إيران عن طريق زاهدان، فخراسان، فمدينة «مشهد الرضا» وهي المعروفة في التاريخ بمدينة «طوس» التي توفي فيها الخليفة هارون الرشيد ودفن فيها في ضريح أنشأه ولده المأمون، وفي عهده توفي الإمام موسى الرضا من آل البيت، فدفنه المأمون بجوار أبيه الرشيد في نفس الضريح العظيم الذي يعرف اليوم «بمشهد الرضا» وحوله مسجد عظيم يعد من أعظم المساجد في العالم، وله قبة ومئذنتان مصفحتان بالذهب، وفيه دار للكتب لم أر لها نظيراً من حيث احتواؤها على مصاحف أثرية قديمة، وكتب تاريخية نفيسة جداً، وما رأيته من النفائس النصف الأول لمصحف شريف بالخط الكوفي على رق غزال، وقد كتبه بخط يده (محمد بن الحسن بن الحسين بن الإمام علي رضي الله عنه). والنصف الآخر من هذا المصحف محفوظ في متحف المسجد الأقصى بالقدس (فلسطين) بنفس الشكل والخط، والكاتب هو نفسه.

وفي مشهد أيضاً زرت عدا هذين الضريحين، قبر الشاعر الفارسي الشهير «الفردوسي» صاحب «الشاهنامه»، وقد احتفلت الدولة الإيرانية بانقضاء ألف سنة على وفاته ثم غادرت مشهد إلى «نيسابور» حيث زرت قبر «عمر الخيام» الشاعر الإيراني المعروف، ومنها تابعت السفر إلى طهران، فوصلتها في نوفمبر سنة ١٩٣٣، وهنا حدثت لي حادثة طريفة، فقد كنت أحمل من صديقي السيد باقر الكاظمي سفير إيران في بغداد (التي زرتها في طريقي إلى الهند في إبريل عام ١٩٣٣) كتاب تعريف إلى وزير الخارجية بواسطة مدير ديوانه، وإذا به السيد باقر الكاظمي نفسه وقد أصبح وزيراً للخارجية، فكان الكتاب منه وإليه، وهذا من الصدف النادرة، وفي زيارتي هذه لإيران، تفاهمت مع السلطات الإيرانية التي أبدت عطفاً عظيماً على قضية فلسطين، وسهلت لي عقد اجتماعات كثيرة مع كبار المجتهدين والعلماء والزعماء الإيرانيين الذين احتضنوا قضية فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن تقدم وزير خارجية إيران، الكاظمي نفسه، بعرض القضية الفلسطينية على عصبة الأمم في صيف عام ١٩٣٣

English
translation

This was not my first entry into Iran. I had made two earlier visits there, the first in 1924 by way of Basra to Muhammara, Nasiriyya and Ahwaz, which is now called (Khuzestan). The second visit was in 1933, following my visit to India with the late Muhammad Ali Alluba Pasha as delegates of the Islamic Congress. After we had spent five months in India, the late Alluba (Pasha) returned to Egypt by sea, while I returned by car from India to Afghanistan, then to Lujistan, Iran, Iraq, Transjordan and Palestine, on a journey lasting more than a month during which I covered thousands of kilometers. I entered Iran by way of Zahedan, then Khorasan and the city of “Mashhad al-Rida,” known in history as “Tus,” where Caliph Harun al-Rashid died and was buried in a tomb built by his son al-Mamun. During the latter’s reign, Imam Musa al-Rida, of the Prophet’s family, died, and al-Mamun buried him beside his father al-Rashid in the same great shrine, now known as “Mashhad al-Rida.” Around it is a magnificent mosque, one of the greatest in the world, with a dome and two minarets clad in gold. It has a library whose like I have never seen for its holdings of ancient historic copies of the Quran and very valuable historical books. Among the treasures I saw was the first half of a noble copy of the Quran in Kufic script on gazelle parchment, written in the hand of (Muhammad ibn al-Hasan ibn al-Husayn ibn Imam Ali, may God be pleased with him). The other half of this copy is preserved in the museum of al-Aqsa Mosque in Jerusalem (Palestine), in the same form and script and by the same scribe.

In Mashhad, besides these two tombs, I also visited the grave of the famous Persian poet “Ferdowsi,” author of the “Shahnameh.” The Iranian state had celebrated the thousandth anniversary of his death. I then left Mashhad for “Nishapur,” where I visited the grave of the renowned Iranian poet “Omar Khayyam.” From there I continued to Tehran, arriving in November 1933. An amusing incident occurred there. I was carrying a letter of introduction from my friend Mr. Baqir al-Kazimi, Iran’s ambassador in Baghdad (which I had visited on my way to India in April 1933), addressed to the Foreign Minister through the head of his office. The minister turned out to be Mr. Baqir al-Kazimi himself, who had since become Foreign Minister. Thus the letter was from him to himself, a rare coincidence. During this visit to Iran, I reached an understanding with the Iranian authorities, who showed great sympathy for the cause of Palestine and facilitated many meetings with leading mujtahids, scholars and Iranian leaders who embraced that cause. As a result, Iran’s Foreign Minister, al-Kazimi himself, presented the Palestine question to the League of Nations in the summer of 1933

Analysis

This page recounts the narrator’s earlier journeys through Iran in 1924 and 1933, his visits to religious and literary sites, and his meetings with Iranian officials and scholars concerning the Palestine cause. It is especially significant for the combination of travel testimony, sacred and manuscript description, and the claim that Iranian authorities facilitated organized support for Palestine, culminating in Foreign Minister Baqir al-Kazimi’s presentation of the issue to the League of Nations in 1933. The page also preserves the narrator’s source attributions and unusual genealogical and manuscript claims without resolving them. Dates, routes, identifications, and political outcomes remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

لم يكن دخولي إيران للمرة الأولى، بل سبقت لي زيارتان إليها كانت أولاهما عام ١٩٢٤ عن طريق البصرة، إلى المحمرة، والناصرية، والأهواز التي تسمى الآن بـ (خوزستان). وكانت الزيارة الثانية عام ١٩٣٣، أثر زيارتي والمرحوم محمد علي علوبة باشا الهند موفدين من المؤتمر الإسلامي، فبعد ما قضينا في الهند خمسة أشهر عاد المرحوم علوبة (باشا) بحراً إلى مصر، وعدت بالسيارة من الهند إلى أفغانستان ثم إلى لوجستان فإيران، فالعراق، فشرق الأردن، ففلسطين في رحلة استغرقت أكثر من شهر قطعت فيها آلاف الكيلومترات، ودخلت إيران عن طريق زاهدان، فخراسان، فمدينة «مشهد الرضا» وهي المعروفة في التاريخ بمدينة «طوس» التي توفي فيها الخليفة هارون الرشيد ودفن فيها في ضريح أنشأه ولده المأمون، وفي عهده توفي الإمام موسى الرضا من آل البيت، فدفنه المأمون بجوار أبيه الرشيد في نفس الضريح العظيم الذي يعرف اليوم «بمشهد الرضا» وحوله مسجد عظيم يعد من أعظم المساجد في العالم، وله قبة ومئذنتان مصفحتان بالذهب، وفيه دار للكتب لم أر لها نظيراً من حيث احتواؤها على مصاحف أثرية قديمة، وكتب تاريخية نفيسة جداً، وما رأيته من النفائس النصف الأول لمصحف شريف بالخط الكوفي على رق غزال، وقد كتبه بخط يده (محمد بن الحسن بن الحسين بن الإمام علي رضي الله عنه). والنصف الآخر من هذا المصحف محفوظ في متحف المسجد الأقصى بالقدس (فلسطين) بنفس الشكل والخط، والكاتب هو نفسه.

وفي مشهد أيضاً زرت عدا هذين الضريحين، قبر الشاعر الفارسي الشهير «الفردوسي» صاحب «الشاهنامه»، وقد احتفلت الدولة الإيرانية بانقضاء ألف سنة على وفاته ثم غادرت مشهد إلى «نيسابور» حيث زرت قبر «عمر الخيام» الشاعر الإيراني المعروف، ومنها تابعت السفر إلى طهران، فوصلتها في نوفمبر سنة ١٩٣٣، وهنا حدثت لي حادثة طريفة، فقد كنت أحمل من صديقي السيد باقر الكاظمي سفير إيران في بغداد (التي زرتها في طريقي إلى الهند في إبريل عام ١٩٣٣) كتاب تعريف إلى وزير الخارجية بواسطة مدير ديوانه، وإذا به السيد باقر الكاظمي نفسه وقد أصبح وزيراً للخارجية، فكان الكتاب منه وإليه، وهذا من الصدف النادرة، وفي زيارتي هذه لإيران، تفاهمت مع السلطات الإيرانية التي أبدت عطفاً عظيماً على قضية فلسطين، وسهلت لي عقد اجتماعات كثيرة مع كبار المجتهدين والعلماء والزعماء الإيرانيين الذين احتضنوا قضية فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن تقدم وزير خارجية إيران، الكاظمي نفسه، بعرض القضية الفلسطينية على عصبة الأمم في صيف عام ١٩٣٣