لم يكن دخولي إيران للمرة الأولى، بل سبقت لي زيارتان إليها كانت أولاهما عام ١٩٢٤ عن طريق البصرة، إلى المحمرة، والناصرية، والأهواز التي تسمى الآن بـ (خوزستان). وكانت الزيارة الثانية عام ١٩٣٣، أثر زيارتي والمرحوم محمد علي علوبة باشا الهند موفدين من المؤتمر الإسلامي، فبعد ما قضينا في الهند خمسة أشهر عاد المرحوم علوبة (باشا) بحراً إلى مصر، وعدت بالسيارة من الهند إلى أفغانستان ثم إلى لوجستان فإيران، فالعراق، فشرق الأردن، ففلسطين في رحلة استغرقت أكثر من شهر قطعت فيها آلاف الكيلومترات، ودخلت إيران عن طريق زاهدان، فخراسان، فمدينة «مشهد الرضا» وهي المعروفة في التاريخ بمدينة «طوس» التي توفي فيها الخليفة هارون الرشيد ودفن فيها في ضريح أنشأه ولده المأمون، وفي عهده توفي الإمام موسى الرضا من آل البيت، فدفنه المأمون بجوار أبيه الرشيد في نفس الضريح العظيم الذي يعرف اليوم «بمشهد الرضا» وحوله مسجد عظيم يعد من أعظم المساجد في العالم، وله قبة ومئذنتان مصفحتان بالذهب، وفيه دار للكتب لم أر لها نظيراً من حيث احتواؤها على مصاحف أثرية قديمة، وكتب تاريخية نفيسة جداً، وما رأيته من النفائس النصف الأول لمصحف شريف بالخط الكوفي على رق غزال، وقد كتبه بخط يده (محمد بن الحسن بن الحسين بن الإمام علي رضي الله عنه). والنصف الآخر من هذا المصحف محفوظ في متحف المسجد الأقصى بالقدس (فلسطين) بنفس الشكل والخط، والكاتب هو نفسه.
وفي مشهد أيضاً زرت عدا هذين الضريحين، قبر الشاعر الفارسي الشهير «الفردوسي» صاحب «الشاهنامه»، وقد احتفلت الدولة الإيرانية بانقضاء ألف سنة على وفاته ثم غادرت مشهد إلى «نيسابور» حيث زرت قبر «عمر الخيام» الشاعر الإيراني المعروف، ومنها تابعت السفر إلى طهران، فوصلتها في نوفمبر سنة ١٩٣٣، وهنا حدثت لي حادثة طريفة، فقد كنت أحمل من صديقي السيد باقر الكاظمي سفير إيران في بغداد (التي زرتها في طريقي إلى الهند في إبريل عام ١٩٣٣) كتاب تعريف إلى وزير الخارجية بواسطة مدير ديوانه، وإذا به السيد باقر الكاظمي نفسه وقد أصبح وزيراً للخارجية، فكان الكتاب منه وإليه، وهذا من الصدف النادرة، وفي زيارتي هذه لإيران، تفاهمت مع السلطات الإيرانية التي أبدت عطفاً عظيماً على قضية فلسطين، وسهلت لي عقد اجتماعات كثيرة مع كبار المجتهدين والعلماء والزعماء الإيرانيين الذين احتضنوا قضية فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن تقدم وزير خارجية إيران، الكاظمي نفسه، بعرض القضية الفلسطينية على عصبة الأمم في صيف عام ١٩٣٣