للمرة الأولى، ثم قام بعرضها للمرة الثانية رئيس وزراء إيران ووزير خارجيتها فروغي عام ١٩٣٧، بأمر من جلالة الشاهنشاه المرحوم رضا بهلوي، الذي أبدى هو وحكومته اهتماماً وعطفاً أكيداً على قضية فلسطين، كان موضع شكر الفلسطينيين وتقديرهم.
شاء الله أن تكون زيارتي الثالثة هذه لإيران، في ظروف تختلف اختلافاً كلياً عن ظروف الزيارتين الأوليين، فقد نشبت الحرب بين ألمانيا وروسيا في ٢٣ يونيه ١٩٤١ أي بعد وصولنا إلى طهران بأقل من ثلاثة أسابيع، فأسفنا كثيراً لهذا الحادث وتشاءمنا منه، وقد كنت مطلعاً على ما كان الإنكليز يبيتونه لإيران، فقد كان القائد العراقي العقيد المرحوم صلاح الدين الصباغ ذكر لي بعد وصولنا إلى طهران، أنه اطلع على خطة عسكرية بيتها الحلفاء لاحتلال إيران، وذلك عندما دعي - كمندوب عن الجيش العراقي - لحضور اجتماع عسكري عقده الحلفاء عام ١٩٤٠ برئاسة الجنرال «فيجان» بصفته قائداً عاماً لجيوش الحلفاء في الشرق الأوسط حينئذ، فكان ما تقرر في هذا الاجتماع، وضع خطة عسكرية مفصلة لاحتلال إيران، واقترح علي العقيد صلاح الدين الصباغ أن أبلغ الحكومة الإيرانية خبر الخطة المذكورة، ورسم لي خريطة بتفاصيلها وطلب إلي كتمان اسمه، فرأيت الواجب يقضي علي القيام بذلك نحو هذه الدولة الإسلامية، فقابلت وزير خارجية إيران السيد «العامري» وأبلغته الخبر معززاً بالخريطة التي تبين الطرق التي ستسلكها القوات البريطانية من جنوب إيران وغربها، وأكدت له أن هذه المعلومات وصلتني من مصدر وثيق جداً فتقبل الوزير حديثي شاكراً، ولكنه قال لي إنه ليس بيننا وبين إنكلترا خصومة، ولذلك فإني لا أتوقع منها أي عدوان.
وعلى ذكر وزير الخارجية «آقاي عامري» الذي قابلته عدة مرات، أذكر أني سألته مرة عن نسبته هذه «عامري»، فقال إني انتسب إلى بني عامر قبيلة «قيس وليلى» الذي يعرض الآن فيلم سينمائي عنها في دور السينما بطهران (وهي نفس رواية مجنون ليلى التي نظمها المرحوم أحمد شوقي).
ولم تكد تنقضي بضعة أسابيع على حديثي السابق مع وزير خارجية إيران حتى وقع العدوان البريطاني على إيران وفق الخريطة العسكرية التي سلمتها إلى الوزير تماماً.
وعلى أثر إعلان ألمانيا الحرب على روسيا في ٢٢ يونيو، ونظراً لمعرفتنا السابقة بخطة بريطانيا لاحتلال إيران، فقد قررنا في اجتماع عقدناه في «بلند» في «شمران» إحدى ضواحي طهران ومصيفها المشهور، ألا ندخر وسعاً في مغادرة إيران إلى تركيا