وراجعنا السفير التركي «سعاد بك» ليستأذن لنا حكومته، لتسمح لنا بالإقامة بتركيا، ومضى بعض الوقت حتى جاءت الموافقة من أنقرة بالسماح للسيد رشيد عالي وبعض أفراد آخرين بالسفر إلى تركيا، وبالاعتذار من عدم السماح لي ولأسرتي بالإقامة بتركيا كلاجئ سياسي، وكان وزير الخارجية التركية حينئذ «سراج أوغلو».
وكان من الذين سمحت لهم تركيا بدخول بلادها والإقامة بها، كل من المرحومين الشهيدين ناجي باشا السويدي وزير مالية العراق حينئذ وأحد زعمائه السياسيين، وأمين بك التميمي عضو المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين ومن أبرز رجالها الوطنيين، الذين صاحبوا قضية فلسطين منذ بدايتها إلى أن توفاه الله في منفاه بروديسيا (جنوب افريقية). وكان سماح تركيا لهما بسبب كونهما من كبار الموظفين في العهد العثماني السالف، ولكنهما تريثا في السفر إلى تركيا إلى أن فوجئت إيران بالاحتلال الإنكليزي الروسي.
ومن الغريب أن هذين السيدين الوطنيين الكبيرين، اللذين تخرجا معاً من جامعة استانبول، وعملا معاً في الدوائر الإدارية في السلطنة العثمانية، وكانا صديقين حميمين في حياتهما، قد لقيا المصير في أواخر أيام جهادهما الرائع في سبيل العروبة والحرية، فإن الإنكليز عندما دخلوا إيران، ألقوا القبض عليهما مع كثير من رفاقهما، ونفوهم إلى روديسيا (جنوب افريقيا) حيث وافاهما الأجل المحتوم، وقضيا شهيدين كريمين في سبيل الأمة العربية وعزتها واستقلالها، وكان من الذين نفاهم الإنكليز إلى روديسيا وتوفوا فيها، المجاهد الشهيد المرحوم عارف الجاعوني، أحد أفذاذ المجاهدين الفلسطينيين المخلصين المتفانين، تغمدهم الله جميعاً برحمته الواسعة وجزاهم أجر المجاهدين الصادقين، قال تعالى: «ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما».
وفي أواخر يوليه عام ١٩٤١ علمنا من السفير الألماني الهر «إيتل» أن الحكومتين البريطانية والروسية قدمتا إنذاراً نهائياً إلى الحكومة الإيرانية، بطلب تسليم أربعمائة ألماني كانوا يعملون في إيران كمهندسين في مصانعها، بحجة أنهم «جواسيس»، فأجابت حكومة الشاه رضا بهلوي بأنها لا تستغني عنهم، وأنهم رجال فنيون لا علاقة لهم بالسياسة، وأصر الحلفاء على إنذارهم وأصرت إيران على موقفها وظهرت بوادر الحرب.
وعلى أثر ذلك عقدنا اجتماعاً حضره الوزراء والقواد العسكريون ولفيف من أعيان