وعلى ذكر هذا المجاهد الأفغاني «فقير أيبي» أذكر انه كتب إلي من أفغانستان رسالة وصلتني في برلين أبدى فيها استعداده هو وعشيرته للجهاد في سبيل فلسطين.
والمجاهد «فقير أيبي» هو أحد زعماء جمعية المجاهدين التي تألفت في منطقة بختونستان وهي المنطقة الجبلية التي تقع بين الهند وأفغانستان، وقد كانت قبل إنشاء دولة باكستان منطقة حيادية مستقلة، تسكنها قبائل كبيرة معروفة بشدة البأس (مسعودي، ومهمند، ووزيري وغيرها)، ويقدر عدد أفرادها بنحو ستة ملايين، وقد قابلت في زيارتي الأولى لأفغانستان عام ١٩٣٣ الأمين العام لجمعية المجاهدين التي تألفت من زعماء هذه القبائل، حينما أعلنت الخلافة العثمانية الجهاد، على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤، وقد التحق بها عدد من علماء الهند ومجاهديها، حالما علموا بإعلان الجهاد، وكان لجهود هذه الجمعية أثر كبير، في إزعاج الحكومة البريطانية في الهند، وقد اطلعني أمينها العام على أعداد مجلة كانوا يصدرونها باسم (الجهاد) وقد كتب تحت اسم (الجهاد) إحدى آيات القرآن الكريم التي تحث على الجهاد وشعار:
ونحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما حيينا أبداً
وهذا البيت كان يردده صحابة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم... وقد اطلعني أمين هذه الجمعية على نسخة من جريدة التايمز وفيها تصريح للمستر لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية حينئذ ألقاه في مجلس العموم البريطاني رداً على اللوم الذي وجهه إلى حكومته بعض النواب بسبب سقوط «كوت العمارة» وأسر الجيش البريطاني، بقيادة الجنرال تاوزند، الذي حاصره فيها الجيش العثماني بقيادة القائد الشهير نور الدين، وقد جاء في رد الرئيس البريطاني قوله: إن حكومة الهند لم تستطع إنجاد القوات البريطانية المحصورة في كوت العمارة بسبب الحالة الخطيرة من الهياج الذي سيطر على مسلمي الهند وعلى قبائل الحدود الشمالية الغربية.
(وسيرد تفصيل ذلك في مكان آخر من هذه المذكرات، عن هذه المنطقة وقبائلها والدور الذي لعبته في كل من الحرب العالمية الأولى، والثانية، ومقدار حماسة هذه القبائل لقضية فلسطين ورغبتهم الشديدة للجهاد في سبيلها).
ومع أنني كنت أرى أفغانستان بعيدة عن ميدان حركتنا ونشاطنا، وأنه لا يتوفر لنا العمل فيها من أجل قضيتنا في ذلك الظرف، لكنني كنت أحاول العمل لنجاة رفاقنا، وقد ارتبت بنشاط موظف في السفارة الأفغانية، وعرفت فيما بعد أنه هندي الأصل،