مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 86

Normalized
transcript

ويعمل سراً في المخابرات البريطانية، ومن المحقق أنه أطلع المخابرات على خطتنا ورغبتنا في السفر إلى أفغانستان، وقد كان لاطلاع الإنكليز على هذه الخطة فائدة كبرى، لأنهم ركزوا جهودهم في البحث عني في الحدود الشرقية والشمالية الموصلة إلى أفغانستان، وبثوا فيها العيون والأرصاد، فكان ذلك مما ساعد على تضليلهم ونجاتي من قبضة يدهم.

وكنت على صلة حسنة بالسيد «فيض محمد خان» من أعلام أفغانستان، منذ كان وزيراً للخارجية، عندما زرت أفغانستان للمرة الأولى عام ١٩٣٣، وكان قد مر ببغداد قبيل حوادث العراق الأخيرة وزارني في بيتي ببغداد ورأى فيه عدداً من الحراس الأفغانيين الأشداء الذين رافقوني من فلسطين إلى لبنان فالعراق، فسر بهم كثيراً، وفي زيارته هذه أبدى لي عتب الحكومة الأفغانية على مصر والعراق لتأخرهما في مبادلتها التمثيل الديبلوماسي، فقد كانت أفغانستان أرسلت وزيرها المفوض إلى القاهرة منذ عهد بعيد، لكن مصر حينئذ لم تقابلها بالمثل بحجة أن ليس لها مصالح تجارية في الأفغان، وكذلك كان موقف العراق، كأن العلاقات بين الدول الإسلامية لا تكون إلا مادية!.

فحدثت بذلك رئيس الوزارة العراقية السيد رشيد عالي، فوافق على تلبية رغبة الأفغان، وكتبت أيضاً إلى رئيس وزراء مصر، حينئذ المرحوم حسن صبري باشا، فلم ألبث حتى تلقيت جوابه بالموافقة، وهكذا تم تبادل التمثيل الديبلوماسي، وكان لذلك أثر حسن لدى الحكومة الأفغانية التي لم تتردد في الاستجابة لطلبنا أن نلتجئ إليها في تلك الظروف الحرجة، كما هو ديدنها في جميع مواقف الشهامة والبطولة والكرامة.

لكن سرعة الزحف على طهران لم تمكن أحداً من الخروج منها، وكنت قد أعددت لي ولسائر إخواننا مخابئ عديدة حذراً من مباغتة الأعداء لنا.

وفي أواخر أغسطس شعرنا بالمراقبة الإنكليزية تشتد علينا، وكان للإنكليز في إيران في ذلك الحين نفوذ كبير وتغلغل خطير في الدوائر الحساسة، وكانت السفارة البريطانية تحتل منطقة واسعة جداً في العاصمة ذات حدائق فسيحة وأسوار منيعة، وكان نفوذها في دوائر الأمن العام الإيراني كبيراً.

وكنت قد تلقيت تحذيراً من السيد توفيق السويدي رئيس الوزارة العراقية الأسبق، وكان حينئذ في إيران، بأن الإنكليز مصممون على اعتقالي وناقمون أشد النقمة علي، فأضفت هذا التحذير إلى معلوماتي السابقة عن هذا الأمر.

English
translation

and secretly worked for British intelligence. It is certain that he informed the intelligence service of our plan and our wish to travel to Afghanistan. The English learning of this plan proved of great benefit, because they concentrated their search for me along the eastern and northern frontiers leading to Afghanistan and deployed spies and lookouts there. This helped mislead them and enabled me to escape their grasp.

I had been on good terms with Mr. ‘Faiz Muhammad Khan,’ one of Afghanistan’s prominent figures, since he had been Foreign Minister when I first visited Afghanistan in 1933. He had passed through Baghdad shortly before the recent events in Iraq and visited me at my house there. He saw a number of the stalwart Afghan guards who had accompanied me from Palestine to Lebanon and then Iraq, and was much pleased with them. During this visit, he conveyed to me the Afghan government’s disappointment with Egypt and Iraq for their delay in reciprocating diplomatic representation. Afghanistan had sent its minister plenipotentiary to Cairo long before, but Egypt had not reciprocated, on the grounds that it had no commercial interests in Afghanistan. Iraq’s position was the same, as though relations between Islamic states could only be material!

I therefore spoke about this to the Iraqi Prime Minister, Mr. Rashid Ali, who agreed to meet the Afghans’ wish. I also wrote to Egypt’s then Prime Minister, the late Hasan Sabri Pasha, and soon received his reply agreeing to it. Diplomatic representation was thus exchanged. This made a favorable impression on the Afghan government, which did not hesitate to grant our request for refuge under those critical circumstances, as is its custom in every situation calling for chivalry, heroism and dignity.

But the speed of the advance on Tehran prevented anyone from leaving it. I had prepared numerous hiding places for myself and all our brethren as a precaution against our enemies taking us by surprise.

In late August, we felt English surveillance of us intensifying. At that time the English wielded great influence in Iran and had penetrated sensitive departments to a dangerous extent. The British embassy occupied a very large area in the capital, with spacious gardens and fortified walls, and wielded considerable influence in Iran’s public security departments.

I had received a warning from Mr. Tawfiq al-Suwaydi, the former Iraqi Prime Minister, who was then in Iran, that the English were determined to arrest me and were deeply resentful of me. I added this warning to what I already knew about the matter.

Analysis

This page completes the narrator’s claim that an Afghan embassy employee secretly informed British intelligence, then describes Afghan diplomatic relations with Egypt and Iraq, refuge arrangements, hiding places, and intensified British surveillance in Tehran. It is especially significant for showing how diplomatic reciprocity is presented as a condition of Afghan assistance and how the narrator connects British institutional influence in Iran with a direct threat of arrest. The page preserves named officials, the narrator’s certainty about the intelligence leak, and the warning attributed to Tawfiq al-Suwaydi. These allegations, political assessments, and security claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ويعمل سراً في المخابرات البريطانية، ومن المحقق أنه أطلع المخابرات على خطتنا ورغبتنا في السفر إلى أفغانستان، وقد كان لاطلاع الإنكليز على هذه الخطة فائدة كبرى، لأنهم ركزوا جهودهم في البحث عني في الحدود الشرقية والشمالية الموصلة إلى أفغانستان، وبثوا فيها العيون والأرصاد، فكان ذلك مما ساعد على تضليلهم ونجاتي من قبضة يدهم.

وكنت على صلة حسنة بالسيد «فيض محمد خان» من أعلام أفغانستان، منذ كان وزيراً للخارجية، عندما زرت أفغانستان للمرة الأولى عام ١٩٣٣، وكان قد مر ببغداد قبيل حوادث العراق الأخيرة وزارني في بيتي ببغداد ورأى فيه عدداً من الحراس الأفغانيين الأشداء الذين رافقوني من فلسطين إلى لبنان فالعراق، فسر بهم كثيراً، وفي زيارته هذه أبدى لي عتب الحكومة الأفغانية على مصر والعراق لتأخرهما في مبادلتها التمثيل الديبلوماسي، فقد كانت أفغانستان أرسلت وزيرها المفوض إلى القاهرة منذ عهد بعيد، لكن مصر حينئذ لم تقابلها بالمثل بحجة أن ليس لها مصالح تجارية في الأفغان، وكذلك كان موقف العراق، كأن العلاقات بين الدول الإسلامية لا تكون إلا مادية!.

فحدثت بذلك رئيس الوزارة العراقية السيد رشيد عالي، فوافق على تلبية رغبة الأفغان، وكتبت أيضاً إلى رئيس وزراء مصر، حينئذ المرحوم حسن صبري باشا، فلم ألبث حتى تلقيت جوابه بالموافقة، وهكذا تم تبادل التمثيل الديبلوماسي، وكان لذلك أثر حسن لدى الحكومة الأفغانية التي لم تتردد في الاستجابة لطلبنا أن نلتجئ إليها في تلك الظروف الحرجة، كما هو ديدنها في جميع مواقف الشهامة والبطولة والكرامة.

لكن سرعة الزحف على طهران لم تمكن أحداً من الخروج منها، وكنت قد أعددت لي ولسائر إخواننا مخابئ عديدة حذراً من مباغتة الأعداء لنا.

وفي أواخر أغسطس شعرنا بالمراقبة الإنكليزية تشتد علينا، وكان للإنكليز في إيران في ذلك الحين نفوذ كبير وتغلغل خطير في الدوائر الحساسة، وكانت السفارة البريطانية تحتل منطقة واسعة جداً في العاصمة ذات حدائق فسيحة وأسوار منيعة، وكان نفوذها في دوائر الأمن العام الإيراني كبيراً.

وكنت قد تلقيت تحذيراً من السيد توفيق السويدي رئيس الوزارة العراقية الأسبق، وكان حينئذ في إيران، بأن الإنكليز مصممون على اعتقالي وناقمون أشد النقمة علي، فأضفت هذا التحذير إلى معلوماتي السابقة عن هذا الأمر.